التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّـٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (7)

{ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءايات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات }

استئناف ثالث بإخبار عن شأن من شؤون الله تعالى ، متعلّق بالغرض المسوق له الكلام : وهو تحقيق إنزاله القرآنَ والكتابينِ من قبله ، فهذا الاستئناف مؤكّد لمضمون قوله : { نزل عليك الكتاب بالحق } [ آل عمران : 3 ] هُوَ الذى أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيات محكمات هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ متشابهات } وتمهيد لقوله : { منه آيات محكمات } لأنّ الآيات نزلت في مجادلة وفد نجران ، وصُدّرت بإبطال عقيدتهم في إلاهية المسيح : والإشارة إلى أوصاف الإله الحقّة ، تَوَجَّه الكلام هنا إلى إزالة شبهتهم في شأن زعمهم اعترافَ نصوص القرآن بإلهية المسيح ؛ إذ وُصف فيها بأنّه روح الله ؛ وأنّه يُحي الموتى وأنّه كلمة الله ، وغير ذلك فنودي عليهم بأن ما تعلّقوا به تعلّق اشتباه وسوء تأويل .

وفي قوله : { هو الذي أنزل الكتاب } قصر صفة إنزال القرآن على الله تعالى : لتكون الجملة ، مع كونها تأكيداً وتمهيداً ، إبطالاً أيضاً لقول المشركين : { إنّما يعلّمه بَشَر } [ النحل : 103 ] وقولهم : { أساطير الأوّلين اكتَتبها فهي تُمْلَى عليه بُكْرَةً وأصيلا } [ الفرقان : 5 ] . وكقوله : { وما تنزلت به الشياطين وما ينبغِي لهم وما يستطيعون إنّهم عن السمع لمعزولون } [ الشعراء : 210 212 ] ذلك أنّهم قالوا : هو قول كاهن ، وقول شاعر ، واعتقدوا أنّ أقوال الكهّان وأقوال الشعراء من إملاء الأرْئِياء ( جمعَ رئي ) .

ومن بدائع البلاغة أن ذكر في القصر فعل أنزل ، الذي هو مختصّ بالله تعالى ولو بدون صيغة القصر ، إذ الإنزال يرادف الوحي ولا يكون إلاّ من الله بخلاف ما لو قال هو الذي آتاك الكتاب .

وضمير { منه } عائد إلى القرآن . و« منه » خبر مقدم و { آيات محكمات } مبتدأ .

والإحكام في الأصل المنع ، قال جرير :

أبني حنيفة أحْكِموا سُفَهَاءَكم *** إنّي أخاف عليكُم أنْ أغضبَا

واستعمل الإحكام في الإتقان والتوثيق ؛ لأنّ ذلك يمنع تطرّق ما يضادّ المقصود ، ولذا سمّيت الحِكْمة حكْمَة ، وهو حقيقة أو مجاز مشهور .

أطلق المحكم في هذه الآية على واضح الدلالة على سبيل الاستعارة لأنّ في وضوح الدلالة ، منعاً لتطرّق الاحتمالات الموجبة للتردّد في المراد .

وأطلق التشابه هنا على خفاء الدلالة على المعنى ، على طريقة الاستعارة لأنّ تطرّق الاحتمال في معاني الكلام يفضي إلى عدم تعيّن أحد الاحتمالات ، وذلك مثل تشابُه الذوات في عدم تمييز بعضها عن بعض .

وقوله : { أم الكتاب } أمّ الشيء أصله وما ينضمّ إليه كثيره وتتفرّع عنه فروعه ، ومنه سمّيت خريطة الرأس ، الجامعة له : أمّ الرأس وهي الدمَاغ ، وسمّيت الراية الأمّ لأنّ الجيْش ينضوي إليها ، وسمّيت المدينة العظيمة أمّ القرى ، وأصل ذلك أنّ الأمّ حقيقة في الوالدة ، وهي أصل للمولود وجامع للأولاد في الحضانة ، فباعتبار هذين المعنيين ، أطلق اسم الأمّ على ما ذكرنا ، على وجه التشبيه البليغ . ثم شاع ذلك الإطلاق حتى ساوى الحقيقة ، وتقدّم ذلك في تسمية الفاتحة أمّ القرآن .

والكتاب : القرآن لا محالة ؛ لأنّه المتحدّث عنه بقوله : { هو الذي أنزل عليك الكتاب } فليس قوله : { أم الكتاب } هنا بمثلِ قوله : { وعنده أم الكتاب } [ الرعد : 39 ] .

وقوله : { وأُخر متشابهات } المتشابهات المتماثلات ، والتماثل يكون في صفات كثيرة فيبين بما يدل على وجه التماثل ، وقد يترك بيانه إذا كان وجه التماثل ظاهراً ، كما في قوله تعالى : { إن البقر تشابه علينا } [ البقرة : 70 ] ولم يذكر في هذه الآية جهة التشابه .

وقد أشارت الآية : إلى أنّ آيات القرآن صنفان : محكمات وأضدادها ، التي سميت متشابهات ، ثم بيّن أنّ المحكمات هي أمّ الكتاب ، فعلمنا أنّ المتشابهات هي أضداد المحكمات ، ثم أعقب ذلك بقوله : { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله } [ آل عمران : 7 ] أي تأويله الذي لا قبل لأمثالهم به فعلمنا أنّ المتشابهات هي التي لم يتّضح المقصود من معانيها ، فعلمنا أنّ صفة المحكمات ، والمتشابهات ، راجعة إلى ألفاظ الآيات .

ووصف المحكمات بأنّها أمُّ الكتاب فاحتمل أن يكون المراد من الأمّ الأصل ، أو المرجع ، وهما متقاربان : أي هنّ أصل القرآن أو مرجعه ، وليس يناسب هذين المعنيين إلاّ دلالةُ القرآن ؛ إذ القرآن أنزل للإرشاد والهدي ، فالمحكمات هي أصول الاعتقاد والتشريع والآداب والمواعظ ، وكانت أصولاً لذلك : باتّضاح دلالتها ، بحيث تدل على معانٍ لا تحتمل غيرها أو تحتمله احتمالاً ضعيفاً غير معتدَ به ، وذلك كقوله : { ليس كمثله شي } [ الشورة : 11 ] { لا يُسأل عمّا يفعل } [ الأنبياء : 23 ] { يريد اللَّه بكم اليسر } [ البقرة : 185 ] { واللَّه لا يحبّ الفساد } [ البقرة : 205 ] { وأمّا من خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى فإنّ الجنة هي المأوى } [ النازعات : 40 ] . وباتّضاح معانيها بحيث تتناولها أفهام معظم المخاطبين بها وتتأهّل لفهمها فهي أصل القرآن المرجوعُ إليه في حمل معاني غيرها عليها للبيان أو التفريع .

والمتشابهات مقابل المحكمات ، فهي التي دلّت على معانٍ تشابهت في أن يكون كلُّ منها هو المرادَ . ومعنى تشابهها : أنّها تشابهت في صحة القصد إليها ، أي لم يكن بعضها أرجح من بعض . أو يكون معناها صادقاً بصور كثيرة متناقضة أو غير مناسبة لأن تكون مراداً ، فلا يتبيّن الغرض منها ، فهذا وجه تفسير الآية فيما أرى .

وقد اختلف علماء الإسلام في تعيين المقصود من المحكمات والمتشابهات على أقوال : مرجعها إلى تعيين مقدار الوضوح والخفاء ، فعن ابن عباس : أنّ المحكم ما لا تختلف فيه الشرائع كتوحيد الله تعالى ، وتحريم الفواحش ، وذلك ما تضمنته الآيات الثلاث من أواخر سورة [ الأنعام : 151 ] : { قل تعالوا أتل ما حرّم ربّكم عليكم } والآيات من سورة [ الإسراء : 23 ] : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } وأن المتشابه المجملات التي لم تبيّن كحروف أوائل السور .

