التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{طه} (1)

مقدمة السورة:

سميت سورة { طاها } باسم الحرفين المنطوق بهما في أولها .

ورسم الحرفان بصورتهما لا بما ينطق به الناطق من اسميهما تبعا لرسم المصحف كما تقدم في سورة الأعراف . وكذلك وردت تسميتها في كتب السنة في حديث إسلام عمر بن الخطاب كما سيأتي قريبا .

وفي تفسير القرطبي عن مسند الدرامي عن هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن الله تبارك وتعالى قرأ { طاها } { باسمين } قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام فلما سمعت الملائكة القرآن قالوا : طوبى لأمة ينزل هذا عليها الحديث . قال ابن فورك : معناه أن الله أظهر كلامه وأسمعه من أراد أن يسمعه من الملائكة ، فتكون هذه التسمية مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وذكر في الإتقان عن السخاوي أنها تسمى أيضا { سورة الكليم } ، وفيه عن الهذلي في كامله أنها تسمى { سورة موسى } .

وهي مكية كلها على قول الجمهور . واقتصر عليه ابن عطية وكثير من المفسرين . وفي الإتقان أنه استثني منها آية { فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها } الآية . واستظهر في الإتقان أن يستثنى منها قوله تعالى { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا } الآية . لما أخرج أبو يعلى والزار عن أبي رافع قال : أضاف النبي صلى الله عليه وسلم ضيفا فأرسلني إلى رجل من اليهود أن أسلفني دقيقا إلى هلال رجب فقال : لا ، إلا برهن ، فأتيت النبي فأخبرته فقال : أما والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض . فلم أخرج من عنده حتى نزلت { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا } الآية اهـ .

وعندي أنه إن صح حديث أبي رافع فهو من اشتباه التلاوة بالنزول . فالعل النبي صلى الله عليه وسلم قرأها متذكرا فظنها أبو رافع نازلة ساعتئذ ولم يكن سمعها قبل ، أو أطلق النزول على التلاوة . ولهذا نظائر كثيرة في المرويات في أسباب النزول كما علمته غير مرة .

وهذه السورة هي الخامسة والأربعون في ترتيب النزول نزلت بعد سورة مريم وقبل سورة الواقعة . ونزلت قبل إسلام عمر بن الخطاب لما روى الدارقطني عن أنس بن مالك ، وابن إسحاق في سيرته عنه قال : خرج عمر متقلدا بسيف . فقيل له : إن ختنك وأختك قد صبوا ، فأتاهما عمر وعندهما خباب بن الأرت يقرئهما سورة { طاها } ، فقال : أعطوني الكتاب الذي عندكم فأقرأه? فقالت له أخته : إنك رجس ، ولا يمسه إلا المطهرون فقم فاغتسل أو توضأ . فقام عمر وتوضأ وأخذ الكتاب فقرأ طه . فلما قرأ صدرا منها قال : ما أحسن هذا الكلام وأكرمه إلى آخر القصة . وذكر الفخر عن بعض المفسرين أن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة .

وكان إسلام عمر في سنة خمس من البعثة قبيل الهجرة الأولى إلى الحبشة فتكون هذه السورة قد نزلت في سنة خمس أو أواخر سنة أربع من البعثة .

وعدت آيها في عدد أهل المدينة ومكة مائة وأربعا وثلاثين وفي عدد أهل الشام مائة وأربعين ، وفي عدد أهل البصرة مائة واثنتين وثلاثين . وفي عدد أهل الكوفة مائة وخمسا وثلاثين .

أغراضها

احتوت من الأغراض على : التحدي بالقرآن بذكر الحروف المقطعة في مفتتحها والتنويه بأنه تنزيل من الله لهدي القابلين للهداية ؛ فأكثرها في هذا الشأن .

