التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٞ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ} (137)

استئناف ابتدائي : تمهيد لإعادة الكلام على ما كان يوم أحُد ، وما بينهما استطراد ، كما علمت آنفاً ، وهذا مقدّمة التَّسلية والبشارة الآيتين . ابتدئت هاته المقدّمة بحقيقة تاريخية : وهي الاعتبار بأحوال الأمم الماضية .

وجيء ب ( قد ) ، الدّالة على تأكيد الخبر ، تنزيلاً لهم منزلة من ينكر ذلك لما ظهر عليهم من انكسار الخواطر من جراء الهزيمة الحاصلة لهم من المشركين ، مع أنّهم يقاتلون لنصر دين الله ، وبعد أن ذاقوا حلاوة النَّصر يوم بدر ، فبيّن الله لهم أنّ الله جعل سنّة هذا العامل أن تكون الأحوال فيه سجالاً ومداولة ، وذكّرهم بأحوال الأمم الماضية ، فقال : { قد خلت من قبلكم سنن } . والله قادر على نصرهم ، ولكن الحكمة اقتضت ذلك لئلاّ يغترّ من يأتي بعدهم من المسلمين ، فيحسب أنّ النَّصر حليفهم . ومعنى خلت مضت وانقرضت . كقوله تعالى : { قد خلت من قبله الرسل } [ آل عمران : 137 ] .

والسنن جمع سنة وهي السيرة من العمل أو الخلق الذي يلازم المرءُ صدور العمل على مثالها قال لبيد :

من معشر سنَّت لهم آباؤهم *** ولكُلّ قوم سُنَّة وإمَامُهَا

وقال خالد الهذلي يخاطب أبا ذؤيب الهذلي :

فَلاَ تَجْزَعَنْ من سُنّة أنتَ سرْتها *** فأوّلُ راضٍ سنّةً من يَسيرها

وقد تردّد اعتبار أيمّة اللّغة إيّاها جامداً غير مشتقّ ، أو اسم مصْدر سَنّ ، إذ لم يرد في كلام العرب السَّنُّ بمعنى وضْع السنّة ، وفي « الكشاف » في قوله : { سنة اللَّه في الذين خلوا من قبل } في سورة [ الأحزاب : 38 ] : سنة الله اسم موضوع موضع المصدر كقولهم تُرْباً وَجَنْدَلاً ، ولعلّ مراده أنَّه اسم جامد أقيم مقام المصدر كما أقيم تُربا وجندلاً مُقام تَبَّاً وسُحْقاً في النصب على المفعولية المطلقة ، الَّتي هي من شأن المصادر ، وأنّ المعنى تراب له وجندل له أي حُصِب بتراب ورُجم بجندل . ويظهر أنَّه مختار صاحب لأنَّه لم يذكر في مادّة سَنّ ما يقتضي أنّ السنّة اسم مصدر ، ولا أتى بها عقب فعل سَنّ ، ولا ذكر مصدراً لفعل سنّ . وعلى هذا يكون فعل سنّ هو المشتقّ من السنّة اشتقاق الأفعال من الأسماء الجامدة ، وهو اشتقاق نادر . والجاري بكثرة على ألسنة المفسّرين والمعربين : أنّ السنّة اسم مصدر سَنّ ولم يذكروا لِفعل سَنّ مصدراً قياسياً . وفي القرآن إطلاق السنّة على هذا المعنى كثيراً : { فلن تجد لسنة اللَّه تبديلاً } [ فاطر : 43 ] وفسّروا السنن هنا بسنن الله في الأمم الماضية .

والمعنى : قد مضت من قبلكم أحوال للأمم ، جارية على طريقة واحدة ، هى عادة الله في الخلق ، وهي أنّ قوّة الظالمين وعتّوهم على الضعفاء أمر زائل ، والعاقبة للمتّقين المحقّين ، ولذلك قال : { فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } أي المكذّبين بِرسل ربّهم وأريد النظر في آثارهم ليحصل منه تحقّق ما بلغ من أخبارهم ، أو السؤال عن أسباب هلاكهم ، وكيف كانوا أولي قوة ، وكيف طغوا على المستضعفين ، فاستأصلهم الله أو لتطمئنّ نفوس المؤمنين بمشاهدة المخبر عنهم مشاهدةَ عيان ، فإنّ للعيان بديع معنى لأنّ بَلَغتهم أخبار المكذّبين ، ومن المكذّبين عاد وثمود وأصحاب الأيكة وأصحاب الرسّ ، وكلّهم في بلاد العرب يستطيعون مشاهدة آثارهم ، وقد شهدها كثير منهم في أسفارهم .

وفي الآية دلالة على أهميِّة علم التَّاريخ لأنّ فيه فائدة السير في الأرض ، وهي معرفة أخبار الأوائل ، وأسباب صلاح الأمم وفسادها . قال ابن عرفة : « السير في الأرض حسّي ومعنوي ، والمعنوي هو النظر في كتب التَّاريخ بحيث يحصل للنَّاظر العلم بأحوال الأمم ، وما يقرب من العلم ، وقد يحصل به من العلم ما لا يحصل بالسير في الأرض لِعجز الإنسان وقصوره » .

وإنَّما أمر الله بالسير في الأرض دون مطالعة الكتب لأنّ في المخاطبين مَن كانوا أمِّيين ، ولأنّ المشاهدة تفيد من لم يقرأ علماً وتقوّي عِلْم من قرأ التَّاريخ أو قصّ عليه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٞ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ} (137)

هذا تسلية من الله تعالى للمؤمنين ، والسنن جمع سنة وهي الطريق المستقيم . وفلان على السنة أي على طريق الاستواء لا يميل إلى شيء من الأهواء ، قال الهذلي :

فلا تجزعن من سُنَّةٍ أنتَ سِرْتَها *** فأول راض سُنَّةً من يَسيرها

والسنة : الإمام المتبع المؤتم به ، يقال : سن فلان سنة حسنة وسيئة إذا عمل عملا اقتدي به فيه من خير أو شر ، قال لبيد :

من معشرٍ سنتْ لهم آباؤهم *** ولكل قوم سنة وإمامها

والسنة الأمة ، والسنن الأُمَمُ ، عن المفضل . وأنشد :

ما عاين الناس من فضل كفضلهم *** ولا رأوا مثلَهم في سالفِ السنن

وقال الزجاج : والمعنى أهل سنن ، فحذف المضاف . وقال أبو زيد : أمثال . عطاء : شرائع . مجاهد : المعنى " قد خلت من قبلكم سنن " يعني بالهلاك فيمن كذب قبلكم كعاد وثمود . والعاقبة : آخر الأمر ، وهذا في يوم أحد . يقول فأنا أمهلهم وأملي لهم وأستدرجهم حتى يبلغ الكتاب أجله ، يعني بنصرة النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وهلاك أعدائهم الكافرين .