وعن ابن مسعود ، وابن عباس أيضاً : أنّ المحكم ما لم ينسخ والمتشابه المنسوخ وهذا بعيد عن أن يكون مراداً هنا لعدم مناسبتِه للوصفين ولا لبقية الآية .

وعن الأصم : المحكم ما اتّضح دليلُه ، والمتشابه ما يحتاج إلى التدبّر ، وذلك كقوله تعالى : { والذي نزّل من السماء ما ء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتاً كذلك تخرجون } [ الزخرف : 11 ] فأولها محكم وآخرها متشابه .

وللجمهور مذهبان : أولهما أنّ المحكم ما اتّضحت دلالته ، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه ، ونسب هذا القول لمالك ، في رواية أشهب ، من جامع العتبيَّة ، ونسبه الخفاجي إلى الحنفية وإليه مال الشاطبي في الموافقات .

وثانيهما أنّ المحكم الواضح الدلالة ، والمتشابه الخفيُها ، وإليه مال الفخر : فالنص والظاهر هنا المحكم ، لاتّضاح دلالتهما ، وإن كان أحدهما أي الظاهر يتطرّقه احتمال ضعيف ، والمجمل والمؤوّل هما المتشابه ، لاشتراكهما في خفاء الدلالة وإن كان أحدهما : أي المؤول دالاً على معنى مرجوح ، يقابله معنى راجح ، والمجمل دالاً على معنى مرجوح يقابله مرجوح آخر ، ونسبت هذه الطريقة إلى الشافعية .

قال الشاطبي : فالتشابه : حقيقي ، وإضافي ، فالحقيقي : ما لا سبيل إلى فهم معناه ، وهو المراد من الآية ، والإضافي : ما اشتبه معناه ، لاحتياجه إلى مراعاة دليل آخر . فإذا تقصّى المجتهد أدلّة الشريعة وجد فيها ما يبيّن معناه ، والتشابه بالمعنى الحقيقي قليل جدّاً في الشريعة وبالمعنى الإضافي كثير .

وقد دل هذه الآية على أنّ من القرآن محكماً ومتشابهاً ، ودلت آيات أخر على أنّ القرآن كلَّه محكم ، قال تعالى : { كتاب أحكمت آياته } [ هود : 1 ] وقال : { تلك آيات الكتاب الحكيم } [ يونس : 1 ] والمراد أنّه أحكم وأتقنَ في بلاغته ، كما دلت آيات على أنّ القرآن كلّه متشابه ، قال تعالى : { اللَّهُ نزّل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً } [ الزمر : 23 ] والمعنى أنّه تشابه في الحسن والبلاغة والحقيّة ، وهو معنَى : « ولو كان من عند غير الله لوَجدوا فيه اختلافاً كثيراً » فلا تعارض بين هذه الآيات : لاختلاف المراد بالإحكام والتشابه في مواضعها ، بحسب ما تقتضيه المقامات .

وسبب وقوع المتشابهات في القرآن : هو كونه دعوة ، وموعظة ، وتعليماً ، وتشريعاً باقياً ، ومعجزة ، وخوطب به قوم لم يسبق لهم عهد بالتعليم والتشريع ، فجاء على أسلوب مناسب لِجمع هذه الأمور ، بحسب حال المخاطبين الذين لم يعتادوا الأساليب التدريسية ، أو الأمالي العلمية ، وإنّما كانت هجّيراهم الخطابة والمقاولة ، فأسلوب المواعظ والدعوةِ قريب من أسلوب الخطابة ، وهو لذلك لا يأتي على أساليب الكتب المؤلَّفة لِلعلم ، أو القوانين الموضوعة للتشريع ، فأودعت العلوم المقصود منه في تضاعيف الموعظة والدعوة ، وكذلك أودع فيه التشريع ، فلا تجد أحكام نوع من المعاملات ، كالبيع ، متّصلاً بعضها ببعض ، بل تلفيه موزّعاً على حسب ما اقتضته مقامات الموعظة والدعوة ، ليخفّ تلقّيه على السامعين ، ويعتادُوا علم ما لم يألفوه في أسلوب قد ألفوه فكانت متفرّقة يضمّ بعضها إلى بعض بالتدبّر . ثم إنّ إلقاء تلك الأحكام كان في زمان طويل ، يزيد على عشرين سنة ، ألقِي إليهم فيها من الأحكام بمقدار ما دعت إليه حاجتهم ، وتحمّلته مقدرتهم ، على أنّ بعض تشريعه أصول لا تتغيّر ، وبعضه فروع تختلف باختلاف أحوالهم ، فلذلك تجد بعضها عاماً ، أو مطلقاً ، أو مجملاً ، وبعضها خاصاً ، أو مقيداً ، أو مبيَّناً ، فإذا كان بعض المجتهدين يرى تخصيص عموم بعض عموماته بخصوص بعض الخصوصات مثلاً ، فلعلّ بعضاً منهم لا يتمسّك إلاّ بعمومه ، حينئذ ، كالذي يرى الخاص الوارد بعد العام ناسخاً ، فيحتاج إلى تعيين التاريخ ، ثم إنّ العلوم التي تعرّض لها القرآن هي من العلوم العليا : وهي علوم فيما بعد الطبيعة ، وعلوم مراتب النفوس ، وعلوم النظام العمراني ، والحكمة ، وعلوم الحقوق .

وفي ضيق اللغة الموضوعة عن الإيفاء بغايات المرادات في هاته العلوم ، وقصور حالة استعداد أفهام عموم المخاطبين لها ، مَا أوجب تشابهاً في مدلولات الآيات الدالة عليها . وإعجازُ القرآن : منه إعجاز نظمي ومنه إعجاز علمي ، وهو فنّ جليل من الإعجاز بيّنته في المقدمة العاشرة من مقدّمات هذا التفسير . فلمّا تعرض القرآن إلى بعض دلائل الأكوان وخصائصها ، فيما تعرّض إليه ، جاء به محكياً بعبارة تصلح لحكاية حالته على ما هو في نفس الأمر ، وربّما كان إدراك كنه حالته في نفس الأمر مجهولاً لأقوام ، فيعدّون تلك الآي الدالة عليه من المتشابه فإذا جاء من بَعْدهم علموا أنّ ما عدّه الذين قبلهم متشابهاً ما هو إلاّ محكم .

على أنّ من مقاصد القرآن أمرين آخرين :

أحدَهما كونه شريعة دائمة ، وذلك يقتضي فتح أبواب عباراته لِمختلِف استنباط المستنبطين ، حتى تؤخذ منه أحكام الأولين والآخرين ، وثانيهما تعويد حَمَلة هذه الشريعة ، وعلماء هذه الأمة ، بالتنقيب ، والبحث ، واستخراج المقاصد من عويصات الأدلة ، حتى تكون طبقات علماء الأمة صالحة في كلّ زمان لفهم تشريع الشارع ومقصده من التشريع ، فيكونوا قادرين على استنباط الأحكام التشريعية ، ولو صيغ لهم التشريع في أسلوب سهل التناول لاعتادوا العكوف على ما بينَ أنظارهم في المطالعة الواحدة . من أجل هذا كانت صلوحية عباراته لاختلاف منازع المجتهدين ، قائمة مقام تلاحق المؤلّفين في تدوين كتب العلوم ، تبعاً لاختلاف مراتب العصور .

فإذا علمت هذا علمت أصل السبب في وجود ما يسمّى بالمتشابه في القرآن . وبقي أن نذكر لك مراتب التشابه وتفاوت أسبابها . وأنّها فيما انتهى إليه استقراؤنا الآن عشر مراتب :

أولاها : معانٍ قُصِد إيداعها في القرآن ، وقُصد إجمالها : إمّا لعدم قابلية البشر لفهمها ، ولو في الجملة ، إن قلنا بوجود المجمل ، الذي استأثر الله بعلمه ، على ما سيأتي ، ونحن لا نختاره . وإمّا لعدم قابليتهم لكنه فهمها ، فألقيت إليهم على وجه الجملة أو لعدم قابلية بعضهم في عصر ، أو جهةٍ ، لفهمها بالكنه ومن هذا أحوال القيامة ، وبعضُ شؤون الربوبية كالإتيان في ظُلل من الغمام ، والرؤية ، والكلامِ ، ونحو ذلك .