والتنويه بعظمة الله تعالى . وإثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بأنها تماثل رسالة أعظم رسول قبله شاع ذكره في الناس . فضرب المثل لنزول القران على محمد صلى الله عليه وسلم بكلام الله موسى عليه السلام

وبسط نشأة موسى وتأييد الله إياه ونصره على فرعون بالحجة والمعجزات وبصرف كيد فرعون عنه وعن أتباعه .

وإنجاء الله موسى وقومه ، وغرق فرعون ، وما أكرم الله به بني إسرائيل في خروجهم من بلد القبط .

وقصة السامري وصنعه العجل الذي عبده بنو إسرائيل في مغيب موسى عليه السلام وكل ذلك تعويض بأن مآل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم صائر إلى ما صارت إليه بعثة موسى عليه السلام من النصر على معانديه . فلذلك انتقل من ذلك إلى وعيد من أعرضوا عن القرآن ولم تنفعهم أمثاله ومواعظه .

ورتب على ذلك سوء الجزاء في الآخرة لمن جعلوا مقادتهم بيد الشيطان وإنذارهم بسوء العقاب في الدنيا .

وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم على ما يقولونه وتثبيته على الدين .

وتخلل ذلك إثبات البعث . وتهويل يوم القيامة وما يتقدمه من الحوادث والأهوال .

وهذان الحرفان من حروف فواتح بعض السور مثل آلم ، ويس . ورسما في خط المصحف بصورة حروف التهجي التي هي مسمى ( طا ) و ( ها ) كما رُسم جميع الفواتح التي بالحروف المقطعة . وقرئا لجميع القراء كما قرئت بقية فواتح السور . فالقول فيهما كالقول المختار في فواتح تلك السور ، وقد تقدم في أول سورة البقرة وسورة الأعراف .

وقيل هما حرفان مقتضَبَان من كلمتي ( طاهر ) و ( هاد ) وأنهما على معنى النّداء بحذف حرف النداء .

وتقدم وجه المدّ في ( طا ) ( ها ) في أول سورة يونس . وقيل مقتضبان من فعل ( طَأْ ) أمراً من الوطء . ومن ( ها ) ضمير المؤنثة الغائبة عائد إلى الأرض . وفُسر بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في أول أمره إذا قام في صلاة الليل قام على رِجْل واحدة فأمره الله بهذه الآية أن يطأ الأرض برجله الأخرى . ولم يصح .

وقيل ( طاها ) كلمة واحدة وأن أصلها من الحبشية ، ومعناها إنسان ، وتكلمت بها قبيلة ( عَك ) أو ( عُكْل ) وأنشدوا ليزيد بن مهلهل :

إن السفاهة طاها من شمائلكم *** لا باركَ الله في القوممِ الملاعين

وذهب بعض المفسرين إلى اعتبارهما كلمة لغة ( عَك ) أو ( عُكل ) أو كلمة من الحبشية أو النبطية وأنّ معناها في لغة : ( عك ) يا إنسان ، أو يا رجل ، وفي ما عداها : يا حبيبي ، وقيل : هي اسم سمى الله به نبيئه صلى الله عليه وسلم وأنه على معنى النّداء ، أو هو قسم به . وقيل : هي اسم من أسماء الله تعالى على معنى القسم .

ورويت في ذلك آثار وأخبار ذكر بعضها عياض في « الشِّفاء » . ويجري فيها قول من جعل جميع هذه الحروف متحدة في المقصود منها . كقول من قال : هي أسماء للسور الواقعة فيها ، ونحو ذلك مما تقدم في سورة البقرة . وإنما غرّهم بذلك تشابه في النطق فلا نطيل بردها . وكذلك لا التفات إلى قول من زعموا أنه من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{طه} (1)

مقدمة السورة:

سورة طه مكية في قول الجميع نزلت قبل إسلام عمر رضي الله عنه ، روى الدارقطني في سننه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : خرج عمر متقلدا بسيف فقيل له : إن ختنك قد صبوا{[1]} فأتاهما عمر وعندهما رجل من المهاجرين يقال له : خباب ، وكانوا يقرؤون " طه " فقال : أعطوني الكتاب الذي عندكم فأقرأه وكان عمر رضي الله عنه يقرأ الكتب فقالت له أخته : إنك رجس ولا يمسه إلا المطهرون فقم فاغتسل أو توضأ ، فقام عمر رضي الله عنه وتوضأ ، وأخذ الكتاب فقرأ " طه " وذكره ابن إسحاق مطولا : فإن عمر خرج متوشحا سيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتله فلقيه نعيم بن عبدالله فقال أين تريد يا عمر ؟ فقال أريد محمدا هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها فأقتله فقال له نعيم : والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدا ؟ !أفلا ترجع إلى أهلك فتقيم أمرهم ؟ فقال وأي أهل بيتي ؟ قال ختنك وابن عمك سعيد بن زيد وأختك فاطمة بنت الخطاب فقد والله أسلما وتابعا محمدا على دينه فعليك بهما ، قال : فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه وعندهما خباب بن الأرت معه صحيفة فيها " طه " يقرئهما إياها ، فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع لهم ، أوفي بعض البيت وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها ، وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما ، فلما دخل قال ما هذه الهَيْنَمَة{[2]} التي سمعت ؟ قالا له : ما سمعت شيئا قال : بلى والله ، لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا إلى دينه وبطش بختنه سعيد بن زيد ، فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها فشجها ، فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه : نعم قد أسلمنا وأمنا بالله ورسول فاصنع ما بدا لك ، ولما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع فارعوى وقال لأخته : أعطني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرؤونها آنفا أنظر ما هذا الذي جاء به محمد وكان كاتبا ، فلما قال ذلك : قالت له أخته إنا نخشاك عليها قال لها لا تخافي وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت له : يا أخي إنك نجس على شركك وإنه لا يمسها إلا الطاهر ، فقام عمر واغتسل فأعطته الصحيفة وفيها " طه " فلما قرأ منها صدرا قال : ما أحسن هذا الكلام وأكرمه ! فلما سمع ذلك خباب خرج إليه فقال له : يا عمر والله إني لأرجو أن يكون الله خصك بدعوة نبيه فإني سمعته أمس وهو يقول ( اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو الخطاب ) فالله الله يا عمر فقال له عند ذلك : فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم وذكر الحديث .

مسألة : أسند الدارمي أبو محمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم ( إن الله تبارك وتعالى قرأ " طه " و " يس " قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام ، فلما سمعت الملائكة القرآن قالت : طوبى لأمة ينزل هذا عليها ، وطوبى لأجواف تحمل هذا وطوبى لألسنة تتكلم بهذا ) قال ابن فورك : معنى قوله ( إن الله تبارك وتعالى قرأ " طه " و " يس " ) أي أظهر وأسمع وأفهم كلامه من أراد من خلقه الملائكة في ذلك الوقت والعرب تقول : قرأت الشيء إذا تتبعته ، وتقول : ما قرأت هذه الناقة في رحمها سلا قط أي ما ظهر فيها ولد ، فعلى هذا يكون الكلام سائغا وقراءته إسماعه وإفهامه قرأته بعبارات يخلقها وكتابة يحدثها ، وهي معنى قولنا : قرأنا كلام الله ومعنى قوله " فاقرؤوا ما تيسر من القرآن " " فاقرؤوا ما تيسر منه " {[3]} ومن أصحابنا من قال معنى قوله قرأ ) أي تكلم به ، وذلك مجاز كقولهم : ذقت هذا القول{[4]} ذواقا بمعنى اختبرته ومنه قوله : " فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما يصنعون " {[5]} أي ابتلاهم الله تعالى به فسمي ذلك ذوقا والخوف لا يذاق على الحقيقة ؛ لأن الذوق في الحقيقة بالفم دون غيره من الجوارح قال ابن فورك : وما قلناه أولا أصح في تأويل هذا الخبر ؛ لأن كلام الله تعالى أزلي قديم سابق لجملة الحوادث ، وإنما أسمع وأفهم من أراد من خلقه على ما أراد في الأوقات والأزمنة ، لا أن عين كلامه يتعلق وجوده بمدة وزمان .

