التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ} (8)

دعاء عُلِّمَه النبي صلى الله عليه وسلم تعليماً للأمة : لأنّ الموقع المحكي موقع عبرة ومثار لهواجس الخوف من سوء المصير إلى حال الذين في قلوبهم زيغ فما هم إلاّ من عقلاء البشر ، لا تفاوت بينهم وبين الرّاسخين في الإنسانية ، ولا في سلامة العقول والمشاعر ، فما كان ضلالهم إلاّ عن حرمانهم التوفيق ، واللطف ، ووسائلَ الاهتداء .

وقد عُلم من تعقيب قوله : { هو الذي أنزل عليك الكتاب } [ آل عمران : 7 ] الآيات بقوله : { ربنا لا تزغ قلوبنا } أنّ من جملة ما قُصد بوصف الكتاب بأنّ منه محكماً ومنه متشابهاً ، إيقاظَ الأمة إلى ذلك لتكون على بصيرة في تدبّر كتابها : تحذيراً لها من الوقوع في الضلال ، الذي أوقع الأممَ في كثير منه وجودُ المتشابهات في كتبها ، وتحذيراً للمسلمين من اتّباع البوارق الباطلة مثل ما وقع فيه بعض العرب من الردّة والعصيان ، بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لتوهّم أنّ التديّن بالدين إنّما كان لأجل وجود الرسول بينهم ، ولذلك كان أبو بكر يدعو بهذه الآية في صلاته مدة ارتداد من ارتد من العرب ، ففي « الموطأ » ، عن الصُّنَابِحي : أنّه قال : « قدمتُ المدينة في خلافة أبي بكر الصديق فصليت وراءه المغرب فقام في الثالثة فدنوت منه حتى إنّ ثيابي لتكاد تمسّ ثيابه فسمعته يقرأ بأمّ القرآن وهذه الآية : { ربنا لا تزغ قلوبنا } الآية .

فَزَيْغ القلب يتسبّب عن عوارض تعرض للعقل : من خلل في ذاته ، أو دواعٍ من الخُلطة أو الشهوة ، أو ضعف الإرادة ، تحول بالنفس عن الفضائل المتحلّية بها إلى رذائل كانت تهجس بالنفس فتذودها النفس عنها بما استقرّ في النفس من تعاليم الخير المسمّاة بالهُدى ، ولا يدري المؤمن ، ولا العاقلُ ، ولا الحكيم ، ولا المهذّبُ : أيَّةَ ساعة تحلّ فيها به أسباب الشقاء ، وكذلك لا يدري الشقي ، ولا المنهمك ، الأفن : أيَّةَ ساعة تحفّ فيها به أسباب الإقلاع عمّا هو متلبّس به من تغيّر خَلْق ، أو خُلُق ، أو تبدل خَليط ، قال تعالى : { ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم } [ الأنعام : 110 ] ولذا كان دأب القرآن قرنَ الثناء بالتحذير ، والبشارة بالإنذار .

وقوله : { بعد إذ هديتنا } تحقيق للدعوة على سبيل التلطّف ؛ إذ أسندوا الهَدْي إلى الله تعالى ، فكان ذلك كرماً منه ، ولا يرجع الكريم في عطيته ، وقد استعاذَ النبي صلى الله عليه وسلم من السلب بعد العطاء .

وإذْ اسم للزمن الماضي متصرّف ، وهي هنا متصرّفة تصرّفاً قليلاً ؛ لأنّها لمّا أضيف إليها الظرف ، كانت في معنى الظروف ، ولما كانت غير منصوبة كانت فيها شائبةُ تصرّفٍ ، كما هي في يومئذٍ وحينئذٍ ، أي بعد زمن هدايتِك إيانا .

وقوله : { وهب لنا من لدنك رحمة } طلبوا أثَرَ الدوام على الهُدى وهو الرحمة ، في الدنيا والآخرة ، ومنع دواعي الزيغ والشر .

وجعلت الرحمة من عند الله لأنّ تيسير أسبابها ، وتكوين مهيّئاتها ، بتقدير الله ؛ إذ لو شاء لكان الإنسان معَرّضاً لنزول المصائب والشرور في كلّ لمحة ؛ فإنّه محفوف بموجودات كثيرة ، حيّة وغير حيّة ، هو تلقاءَها في غاية الضعف ، لولا لطف الله به بإيقاظ عقله لاتّقاء الحوادث ، وبإرشاده لاجتناب أفعال الشرور المهلكة ، وبإلهامه إلى ما فيه نفعه ، وبجعل تلك القوى الغالبةِ له قوى عمياءَ لا تهتدي سبيلاً إلى قصده ، ولا تصادفه إلاّ على سبيل الندور ولهذا قال تعالى : { اللَّه لطيف بعباده } [ الشورى : 19 ] ومن أجلَى مظاهر اللطف أحوال الاضطرار والالتجاء وقد كنت قلت كلمة « اللّطْفُ عند الاضطرار » .