وثانيتها : معانٍ قصد إشعار المسلمين بها ، وتَعيّن إجمالها ، مع إمكان حملها على معانٍ معلومةٍ لكن بتأويلات : كحُروف أوائل السور ، ونحوِ { الرحمانُ على العرش استوى } [ طه : 5 ] { ثم استوى إلى السماء }{[205]} [ البقرة : 29 ] .

ثالثتها : معانٍ عاليةً ضاقت عن إيفاء كنهها اللغةُ الموضوعةُ لأقصى ما هو متعارَف أهلها ، فعبّر عن تلك المعاني بأقصى ما يقرِّب معانيَها إلى الأفهام ، وهذا مثل أكثر صفات الله نحو الرحمان ، الرؤوف ، المتكبّر ، نورُ السموات والأرض .

رابعتها : معانٍ قَصُرت عنها الأفهام في بعض أحوال العصور ، وأودعت في القرآن ليكون وجودها معجزة قُرآنيَّة عند أهل العلم في عصور قد يضعف فيها إدراك الإعجاز النظمي ، نحو قوله : { والشمس تجري لمستقر لها } [ يس : 38 ] { وأرسلنا الرياح لواقح } [ الحجر : 22 ] { يكور الليل على النهار } [ الزمر : 5 ] { وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مرّ السحاب } [ النمل : 88 ] { تنبت بالدهن } [ المؤمنون : 20 ] { زيتونة لا شرقية ولا غربية } [ النور : 35 ] { وكان عرشه على الماء } [ هود : 7 ] { ثم استوى إلى السماء وهي دخان } [ فصلت : 11 ] وذكرِ سُدِّ يأجوج ومأجوج{[206]} .

خامستها : مَجازات وكنايات مستعملة في لغة العرب ، إلاّ أنّ ظاهرها أوهم معاني لا يليق الحمل عليها في جانب الله تعالى : لإشعارها بصفات تخالف كمال الإلهية ، وتوقّف فريق في محملها تنزيهاً ، نحو : { فإنّك بأعيننا } [ الطور : 48 ] { والسماء بنيناها بأيدٍ } [ الذاريات : 47 ] { ويبقى وجه ربّك }{[207]} [ الرحمن : 27 ] .

وسادستها : ألفاظ من لغات العرب لم تُعرف لدى الذين نزل القرآن بينهم : قريش والأنصار مثل : { وفاكهة وأبّا } [ عبس : 31 ] ومثل { أو يأخذهم على تخوف }{[208]} [ النحل : 47 ] { إنّ إبراهيم لأوّاه حليم } [ التوبة : 114 ] { ولا طعامٌ إلاّ مِنْ غِسْلِينٍ }{[209]} [ الحاقة : 36 ] .

سابعتها : مصطلحات شرعية لم يكن للعرب علم بخصوصها ، فما اشتهر منها بين المسلمين معناه ، صار حقيقة عرفية : كالتيمّم ، والزكاة ، وما لم يشتهر بقي فيه إجمال : كالربا قال عمر : « نزلت آيات الربا فِي آخر ما أنزل فتوفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبيّنها » وقد تقدم في سورة البقرة .

ثامنتها : أساليب عربية خفيت على أقوام فظنّوا الكلام بها متشابهاً ، وهذا مثل زيادة الكاف في قوله تعالى : { ليس كمثله شيء } [ الشورى : 11 ] ومثل المشاكلة في قوله : { يخادعون اللَّه وهو خادعهم } [ النساء : 142 ] فيعلم السامع أنّ إسناد خادع إلى ضمير الجلالة إسناد بمعنى مجازي اقتضته المشاكلة .

وتاسعتها : آيات جاءت على عادات العرب ، ففهمها المخاطبون ، وجاء مَن بعدهم فلم يفهموها ، فظنّوها من المتشابه ، مثل قوله : { فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أَنْ يَطَّوّفَ بهما } [ البقرة : 158 ] ، في « الموطأ » قال ابن الزبير : « قلت لعائشة وكنت يومئذ حدثاً لم أتفقّه لا أرى بأساً على أحدٍ ألاّ يطوف بالصفا والمروة » فقالت له : « ليس كما قلت إنّما كان الأنصار يهلون لمناةَ الطاغية » إلخ . ومنه : { عَلِم اللَّه أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم } [ البقرة : 187 ] { ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتّقوا وءامنوا } [ المائدة : 93 ] الآية فإنّ المراد فيما شربوا من الخمر قبل تحريمها .

عاشرتها : أفهام ضعيفة عَدت كثيراً من المتشابه وما هو منه ، وذلك أفهام الباطنية ، وأفهام المشبِّهة ، كقوله تعالى : { يوم يكشف عن ساق } [ القلم : 42 ] .

وليس من المتشابه ما صرّح فيه بأنّا لا نصل إلى علمه كقوله : { قل الروح من أمر ربي } [ الإسراء : 85 ] ولا ما صرّح فيه بجهل وقته كقوله : { لا تأتيكم إلاّ بغتة } [ الأعراف : 187 ] .

وليس من المتشابه ما دلّ على معنى يعارض الحملَ عليه دليل آخر ، منفصل عنه ؛ لأنّ ذلك يرجع إلى قاعدة الجمع بين الدليلين المتعارضين ، أو ترجيح أحدهما على الآخر ، مثل قوله تعالى خطاباً لإبليس : { واستفزز من استطعت منهم بصوتك } الآية في سورة [ الإسراء : 64 ] مع ما في الآيات المقتضية { فإنّ الله غني عنكم ولا يرضَى لعباده الكفر } [ الزمر : 7 ] إنه لا يحبّ الفساد .

وقد علمتم من هذا أنّ مِلاك التشابه هو عدم التواطؤ بين المعاني واللغة : إمّا لضيقها عن المعاني ، وإمّا لضيق الأفهام عن استعمال اللغة في المعنى ، وإمّا لتناسي بعض اللغة ، فيتبيّن لك أنّ الإحكام والتشابه : صفتان للألفاظ ، باعتبار فهم المعاني .

وإنّما أخبر عن ضمير آياتٍ محكمات ، وهو ضمير جمع ، باسم مفرد ليس دالاً على أجزاءٍ وهو { أمّ } ، لأنّ المراد أنّ صنف الآيات المحكمات يتنزّل من الكتابِ منزلة أمّه أي أصله ومرجِعه الذي يُرجّع إليه في فهم الكتاب ومقاصده . والمعنى : هنّ كأمِّ للكتاب . ويعلم منه أنّ كل آية من المحكمات أم للكتاب في ما تتضمّنه من المعنى . وهذا كقول النابغة يَذْكُر بني أسد :

* فَهُمْ دِرْعِي التِي استلأمْتُ فيها *

أي مجموعهم كالدِّرع لي ، ويعلم منه أنّ كلّ أحد من بني أسد بمنزلة حلقة من حلق الدرع . ومن هذا المعنى قوله تعالى : { واجعلنا للمتقين إماما } [ الفرقان : 74 ] .

والكلام على ( أخَر ) تقدّم عند قوله تعالى : { فعدة من أيام أخر } [ البقرة : 184 ] .

{ فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تشابه مِنْهُ ابتغآء الفتنة وابتغآء تَأْوِيلِهِ } .