قوله تعالى : " طه " اختلف العلماء في معناه فقال الصديق رضي الله تعالى عنه : هو من الأسرار . ذكره الغزنوي . ابن عباس : معناه يا رجل . ذكره البيهقي . وقيل : إنها لغة معروفة في عكل . وقيل : في عَكّ . قال الكلبي : لو قلت في عك لرجل : يا رجل لم يجب حتى تقول : طه ، وأنشد الطبري في ذلك فقال{[10993]} :

دعوت بطَهَ في القتال فلم يُجِبْ *** فخفت عليه أن يكون مُوَائِلاَ

ويروى مزايلا ، وقال عبد الله بن عمر : يا حبيبي بلغة عك ذكره الغزنوي . وقال قطرب : هو بلغة طيء وأنشد ليزيد بن المهلهل :

إن السفاهة طَهَ من شمائلكم *** لا بارك الله في القوم الملاَعين

وكذلك قال الحسن معنى " طه " يا رجل ، وقاله عكرمة وقال : هو بالسريانية ، كذلك ذكره المهدوي وحكاه الماوردي عن ابن عباس أيضا ومجاهد ، وحكى الطبري أنه بالنبطية : يا رجل وهذا قول السدي وسعيد بن جبير وابن عباس أيضا قال :

إن السفاهة طَهَ من خلائقكم *** لا قدس الله أرواح الملاعين

وقال عكرمة أيضا : هو كقولك يا رجل بلسان الحبشة ذكره الثعلبي . والصحيح أنها وإن وجدت في لغة أخرى فإنها من لغة العرب كما ذكرنا ، وأنها لغة يمينية في عك وطيء وعكل أيضا . وقيل : هو اسم من أسماء الله تعالى وقسم أقسم به وهذا أيضا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وقيل : هو اسم للنبي صلى الله عليه وسلم سماه الله تعالى به كما سماه محمدا ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لي عند ربي عشرة أسماء ) فذكر أن فيها " طه " و " يس " وقيل هو اسم للسورة ومفتاح لها ، وقيل : إنه اختصار من كلام الله خص الله تعالى رسول بعلمه . وقيل : إنها حروف مقطعة يدل كل حرف منها على معنى ، واختلف في ذلك فقيل : الطاء شجرة طوبى والهاء النار الهاوية والعرب تعبر عن الشيء كله ببعضه كأنه أقسم بالجنة والنار وقال سعيد بن جبير : الطاء افتتاح اسمه طاهر وطيب ، والهاء افتتاح اسمه هادي . وقيل : " طاء " يا طامع الشفاعة للأمة " هاء " يا هادي الخلق إلى الله . {[10994]} وقيل : الطاء من الطهارة والهاء من الهداية كأنه يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام : يا طاهرا من الذنوب يا هادي الخلق إلى علام الغيوب . وقيل : الطاء طبول الغزاة والهاء هيبتهم في قلوب الكافرين ، بيانه قوله تعالى " سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب " {[10995]} وقوله " وقذف في قلوبهم الرعب{[10996]} " وقيل : الطاء طرب أهل الجنة في الجنة ، والهاء هوان أهل النار في النار . وقول سادس : إن معنى " طه " طوبى لمن اهتدى . قاله مجاهد ومحمد بن الحنفية ، وقول سابع : إن معنى " طه " طأ الأرض ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحمل مشقة الصلاة حتى كادت قدماه تتورم ويحتاج إلى الترويح بين قدميه ، فقيل له : طأ الأرض أي لا تتعب حتى تحتاج إلى الترويح . حكاه ابن الأنباري . وذكر القاضي عياض في " الشفاء " أن الربيع بن أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى ، فأنزل الله تعالى " طه " يعني طأ الأرض يا محمد ، الزمخشري . وعن الحسن " طه " وفسر بأنه أمر بالوطء وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه فأمر أن يطأ الأرض بقدميه معا وأن الأصل : طأ فقلبت همزته هاء كما قلبت [ ألفا ]{[10997]} في ( يطأ ) فيمن قال :