والقصر في قوله : { إنك أنت الوهاب } للمبالغة ، لأجل كمال الصفة فيه تعالى ؛ لأنّ هبات الناس بالنسبة لما أفاض الله من الخيرات شيء لا يعبأ به . وفي هذه الجملة تأكيد بإنّ ، وبالجملة الاسمية ، وبطريق القصر .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ} (8)

فيه مسألتان :

الأولى : قوله تعالى : " ربنا لا تزغ قلوبنا " في الكلام حذف تقديره يقولون . وهذا حكاية عن الراسخين . ويجوز أن يكون المعنى قل يا محمد ، ويقال : إزاغة القلب فساد وميل عن الدين ، أفكانوا يخافون وقد هدوا أن ينقلهم الله إلى الفساد ؟ فالجواب أن يكونوا سألوا إذ هداهم الله ألا يبتليهم بما يثقل عليهم من الأعمال فيعجزوا عنه ، نحو " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم . . . " {[2880]} [ النساء : 66 ] . قال ابن كيسان : سألوا ألا يزيغوا فيزيغ الله قلوبهم ؛ نحو " فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم . . . " {[2881]} [ الصف : 5 ] أي ثبتنا على هدايتك إذ هديتنا وألا نزيغ فنستحق أن تزيغ قلوبنا . وقيل : هو منقطع مما قبل ، وذلك أنه تعالى لما ذكر أهل الزيغ . عقب ذلك بأن علم عباده الدعاء إليه في ألا يكونوا من الطائفة الذميمة التي ذكرت هي وأهل الزيغ . وفي الموطأ عن أبي عبدالله الصنابحي أنه قال : قدمت المدينة في خلافة أبي بكر الصديق فصليت وراءه المغرب ، فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة من قصار المفصل ، ثم قام في الثالثة ، فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه ، فسمعته يقرأ بأم القرآن وهذه الآية " ربنا لا تزغ قلوبنا " الآية . قال العلماء : قراءته بهذه الآية ضرب من القنوت والدعاء لما كان فيه من أمر أهل الردة . والقنوت جائز في المغرب عند جماعة من أهل العلم ، وفي كل صلاة أيضا إذا دهم المسلمين أمر عظيم يفزعهم ويخافون منه على أنفسهم . وروى الترمذي من حديث شهر بن حوشب قال : قلت لأم سلمة : يا أم المؤمنين ، ما كان أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان عندك ؟ قالت : كان أكثر دعائه ( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ) . فقلت : يا رسول الله ، ما أكثر دعاءك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك قال : ( يا أم سلمة إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ ) . فتلا معاذ{[2882]} " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا " . قال : حديث حسن . وهذه الآية حجة على المعتزلة في قولهم : إن الله لا يضل العباد{[2883]} . ولو لم تكن الإزاغة من قبله لما جاز أن يدعى في دفع ما لا يجوز عليه فعله . وقرأ أبو واقد الجراح " لا تزغ قلوبنا " بإسناد الفعل إلى القلوب ، وهذه رغبة إلى الله تعالى . ومعنى الآية على القراءتين ألا يكون منك خلق الزيغ فيها فتزيغ .

الثانية : قوله تعالى : " وهب لنا من لدنك رحمة " أي من عندك ومن قبلك تفضلا لا عن سبب منا ولا عمل . وفي هذا استسلام وتطارح . وفي " لدن " أربع لغات : لدن بفتح اللام وضم الدال وجزم النون ، وهي أفصحها ، وبفتح اللام وضم الدال وحذف النون ، وبضم اللام وجزم الدال وفتح النون ، وبفتح اللام وسكون الدال وفتح النون . ولعل جهال المتصوفة وزنادقة الباطنية يتشبثون بهذه الآية وأمثالها فيقولون : العلم ما وهبه الله ابتداء من غير كسب ، والنظر في الكتب والأوراق حجاب . وهذا مردود على ما يأتي بيانه في هذا الموضع . ومعنى الآية : هب لنا نعيماً صادراً عن الرحمة ؛ لأن الرحمة راجعة إلى صفة الذات فلا يتصور فيها الهبة . يقال : وَهب يَهَب والأصل يوهب بكسر الهاء . ومن قال : الأصل يوهب بفتح الهاء فقد أخطأ لأنه لو كان كما قال لم تحذف الواو كما لم تحذف في يَوْجَل . وإنما حذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة ثم فتح بعد حذفها لأن فيه حرفا من حروف الحلق .


[2880]:- راجع جـ5 ص 270.
[2881]:- راجع جـ16 ص 82.
[2882]:- هو أحد رجال سند هذا الحديث.
[2883]:- يعني قولهم إن العباد هم الخالقون لأفعالهم.