تفصيل لإجمال اقتضاه الكلام السابق ؛ لأنّه لما قسّم الكتاب إلى محكم ومتشابه ، وكان ذلك التقسيم باعتبار دلالة الألفاظ على المعاني ، تشوّفت النفس إلى معرفة تلقّي الناس للمتشابه . أمّا المحكم فتلقّي الناس له على طريقة واحدة ، فلا حاجة إلى تفصيل فيه ، واقتصر في التفصيل على ذكر قسم من أقسامه : وهو حال الذين في قلوبهم زيغ كيف تلقّيهم للمتشابهات ؛ لأنّ بيان هذا هو الأهمّ في الغرض المسوق له الكلام ، وهو كشف شبهة الذين غرّتهم المتشابهات ولم يهتدوا إلى حقّ تأويلها ، ويعرف حال قسيمهم وهم الذين لا زيغ في قلوبهم بطريق المقابلة ثم سيُصرّح بإجمال حال المهتدين في تلقّي ومتَشبهات القرآن .

والقلوب محالُّ الإدراك ، وهي العقول ، وتقدّم ذلك عند قوله تعالى : { ومن يكتمها فإنّه آثم قلبه } في سورة [ البقرة : 283 ] .

والزيغ : الميل والانحراف عن المقصود : { ما زاغ البصر } [ النجم : 17 ] ويقال : زاغت الشمس . فالزيغ أخصّ من الميل ؛ لأنّه ميل عن الصواب والمقصودِ .

والاتّباع هنا مجاز عن الملازمة والمعاودة ، أي يعكفون على الخوض في المتشابه ، يحصونه ، شبهت تلك الملازمة بملازمة التابع متبوعَهُ .

وقد ذكر علة الاتّباع ، وهو طلب الفتنة ، وطَلبُ أن يؤوّلوه ، وليس طلبُ تأويله في ذاته بمذمّة ، بدليل قوله : { وما يعلم تأويله إلاّ اللَّهُ والراسخون في العلم } كما سنبيِّنه وإنّما محلّ الذم أنّهم يطلبون تأويلاً ليسوا أهلاً له فيؤوّلونه بما يُوافق أهواءهم .

وهذا ديدن الملاحِدة وأهلِ الأهواء : الذين يتعمّدون حمل الناس على متابعتهم تكثيراً لسوادهم .

ولما وَصَف أصحَاب هذا المقصد بالزيغ في قلوبهم ، علمنا أنّه ذمهم بذلك لهذا المقصد ، ولا شك أنّ كل اشتغال بالمتشابه إذا كان مفضياً إلى هذا المقصد يناله شيء من هذا الذم . فالذين اتّبعوا المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله المنافقون ، والزنادقة ، والمشركون مثال تأويل المشركين : قصةُ العاصي بن وائل من المشركين إذْ جاءه خباب بن الأرت من المسلمين يتقاضاه أجراً ، فقال العاصي متهكّما به « وإنِّي لمبعوثٌ بعد الموت أي حَسْب اعتقادكم فسوفَ أقضيك إذا رجعتُ إلى مال وولد » فالعاصي توهّم ، أو أراد الإيهام ، أنّ البعث بعد الموت رجوع إلى الدنيا ، أو أراد أن يوهم دهماء المشركين ذلك ليكون أدْعَى إلى تكذيب الخبر بالبعث ، بمشاهدة عدم رجوع أحد من الأموات ، ولذلك كانوا يقولون : { فأتُوا بآبائنا إن كُنتم صادقين } [ الدخان : 36 ] .

ومثال تأويل الزنادقة : ما حكاه محمد بن علي بن رزام الطائي الكوفي قال : كنت بمكة حين كان الجَنَّابي زعيم القرامطة بمكة ، وهم يقتلون الحجاج ، ويقولون : أليس قد قال لكم محمد المكي « ومن دخله كان آمناً فأيُّ أمْن هنا ؟ » قال : فقلت له : هذا خرج في صورة الخبر ، والمراد به الأمرُ أي ومن دخله فأمِّنُوه ، كقوله : { والمطلقات يتربّصن } [ البقرة : 228 ] . والذين شابهوهم في ذلك كلّ قوم يجعلون البحث في المتشابه ديدنهم ، ويفضون بذلك إلى خلافات وتعصّبات . وكلّ من يتأوّل المتشابه على هواه ، بغير دليل على تأويله مستند إلى دليل واستعمال عربي .

وقد فُهم أنّ المراد : التأويل بحسب الهوى ، أو التأويل المُلْقِي في الفتنة ، بقرينة قوله تعالى : { وما يعلم تأويله إلا اللَّه والراسخون في العلم يقولون ءامنّا به } الآية ، كما فهم من قوله : { فيتّبعون } أنّهم يهْتَمُّون بذلك ، ويستهترون به ، وهذا ملاك التفرقة بين حال من يتبع المتشابه للإيقاع في الشك والإلحاد ، وبين حال من يفسّر المتشابه ويؤوّله إذا دعاه داع إلى ذلك . وفي « البخاري » عن سعيد بن جُبير أنّ رجلاً قال لابن عباس : « إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ » قال : ما هو قال : « فلا أنسَابَ بينهم يومئذ ولا يتساءلون » وقال « وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون » وقال : « ولا يكتمون الله حديثاً » وقال : « قالوا والله ربّنا ما كنّا مشركين » قال ابن عباس : « فلا أنساب بينهم في النفخة الأولى ثم النفخة الثانية أقبل بعضهم على بعض يتساءلون ، فأما قوله : { والله ربّنا ما كنّا مشركين } [ الأنعام : 23 ] فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم فيقول المشركون : تعالَوا نقلْ : « ما كنا مشركين ، فيختم الله على أفواههم فتنطق جوارحهم بأعمالهم فعند ذلك لا يكتمون الله حديثاً » .

وأخرج البخاري ، عن عائشة : قالت « تلا رسول الله هذه الآية إلى قوله : { أولوا الألباب } [ البقرة : 269 ] قالت قال رسول الله : " فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم " . ويقصد من قوله تعالى : { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه } التعريض بنصارى نجران ، إذ ألزموا المسلمين بأنّ القرآن يشهد لكون الله ثالث ثلاثة بما يقع في القرآن من ضمير المتكلم ومعه غيره من نحو خلقنا وأمرنا وقضينا ، وزعموا أنّ ذلك الضمير له وعيسى ومريم ولا شك أنّ هذا إن صح عنهم هو تمويه ؛ إذ من المعروف أنّ في ذلك الضمير طريقتين مشهورتين إما إرادة التشريك أو إرادة التعظيم فما أرادوا من استدلالهم هذا إلا التمويه على عامة الناس .

{ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والراسخون فِي العلم يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب } .

جملة حال أي وهم لا قِبل لهم بتأويله ؛ إذ ليس تأويله لأمثالهم ، كما قيل في المثل : « ليس بعشّك فادرجي » .

ومن هنا أمسك السلف عن تأويل المتشابهات ، غير الراجعة إلى التشريع ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : « أيُّ أرضٍ تُقِلّنِي وأيُّ سماء تُظِلُّنِي إن قلتُ في كتاب الله بما لا أعلم » . وجاء في زمن عمر رضي الله عنه رجل إلى المدينة من البصرة ، يقال له صَبِيغ بن شريك أو ابن عِسْل التميمي{[210]} فجعل يسأل الناس عن متشابه القرآن ، وعن أشياء فأحضره عمر ، وضربه ضرباً موجعاً ، وكرّر ذلك أياماً ، فقال : « حسبُك يا أمير المؤمنين فقد ذهب ما كنتُ أجد في رأسي » ثم أرجعه إلى البصرة وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن يمنع الناس من مخالطته . ومن السلف من تأوّل عند عروض الشبهة لبعض الناس ، كما فعل ابن عباس فيما ذكرناه آنفا .

