التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ} (41)

لما بينت لهم الأشباه والأمثال من الأمم التي اتخذت الأصنام من دون الله فما أغنت عنهم أصنامهم لما جاءهم عذاب الله أعقب ذلك بضرب المثل لحال جميع أولئك وحال من ماثلهم من مشركي قريش في اتخاذهم ما يحسبونه دافعاً عنهم وهو أضعف من أن يدفع عن نفسه ، بحال العنكبوت تتخذ لنفسها بيتاً تحسب أنها تعتصم به من المعتدي عليها فإذا هو لا يصمد ولا يثبت لأضعف تحريك فيسقط ويتمزق . والمقصود بهذا الكلام مشركو قريش ، وتعلم مساواة غيرهم لهم في ذلك بدلالة لحن الخطاب ، والقرينة قوله بعده { إن الله يعلم ما تدعون من دونه من شيء } [ العنكبوت : 42 ] فضمير { اتخذوا } عائد إلى معلوم من سياق الكلام وهم مشركو قريش .

وجملة { اتخذت بيتاً } حال من { العنكبوت } وهي قيد في التشبيه . وهذه الهيئة المشبه بها مع الهيئة المشبهة قابلة لتفريق التشبيه على أجزائها فالمشركون أشبهوا العنكبوت في الغرور بما أعدوه ، وأولياؤهم أشبهوا بيت العنكبوت في عدم الغناء عمن اتخذوها وقت الحاجة إليها وتزول بأقل تحريك ، وأقصى ما ينتفعون به منها نفع ضعيف وهو السكنى فيها وتوهم أن تدفع عنهم كما ينتفع المشركون بأوهامهم في أصنامهم . وهو تمثيل بديع من مبتكرات القرآن كما سيأتي قريباً عند قوله { وتلك الأمثال نضربها للناس } في هذه السورة( 43 ) .

و { العنكبوت } : صنف من الحشرات ذات بطون وأرجل وهي ثلاثة أصناف ، منها صنف يسمى ليث العناكب وهو الذي يفترس الذباب ، وكلها تتخذ لأنفسها نسيجاً تنسجه من لُعابها يكون خيوطاً مشدودة بين طرفين من الشجر أو الجدران ، وتتخذ في وسط تلك الخيوط جانباً أغلظ وأكثر اتصال خيوط تحتجب فيه وتفرّخ فيه . وسمي بيتاً لشبهه بالخيمة في أنه منسوج ومشدود من أطرافه فهو كبيت الشعر .

وجملة { وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت } معترضة مبينة وجه الشبه . وهذه الجملة تجري مجرى المثل فيضرب لقلة جدوى شيء فاقتضى ذلك أن الأديان التي يعبد أهلها غير الله هي أحقر الديانات وأبعدها عن الخير والرشد وإن كانت متفاوتة فيما يعرض لتلك العبادات من الضلالات كما تتفاوت بيوت العنكبوت في غلظها بحسب تفاوت الدويبات التي تنسجها في القوة والضعف .

وجملة { لو كانوا يعلمون } متصلة بجملة { كمثل العنكبوت } لا بجملة { وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت } . فتقدير جواب { لو } هكذا : لو كانوا يعلمون أن ذلك مثَلُهم ، أي ولكنهم لا يعلمون انعدام غناء ما اتخذوه عنهم . وأما أوهنية بيت العنكبوت فلا يجهلها أحد .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ} (41)

قوله تعالى : " مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت " قال الأخفش : " كمثل العنكبوت " وقف تام . ثم قصتها فقال : " اتخذت بيتا " قال ابن الأنباري : وهذا غلط ؛ لأن " اتخذت بيتا " صلة للعنكبوت . كأنه قال " كمثل التي اتخذت بيتا " فلا يحسن الوقف على الصلة دون الموصول وهو بمنزلة قوله : " كمثل الحمار يحمل أسفارا " [ الجمعة : 5 ] فيحمل صلة للحمار ولا يحسن الوقف على الحمار دون يحمل . قال الفراء : هو مثل ضربه الله سبحانه لمن اتخذ من دونه آلهة لا تنفعه ولا تضره ، كما أن بيت العنكبوت لا يقيها حرا ولا بردا ولا يحسن الوقف على العنكبوت ؛ لأنه لما قصد بالتشبيه لبيتها الذي لا يقيها من شيء فشبهت الآلهة التي لا تنفع ولا تضر به . " وإن أوهن البيوت " أي أضعف البيوت . " لبيت العنكبوت " قال الضحاك : ضرب مثلا لضعف آلهتهم ووهنها فشبهها ببيت العنكبوت . " لو كانوا يعلمون " " لو " متعلقة ببيت العنكبوت أي لو علموا أن عبادة الأوثان كاتخاذ بيت العنكبوت التي لا تغني عنهم شيئا وأن هذا مثلهم لما عبدوها ، لا أنهم يعلمون أن بيت العنكبوت ضعيف . وقال النحاة : إن تاء العنكبوت في آخرها مزيدة ؛ لأنها تسقط في التصغير والجمع وهي مؤنثة وحكى الفراء تذكيرها وأنشد :

على هَطَّالِهِمْ منهم بُيُوتٌ *** كأن العنكبوتَ قد ابتنَاهَا

ويروى :

على أهطالهم منهم بيوتٌ

قال الجوهري : والهطال : اسم جبل والعنكبوت الدويبة المعروفة التي تنسج نسجا رقيقا مهلهلا بين الهواء ويجمع عناكيب وعناكب وعِكَاب وعُكُب وأعْكُب وقد حكي أنه يقال عنكب وعكنباة{[12411]} . قال الشاعر :

كأنما يسقطُ من لُغَامِهَا *** بيتُ عَكَنْبَاةٍ على زِمَامهَا

وتصغر فيقال : عُنَيْكِب ، وقد حكي عن يزيد بن ميسرة أن العنكبوت شيطان مسخها الله تعالى ، وقال عطاء الخراساني : نسجت العنكبوت مرتين مرة على داود حين كان جالوت يطلبه ، ومرة على النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ولذلك نهى عن قتلها ، ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قال : طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت ، فإن تركه في البيوت يورث الفقر ، ومنع الخمير يورث الفقر .


[12411]:ويقال أيضا: عنكباة تقديم النون على الكاف.