. . . لا هَنَاكِ المَرْتَعُ{[10998]}

ثم بني عليه هذا الأمر والهاء للسكت ، وقال مجاهد : كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يربطون الحبال في صدورهم في الصلاة بالليل من طول القيام ، ثم نسخ ذلك بالفرض فنزلت هذه الآية . وقال الكلبي : لما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بمكة اجتهد في العبادة واشتدت عبادته ، فجعل يصلي الليل كله زمانا حتى نزلت هذه الآية ، فأمره الله تعالى أن يخفف عن نفسه فيصلي وينام ، فنسخت هذه الآية قيام الليل فكان بعد هذه الآية يصلي وينام . وقال مقاتل والضحاك : فلما نزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم قام وأصحابه فصلوا فقال كفار قريش ما أنزل الله هذا القرآن على محمد إلا ليشقى فأنزل الله تعالى " طه " يقول : رجل " ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى " أي لتتعب ، على ما يأتي وعلى هذا القول إن " طه " [ طاها{[10999]} ] أي طأ الأرض فتكون الهاء والألف ضمير الأرض أي طأ الأرض برجليك في صلواتك وخففت الهمزة فصارت ألفا ساكنة وقرأت طائفة " طه " وأصله طأ بمعنى طأ الأرض فحذفت الهمزة وأدخلت هاء السكت . وقال زر بن حبيش : قرأ رجل على عبد الله بن مسعود " طه ، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى " فقال له عبد الله " طِهِ " فقال : يا أبا عبد الرحمن أليس قد أمر أن يطأ الأرض برجله أو بقدميه ؟ فقال : " طِهِ " كذلك أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأمال أبو عمرو وأبو إسحاق الهاء وفتحا الطاء ، وأمالهما جميعا أبو بكر وحمزة والكسائي والأعمش ، وقرأهما أبو جعفر وشيبة ونافع بين اللفظين واختاره أبو عبيد الباقون بالتفخيم . قال الثعلبي : وهي كلها لغات صحيحة . النحاس : لا وجه للإمالة عند أكثر أهل العربية لعلتين ، إحداهما : أنه ليس ههنا ياء ولا كسرة فتكون الإمالة ، والعلة الأخرى أن الطاء من الحروف الموانع للإمالة فهاتان علتان بينتان .


[1]:لعله عمرو بن مرة المذكور في سند الحديث (انظر ابن ماجه ج 1 ص 139 وسنن أبي داود ج 1 ص 77 طبع مصر).
[2]:في بعض النسخ: "أبي قاسم"
[3]:في بعض النسخ: "المسيي".
[4]:آية 92 سورة الحج
[5]:آية 98 سورة النحل
[10993]:هو متمم بن نويرة، وواءل: طلب النجاة.
[10994]:في الأصول جميعا: يا هادي الخلق إلى الله.
[10995]:راجع جـ 4 ص 232 فما بعد.
[10996]:راجع جـ 18 ص 3 فما بعد.
[10997]:الزيادة من تفسير الزمخشري.
[10998]:الشعر للفرزدق وتمام البيت: راحت بمسلمة البغال عشية *** فارعي فزارة لا هناك المرتع قال هذا حين عزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق، ووليها عمر بن هبيرة الفزاري، ودعا لقومه ألا يهنئوا النعمة بولايته. وأراد بغال البريد التي قدمت بمسلمة عزله. "شواهد سيبويه".
[10999]:الزيادة من كتب التفسير.