قال ابن العربي في « العواصم من القواصم » « من الكائدين للإسلام الباطنية والظاهرية » . قلت : أمَّا الباطنية فقد جعلوا معظم القرآن متشابهاً ، وتأوّلوه بحسب أهوائهم ، وأمّا الظاهريون فقد أكثروا في متشابهه ، واعتقدوا سبب التشابه واقعاً ، فالأوّلون دخلوا في قوله : { وابتغاء تأويله } ، والأخيرون خرجوا من قوله : { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم } أو وما يعلم تأويله إلا الله ، فخالفوا الخلف والسلف . قال ابن العربي « في العواصم » « وأصل الظاهريين الخوارج الذين قالوا : لا حُكْم إلاّ لله » يعني أنّهم أخذوا بظاهر قوله تعالى : { إنِ الحُكْمُ إلا لله } ولم يتأولوه بما هو المراد من الحكم .

والمراد بالراسخين في العلم : الذين تمكّنوا في علم الكتاب ، ومعرفة محامله ، وقام عندهم من الأدلة ما أرشدهم إلى مراد الله تعالى ، بحيث لا تروج عليهم الشبه . والرسوخ في كلام العرب : الثبات والتمكن في المكان ، يقال : رسخت القدم ترسخ رسوخاً إذا ثبتت عند المشي ولم تتزلزل ، واستعير الرسوخ لكمال العقل والعلم بحيث لا تضلّله الشبه ، ولا تتطرّقه الأخطاء غالباً ، وشاعت هذه الاستعارة حتى صارت كالحقيقة .

فالراسخون في العلم : الثابتون فيه العارفون بدقائقه ، فهم يحسنون مواقع التأويل ، ويعلمونه .

ولذا فقوله : { والراسخون } معطوف على اسم الجلالة ، وفي هذا العطف تشريف عظيم : كقوله : { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم } [ آل عمران : 18 ] وإلى هذا التفسير مَال ابن عباس ، ومجاهد ، وَالربيع بن سليمان ، والقاسم بن محمد ، والشافعية ، وابن فورك ، والشيخ أحمد القرطبي ، وابن عطية ، وعلى هذا فليس في القرآن آية استأثر الله بعلمها . ويؤيّد هذا أن الله أثبت للراسخين في العلم فضيلة . ووصفهم بالرسوخ ، فآذن بأنّ لهم مزية في فهم المتشابه : لأنّ المحكم يستوي في علمه جميع من يفهم الكلام ، ففي أيِّ شيء رسوخهم ، وحكى إمام الحرمين ، عن ابن عباس : أنّه قال في هاته الآية : « أنا ممّن يعلم تأويله » .

وقيل : الوقف على قوله : { إلا الله } وإنّ جملة { والراسخون في العلم } مستأنفة ، وهذا مروي عن جمهور السلف ، وهو قول ابن عمر ، وعائشة ، وابن مسعود ، وأبي ، ورواه أشهب عن مالك في جامع العتبية ، وقاله عروة بن الزبير ، والكسائي ، والأخفش والفرّاء ، والحنفية ، وإليه مال فخر الدين .

ويؤيّد الأول وصفهم بالرسوخ في العلم ؛ فإنّه دليل بيّن على أنّ الحُكم الذي أثبت لهذا الفريق ، هو حكم من معنى العلم والفهم في المعضِلات ، وهو تأويل المتشابه ، على أنّ أصل العطف هو عطف المفردات دون عطف الجمل ، فيكون الراسخون معطوفاً على اسم الجلالة فيدخلون في أنّهم يعلمون تأويله . ولو كان الراسخون مبتدأ وجملةُ : « يقولون ءامّنا به » خبراً ، لكان حاصل هذا الخبر ممّا يستوي فيه سائر المسلمين الذين لا زيغ في قلوبهم ، فلا يكون لتخصيص الراسخين فائدة . قال ابن عطية : « تسميتهم راسخين تقتضي أنّهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب ، وفي أيّ شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلاّ ما يعلمه الجميع وما الرسوخ إلاّ المعرفةُ بتصاريف الكلام بقريحة معدة » وما ذكرناه وذكره ابن عطية لا يعد وأن يكون ترجيحاً لأحد التفسيرين ، وليس إبطالاً لمقابله إذ قد يوصف بالرسوخ من يفرق بين ما يستقيم تأويله ، وما لا مطمع في تأويله .

وفي قوله : { وما يذكر إلا أولوا الألباب } إشعار بأنّ الراسخين يعلمون تأويل المتشابه .

واحتجّ أصحاب الرأي الثاني ، وهو رأي الوقف على اسم الجلالة : بأنّ الظاهر أن يكون جملة ( والراسخون ) مستأنفة لتكون معادِلاً لجملة : { فأما الذين في قلوبهم زيغ } ، والتقدير : وأمّا الراسخون في العلم . وأجاب التفتازاني بأنّ المعادِل لا يلزم أن يكون مذكوراً ، بل قد يحذف لدلالة الكلام عليه . واحتجّوا أيضاً بقوله تعالى : { يقولون آمنا به كل من عند ربنا } قال الفخر : لو كانوا عالمين بتأويله لم يكن لهذا الكلام فائدة ؛ إذ الإيمان بما ظهر معناه أمر غير غريب وسنجيب عن هذا عند الكلام على هذه الجملة .

وذكر الفخر حججاً أخر غير مستقيمة .

ولا يخفى أنّ أهل القول الأول لا يثبتون متشابهاً غير ما خفي المراد منه ، وأنّ خفاء المراد متفاوت ، وأنّ أهل القول الثاني يثبتون متشابهاً استأثر الله بعلمه ، وهو أيضاً متفاوت ؛ لأنّ منه ما يقبل تأويلات قريبَة ، وهو ممّا ينبغي ألاّ يعدّ من المتشابه في اصطلاحهم ، لكنّ صنيعهم في الإمساك عن تأويل آيات كثيرة سَهْللٍ تأويلُها مثل { فإنّك بأعيننا } [ الطور : 48 ] دلّ على أنّهم يسدّون باب التأويل في المتشابه ، قال الشيخ ابن عطية « إنّ تأويل ما يمكن تأويله لا يَعلم تأويلَه على الاستيفاء إلاّ الله تعالى فمَن قالَ ، من العلماء الحذّاق : بأنّ الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه ، فإنّما أراد هذا النوع ، وخافوا أن يظنّ أحد أنّ الله وصف الراسخين بعلم التأويل على الكمال » .

وعلى الاختلاف في محمل العطف في قوله تعالى : { والراسخون في العلم } انبنى اختلاف بين علماء الأمة في تأويل ما كان متشابهاً : من آيات القرآن ، ومن صحاح الأخبار ، عن النبي صلى الله عليه وسلم

فكان رأي فريق منهم الإيمانَ بها ، على إبهامها وإجمالها ، وتفويضَ العلم بكنه المراد منها إلى الله تعالى ، وهذه طريقة سلَف علمائنا ، قبل ظهور شكوك الملحدين أو المتعلِّمين ، وذلك في عصر الصحابة والتابعين وبعض عصر تابعيهم ، ويُعبّر عنها بطريقة السلف ، ويقولون : طريقة السلف أسْلَمُ ، أي أشدُّ سلامة لهم من أن يَتأوّلوا تأويلات لا يدرَى مدى ما تفضِي إليه من أمور لا تليق بجلال الله تعالى ولا تتّسق مع ما شرعه للناس من الشرائع ، مع ما رأوا من اقتناع أهل عصرهم بطريقتهم ، وانصرافهم عن التعمّق في طلب التأويل .

