التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{نُسَارِعُ لَهُمۡ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ بَل لَّا يَشۡعُرُونَ} (56)

المسارعة : التعجيل ، وهي هنا مستعارة لتوخي المرغوب والحرص على تحصيله . وفي حديث عائشة أنها قالت للنبيء صلى الله عليه وسلم « ما أرى ربك إلا يسارع في هواك » أي يعطيك ما تحبه لأن الراغب في إرضاء شخص يكون متسارعاً في إعطائه مرغوبه ، ويقال : فلان يجري في حظوظك . ومتعلق { نسارع } محذوف تقديره : نسارع لهم به ، أي بما نمدهم به من مال وبنين . وحذف لدلالة { نمدهم به } عليه .

وظرفية ( في ) مجازية . جعلت { الخيرات } بمنزلة الطريق يقع فيه المسارعة بالمشي فتكون ( في ) قرينة مكنية . وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى : { يا أيها الرسول لا يُحزنك الذين يسارعون في الكفر } [ المائدة : 41 ] وقوله : { فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم } [ المائدة : 52 ] كلاهما في سورة العقود ، وقوله : { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات } في سورة الأنبياء ( 90 ) .

والخيرات : جمع خير بالألف والتاء ، وهو من الجموع النادرة مثل سرادقات . وقد تقدم عند قوله تعالى : { وأولئك لهم الخيرات } في سورة براءة ( 88 ) ، وتقدم في سورة الأنبياء ( 73 90 ) .

و ( بل ) إضراب عن المظنون لا على الظن كما هو ظاهر بالقرينة ، أي لسنا نسارع لهم بالخيرات كما ظنوا بل لا يشعرون بحكمة ذلك الإمداد وأنها لاستدراجهم وفضحهم بإقامة الحجة عليهم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{نُسَارِعُ لَهُمۡ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ بَل لَّا يَشۡعُرُونَ} (56)

قوله تعالى : " أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين " " ما " بمعنى الذي ، أي أيحسبون يا محمد أن الذي نعطيهم في الدنيا من المال والأولاد هو ثواب لهم ، إنما هو استدراج وإملاء ، ليس إسراعا في الخيرات . وفي خبر " أن " ثلاثة أقوال ، منها أنه محذوف . وقال الزجاج : المعنى نسارع لهم به في الخيرات ، وحذفت به . وقال هشام الضرير قولا دقيقا ، قال : " أنما " هي الخيرات ، فصار المعنى : نسارع لهم فيه ، ثم أظهر فقال " في الخيرات " ، ولا حذف فيه على هذا التقدير . ومذهب الكسائي أن " أنما " حرف واحد فلا يحتاج إلى تقدير حذف ، ويجوز الوقف على قول " وبنين " . ومن قال " أنما " حرفان فلا بد من ضمير يرجع من الخبر إلى اسم " أن " ولم يتم الوقف على " وبنين " . وقال السختياني : لا يحسن الوقف على " وبنين " ؛ لأن " يحسبون " يحتاج إلى مفعولين ، فتمام المفعولين " في الخيرات " قال ابن الأنباري : وهذا خطأ ؛ لأن " أن " كافية من اسم أن وخبرها ولا يجوز أن يؤتى بعد " أن " بمفعول ثان . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وعبد الرحمن بن أبي بكرة " يسارع " بالياء ، على أن يكون فاعله إمدادنا . وهذا يجوز أن يكون على غير حذف ، أي يسارع لهم الإمداد . ويجوز أن يكون فيه حذف ، ويكون المعنى يسارع الله لهم . وقرئ " يسارع لهم في الخيرات " وفيه ثلاثة أوجه : أحدها على حذف به . ويجوز أن يكون يسارع الأمداد . ويجوز أن يكون " لهم " اسم ما لم يسم فاعله ، ذكره النحاس . قال المهدوي : وقرأ الحر النحوي " نسرع لهم في الخيرات " وهو معنى قراءة الجماعة . قال الثعلبي : والصواب قراءة العامة ؛ لقوله " نمدهم " . " بل لا يشعرون " أن ذلك فتنة لهم واستدراج .