وكان رأي جمهور من جاء بعد عصر السلف تأويلها بمعانٍ من طرائق استعمال الكلام العربي البليغ من مجاز ، واستعارة ، وتمثيل ، مع وجود الدّاعي إلى التأويل ، وهو تعطّش العلماء الذين اعتادوا التفكر والنظر وفهم الجمع بين أدلّة القرآن والسنة ، ويعبّر عن هذه الطريقة بطريقة الخلف ، ويقولون : طريقة الخلف أعم ، أي أنسب بقواعد العلم وأقوى في تحصيل العلم القاطع لِجدال الملحدين ، والمقنع لمن يتطلّبون الحقائق من المتعلّمين ، وقد يصفونها بأنّها أحْكَمُ أي أشدّ إحكاماً ؛ لأنّها تقنع أصحاب الأغراض كلّهم . وقد وقع هذان الوصفان في كلام المفسّرين وعلماءِ الأصول ، ولم أقف على تعيين أوّلِ من صدَرا عنه ، وقد تعرّض الشيخ ابن تيمية في « العقيدة الحموية » إلى ردّ هذين الوصفين ولم ينسبهما إلى قائل . والموصوف بأسْلَم وبأعلَم الطريقةُ لا أهلُها ؛ فإنّ أهل الطريقتين من أئمة العلم ، وممّن سلموا في دينهم من الفِتن .

وليس في وصف هذه الطريقة ، بأنّها أعْلَمُ أوْ أحْكَمُ ، غضاضة من الطريقة الأولى ؛ لأنّ العصور الذين درجوا على الطريقة الأولى ، فيهم من لا تخفى عليهم محاملها بسبب ذوقهم العربي ، وهديهم النبوي ، وفيهم من لا يُعير البحثَ عنها جانباً من همّته ، مثل سائر العامة . فلا جرم كان طَيّ البحث عن تفصيلها أسلم للعموم ، وكان تفصيلها بعد ذلك أعْلَم لمن جاء بعدهم ، بحيث لو لم يؤوِّلوها به لأوسعوا ، للمتطلّعين إلى بيانها ، مجالاً للشك أو الإلحاد ، أو ضيققِ الصدر في الاعتقاد .

واعلم أنّ التأويل منه ما هو واضح بيِّن ، فصرف اللفظ المتشابه عن ظاهره إلى ذلك التأويل يُعادِل حملَ اللفظ على أحد معنييه المشهورين لأجل كثرة استعمال اللفظ في المعنى غير الظاهر منه . فهذا القسم من التأويل حقيق بألاّ يسمّى تأويلاً وليس أحدُ مَحْمَلَيْه بأقوى من الآخر إلاّ أنّ أحدهما أسبقُ في الوضع من الآخر ، والمحملان متساويان في الاستعمال وليس سبقُ إطلاق اللفظ على أحد المعنيين بمقتضٍ ترجيحَ ذلك المعنى ، فكم من إطلاق مجازي للفظٍ هو أسبق إلى الأفهام من إطلاقه الحقيقي . وليس قولهم في علم الأصول بأنّ الحقيقة أرجحُ من المجاز بمقبول على عمومه .

وتسميةُ هذا النوع بالمتشابه ليست مرادة في الآية . وعدّه من المتشابه جمود .

ومن التأويل ما ظاهر معنى اللفظ فيه أشهر من معنى تأويله ولكنّ القرائن أو الأدلةَ أوجبت صرف اللفظ عن ظاهر معناه فهذا حقيق بأن يعدّ من المتشابه .

ثم إنّ تأويل اللفظ في مِثله قد يتيسّر بمعنى مستقيم يغلب على الظن أنّه المراد إذا جَرى حمل اللفظ على ما هو من مستعملاته في الكلام البليغ مثل الأيدي والأعين في قوله : { بَنيناها بأيدٍ } [ الذاريات : 47 ] وقوله : { فإنَّك بأعيننا } [ الطور : 48 ] فمَن أخذوا من مثله أنّ لله أعيناً لا يُعرف كنهها ، أوْ له يداً ليست كأيدينا ، فقد زادوا في قوة الاشتباه .

ومنه ما يعتبر تأويله احتمالاً وتجويزاً بأن يكون الصرف عن الظاهر متعيّناً وأمّا حمله على ما أوّلوه به فعلى وجه الاحتمال والمثالِ ، وهذا مثل قوله تعالى : { الرحمن على العرش استوى } [ طه : 5 ] وقوله : { هل ينظرون إلاّ أن يأتيَهم الله في ظُلَل من الغمام } [ البقرة : 210 ] فمثل ذلك مقطوع بوجوب تأويله ولا يَدعي أحد ، أن ما أوّلَه به هو المرادُ منه ولكنّه وجه تابع لإمكان التأويل ، وهذا النوع أشدّ مواقع التشابه والتأويل .

وقد استبان لك من هذه التأويلات : أنّ نظم الآية جاء على أبلغ ما يعبّر به في مقام يسع طائفتين من علماء الإسلام في مختلف العصور .

وقوله : { يقولون آمنا به } حال من ( الراسخون ) أي يعلمون تأويله في هذه الحالة والمعنى عليه : يحتمل أن يكون المراد من القول الكناية عن الاعتقاد ؛ لأنّ شأن المعتقد أن يقول معتَقَده ، أي يعلمون تأويله ولا يهجس في نفوسهم شك من جهة وقوع المتشابه حتى يقولوا : لماذا لم يجىء الكلام كلّه واضحاً ، ويتطرّقهم من ذلك إلى الرّيبة في كونه من عند الله ، فلذلك يقولون : { كل من عند ربنا } .

ويحتمل أنّ المراد يقولون لغيرهم : أي من لم يبلغ مرتبة الرسوخ من عامة المسلمين ، الذين لا قِبل لهم بإدراك تأويله ، ليعلّموهم الوقوف عند حدود الإيمان ، وعدمَ التطلّع إلى ما ليس في الإمكان ، وهذا يقرب ممّا قاله أهل الأصول : إنّ المجتهد لا يلزمه بيانُ مُدركه للعامي ، إذا سأله عن مأخذ الحكم ، إذا كان المدرَك خفياً . وبهذا يحصل الجواب عن احتجاج الفخر بهذه الجملة لترجيح الوقفِ على اسم الجلالة .

وعلى قول المتقدّمين يكون قوله : { يقولون } خبراً ، وقولهم : { آمنا به } آمنّا بكونه من عند الله ، وإن لم نفهم معناه .

وقوله : { كل من عند ربنا } أي كلٌ من المحكَم والمتشابه . وهو على الوجهين بيان لمعنى قولهم : { آمنا به } ، فلذلك قطعت الجملة . أي كلّ من المحكم والمتشابه ، مُنزل من الله .

وزيدت كلمة ( عند ) للدلالة على أنّ مِن هنا للابتداء الحقيقي دون المجازي ، أي هو منزل من وحي الله تعالى وكلامِه ، وليس كقوله : { ما أصابك مِن حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك } [ النساء : 197 ] .

وجملة { وما يذَّكَّر إلاّ أولوا الألباب } تذييل ، ليس من كلام الراسخين ، مَسوق مَساق الثناء عليهم في اهتدائهم إلى صحيح الفهم .

والألبابُ : العقول . وتقدّم عند قوله تعالى : { واتقون يا أولي الألباب } في سورة [ البقرة : 197 ] .


[205]:- لعل لفعل استوى خصوصية في اللغة أدركها أهل اللسان يومئذ كان بها أجدر بالدلالة على معنى تمكن من مخلوقاته لذلك اختير في الآيتين دون فعل غلب أو تمكن.
[206]:- هذه الآيات دلت على معان عظيمة كشفتها العلوم الطبيعية والرياضية والترايخية والجغرافية وتفصيلها يحتاج إلأى تطويل.
[207]:- إذ تطلق العين على الحفظ والعناية قال النابغة: - عهدتك ترعاني بعين بصيرة – وتطلق اليد على القدرة والقوة قال: { واذكر عبدنا داوود ذا الأيد} ويطلق الوجه على الذات تقول: فعلت لوجه زيد.
[208]:- روي أن عمر قرأ على المنبر { أو يأخذكم على تخوف} فقال: ما تقولون في التخوف فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا، التخوف التنقص فقال عمر: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها ال: نعم قول أبي كبير يصف ناقته: تخوف الرحل منها تامكا قردا ** * كما تخوف عود لنبعة السفن
[209]:- عن ابن عباس: لا أدري ما الأواه وما الغسلين.
[210]:صبيغ بصاد مهملة وباء موحدة وتحتية وغين بوزن أمير - وعسل- بعين مهملة مكسورة وسين مهملة ساكنة.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّـٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (7)

فيه تسع مسائل :

الأولى : خرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب " قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم ) . وعن أبي غالب قال : كنت أمشي مع أبي أمامة وهو على حمار له ، حتى إذا انتهى إلى درج مسجد دمشق فإذا رؤوس منصوبة ، فقال : ما هذه الرؤوس ؟ قيل : هذه رؤوس خوارج يجاء بهم من العراق فقال أبو أمامة : كلاب النار كلاب النار كلاب النار ، شر قتلى تحت ظل السماء ، طوبى لمن قتلهم وقتلوه - يقولها ثلاثا - ثم بكى فقلت : ما يبكيك يا أبا أمامة ؟ قال : رحمة لهم ، ( إنهم كانوا من أهل الإسلام فخرجوا منه ، ثم قرأ " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات . . . " إلى آخر الآيات . ثم قرأ " ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات . . . " {[2838]} [ آل عمران : 105 ] . فقلت : يا أبا أمامة ، هم هؤلاء ؟ قال نعم . قلت : أشيء تقوله برأيك أم شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : إني إذا لجريء إني إذا لجريء ! بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع ولا خمس ولا ست ولا سبع ، ووضع أصبعيه في أذنيه ، قال : وإلا فصُمَّتا - قالها ثلاثا - ) ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة واحدة في الجنة وسائرهم في النار ولتزيدن عليهم هذه الأمة واحدةً واحدةٌ في الجنة وسائرهم في النار ) .

الثانية : اختلف العلماء في المحكمات والمتشابهات على أقوال عديدة ، فقال جابر بن عبد الله ، وهو مقتضى قول الشعبي وسفيان الثوري وغيرهما : ( المحكمات من أي القرآن ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره ، والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله تعالى بعلمه دون خلقه ، قال بعضهم : وذلك مثل وقت قيام الساعة ، وخروج يأجوج ومأجوج والدجال وعيسى ، ونحو الحروف المقطعة في أوائل السور ) .

قلت : هذا أحسن ما قيل في المتشابه . وقد قدمنا في أوائل سورة البقرة عن الربيع بن خيثم ( أن الله تعالى أنزل هذا القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء . . . ) الحديث . وقال أبو عثمان : المحكم فاتحة الكتاب التي لا تجزئ الصلاة إلا بها . وقال محمد بن الفضل : سورة الإخلاص ؛ لأنه ليس فيها إلا التوحيد فقط . وقد قيل : القرآن كله محكم : لقوله تعالى : " كتاب أحكمت آياته " {[2839]} [ هود : 1 ] . وقيل : كله متشابه ؛ لقوله : " كتابا متشابها " {[2840]} [ الزمر : 23 ] . قلت : وليس هذا من معنى الآية في شيء ؛ فإن قوله تعالى : " كتاب أحكمت آياته " أي في النظم والرصف وأنه حق من عند الله . ومعنى " كتابا متشابها " ، أي يشبه بعضه بعضاً ويصدق بعضه بعضاً . وليس المراد بقوله : " آيات محكمات " " وأخر متشابهات " هذا المعنى ، وإنما المتشابه في هذه الآية من باب الاحتمال والاشتباه ، من قوله : " إن البقر تشابه علينا " {[2841]} [ البقرة : 70 ] أي التبس علينا ، أي يحتمل أنواعاً كثيرة من البقر . والمراد بالمحكم ما في مقابلة هذا ، وهو ما لا التباس فيه ولا يحتمل إلا وجهاً واحداً . وقيل : إن المتشابه ما يحتمل وجوها ، ثم إذا ردت الوجوه إلى وجه واحد وأبطل الباقي صار المتشابه محكما . فالمحكم أبدا أصل ترد إليه الفروع ؛ والمتشابه هو الفرع . وقال ابن عباس : المحكمات هو قوله في سورة الأنعام " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم " {[2842]} [ الأنعام :151 ] إلى ثلاث آيات ، وقوله في بني إسرائيل : " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا " {[2843]} [ الإسراء 23 ] قال ابن عطية : وهذا عندي مثال أعطاه في المحكمات . وقال ابن عباس أيضا : ( المحكمات ناسخه وحرامه وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به ، والمتشابهات المنسوخات ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به ) وقال ابن مسعود وغيره : ( المحكمات الناسخات ، والمتشابهات المنسوخات ) وقاله قتادة والربيع والضحاك . وقال محمد بن جعفر بن الزبير : المحكمات هي التي فيها حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل ، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه . والمتشابهات لهن تصريف وتحريف وتأويل ، ابتلى الله فيهن العباد ، وقاله مجاهد وابن إسحاق . قال ابن عطية : وهذا أحسن الأقوال في هذه الآية . قال النحاس : أحسن ما قيل في المحكمات ، والمتشابهات أن المحكمات ما كان قائما بنفسه لا يحتاج أن يرجع فيه إلى غيره ، نحو " لم يكن له كفوا أحد " {[2844]} [ الإخلاص : 4 ] " وإني لغفار لمن تاب " {[2845]} [ طه : 82 ] . والمتشابهات نحو " إن الله يغفر الذنوب جميعا " {[2846]} [ الزمر : 53 ] يرجع فيه إلى قوله جل وعلا : " وإني لغفار لمن تاب " [ طه : 82 ] وإلى قوله عز وجل : " إن الله لا يغفر أن يشرك به " {[2847]} [ النساء : 48 ] .

قلت : ما قاله النحاس يبين ما اختاره ابن عطية ، وهو الجاري على وضع اللسان ، وذلك أن المحكَم اسم مفعول من أُحْكِم ، والإحكام الإتقان ، ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد ، إنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته وإتقان تركيبها ، ومتى اختل أحد الأمرين جاء التشابه والإشكال . والله أعلم . وقال ابن خويز منداد : للمتشابه وجوه ، والذي يتعلق به الحكم ما اختلف فيه العلماء أي الآيتين نسخت الأخرى ، كقول علي وابن عباس في الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد أقصى الأجلين . فكان عمر وزيد بن ثابت وابن مسعود وغيرهم يقولون وضع الحمل ويقولون : ( سورة النساء{[2848]} القصرى نسخت أربعة أشهر وعشرا ) وكان علي وابن عباس يقولان لم تنسخ . وكاختلافهم في الوصية للوارث هل نسخت أم لم تنسخ . وكتعارض الآيتين أيهما أولى أن تقدم إذا لم يعرف النسخ ولم توجد شرائطه ؛ كقوله تعالى : " وأحل لكم ما وراء ذلكم " {[2849]} [ النساء : 24 ] يقتضي الجمع بين الأقارب من ملك اليمين ، وقوله تعالى : " وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف " {[2850]}[ النساء : 23 ] يمنع ذلك . ومنه أيضا تعارض الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم وتعارض الأقيسة ، فذلك المتشابه . وليس من المتشابه أن تقرأ الآية بقراءتين ويكون الاسم{[2851]} محتملا أو مجملا يحتاج إلى تفسير ؛ لأن الواجب منه قدر ما يتناوله الاسم أو جميعه . والقراءتان كالآيتين يجب العمل بموجبهما جميعا ، كما قرئ : " وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم " [ المائدة : 6 ] بالفتح والكسر ، على ما يأتي بيانه " في المائدة " {[2852]} إن شاء الله تعالى .

الثالثة : روى البخاري{[2853]} عن سعيد بن جبير قال : قال رجل{[2854]} لابن عباس : إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي . قال : ما هو ؟ قال : " فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون " {[2855]} [ المؤمنون : 101 ] وقال : " وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون " {[2856]} [ الصافات : 27 ] وقال : " ولا يكتمون الله حديثا " {[2857]} [ النساء :42 ] وقال : " والله ربنا ما كنا مشركين " {[2858]} [ الأنعام : 23 ] فقد كتموا في هذه الآية . وفي النازعات " أم السماء بناها " إلى قوله " دحاها " {[2859]} [ النازعات : 27 - 28 - 29 - 30 ] فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض ، ثم قال : " أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين . . . إلى : طائعين " {[2860]} [ فصلت :9 ، 0 1 ، 11 ] فذكر في هذا خلق الأرض قبل خلق السماء . وقال : " وكان الله غفورا رحيما " {[2861]}[ النساء : 100 ] " وكان الله عزيزا حكيما " {[2862]} [ النساء : 158 ] . " وكان الله سميعا بصيرا " {[2863]} [ النساء :134 ] فكأنه كان ثم مضى . فقال ابن عباس : ( " فلا أنساب بينهم " في النفخة الأولى ، ثم ينفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ، فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون ، ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون . وأما قوله : " ما كنا مشركين " " ولا يكتمون الله حديثا " فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم ، وقال المشركون : تعالوا نقول : لم نكن مشركين ، فختم الله على أفواههم فتنطق جوارحهم بأعمالهم ، فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثا ، وعنده يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين . وخلق الله الأرض في يومين ، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات في يومين ، ثم دحا الأرض أي بسطها فأخرج منها الماء والمرعى ، وخلق فيها الجبال والأشجار والآكام وما بينها في يومين آخرين ؛ فذلك قوله : " والأرض بعد ذلك دحاها " . فخلقت الأرض وما فيها في أربعة أيام ، وخلقت السماء في يومين . وقوله : " وكان الله غفورا رحيما " يعني نفسه ذلك ، أي لم يزل ولا يزال كذلك ، فإن الله لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد . ويحك فلا يختلف عليك القرآن ، فإن كلا من عند الله ) .

الرابعة : قوله تعالى : " وأخر متشابهات " لم تصرف " أُخر " لأنها عدلت عن الألف واللام ؛ لأن أصلها أن تكون صفة بالألف واللام كالكبر والصغر ؛ فلما عدلت عن مجرى الألف واللام منعت الصرف . أبو عبيد : لم يصرفوها ؛ لأن واحدها لا ينصرف في معرفة ولا نكرة . وأنكر ذلك المبرد وقال : يجب على هذا ألا ينصرف غضاب وعطاش . الكسائي : لم تنصرف لأنها صفة . وأنكره المبرد أيضا وقال : إن لبداً وحطماً صفتان وهما منصرفان . سيبويه : لا يجوز أن تكون أخر معدولة عن الألف واللام ؛ لأنها لو كانت معدولة عن الألف واللام لكان معرفة ، ألا ترى أن سَحَرَ{[2864]} معرفة في جميع الأقاويل لما كانت معدولة عن السحر ، وأمْسِ في قول من قال : ذهب أمس معدولا عن الأمس ، فلو كان أخر معدولا أيضا عن الألف واللام لكان معرفة ، وقد وصفه الله تعالى بالنكرة .

الخامسة : قوله تعالى : " فأما الذين في قلوبهم زيغ " الذين رفع بالابتداء ، والخبر " فيتبعون ما تشابه منه " . والزيغ الميل ، ومنه زاغت الشمس ، وزاغت الأبصار . ويقال : زاغ يزيغ زيغا إذا ترك القصد ، ومنه قوله تعالى : " فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم " {[2865]} [ الصف : 5 ] . وهذه الآية تعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل وصاحب بدعة ، وإن كانت الإشارة بها في ذلك الوقت إلى نصارى نجران . وقال قتادة في تفسير قوله تعالى : " فأما الذين في قلوبهم زيغ " : إن لم يكونوا الحرورية{[2866]} وأنواع الخوارج فلا أدري من هم .

قلت : قد مر هذا التفسير عن أبي أمامة مرفوعا ، وحسبك .

السادسة : قوله تعالى : " فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله " قال شيخنا أبو العباس رحمة الله عليه : متبعو المتشابه لا يخلو أن يتبعوه ويجمعوه طلبا للتشكيك في القرآن وإضلال العوام ، كما فعلته الزنادقة والقرامطة{[2867]} الطاعنون في القرآن ، أو طلبا لاعتقاد ظواهر المتشابه ، كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع ، تعالى الله عن ذلك ، أو يتبعوه على جهة إبداء تأويلاتها وإيضاح معانيها ، أو كما فعل صبيغ{[2868]} حين أكثر على عمر فيه السؤال .

فهذه أربعة أقسام :

( الأول ) لا شك في كفرهم ، وإن حكم الله فيهم القتل من غير استتابة . ( الثاني ) الصحيح{[2869]} القول بتكفيرهم ، إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور ، ويستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بمن ارتد .

( الثالث ) اختلفوا في جواز ذلك بناء على الخلاف في جواز تأويلها . وقد عرف أن مذهب السلف ترك التعرض لتأويلها مع قطعهم باستحالة ظواهرها ، فيقولون أمروها كما جاءت . وذهب بعضهم إلى إبداء تأويلاتها وحملها على ما يصح حمله في اللسان عليها من غير قطع بتعيين مجمل منها .

( الرابع ) الحكم فيه الأدب البليغ ، كما فعله عمر بصبيغ . وقال أبو بكر الأنباري : وقد كان الأئمة من السلف يعاقبون من يسأل عن تفسير الحروف المشكلات في القرآن ؛ لأن السائل إن كان يبغي بسؤاله تخليد البدعة وإثارة الفتنة فهو حقيق بالنكير وأعظم التعزير ، وإن لم يكن ذلك مقصده فقد استحق العتب بما اجترم من الذنب ؛ إذ أوجد للمنافقين الملحدين في ذلك الوقت سبيلا إلى أن يقصدوا ضعفة المسلمين بالتشكيك والتضليل في تحريف القرآن عن مناهج التنزيل وحقائق التأويل . فمن ذلك ما حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي أنبأنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن يزيد بن حازم عن سليمان بن يسار أن صبيغ بن عِسل قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن وعن أشياء ، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فبعث إليه عمر فأحضره وقد أعد له عراجين من عراجين النخل . فلما حضر قال له عمر : من أنت ؟ قال : أنا عبد الله صبيغ . فقال عمر رضي الله عنه : وأنا عبد الله عمر ، ثم قام إليه فضرب رأسه بعرجون فشجه ، ثم تابع ضربه حتى سال دمه على وجهه ، فقال : حسبك يا أمير المؤمنين فقد والله ذهب ما كنت أجد في رأسي . وقد اختلفت الروايات في أدبه ، وسيأتي ذكرها في " الذاريات " . ثم إن الله تعالى ألهمه التوبة وقذفها في قلبه فتاب وحسنت توبته .

ومعنى " ابتغاء الفتنة " طلب الشبهات واللبس على المؤمنين حتى يفسدوا ذات بينهم ، ويردوا الناس إلى زيغهم . وقال أبو إسحاق الزجاج : معنى " ابتغاء تأويله " أنهم طلبوا تأويل بعثهم وإحيائهم ، فأعلم الله جل وعز أن تأويل ذلك ووقته لا يعلمه إلا الله . قال : والدليل على ذلك قوله تعالى : " هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله " أي يوم يرون ما يوعدون من البعث والنشور والعذاب " يقول الذين نسوه من قبل " أي تركوه - " قد جاءت رسل ربنا بالحق " {[2870]} [ الأعراف : 53 ] أي قد رأينا تأويل ما أنبأتنا به الرسل قال : فالوقف على قوله تعالى : " وما يعلم تأويله إلا الله " أي لا يعلم أحد متى البعث إلا الله .

السابعة : قوله تعالى : " وما يعلم تأويله إلا الله " يقال : إن جماعة من اليهود منهم حيي بن أحطب دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : بلغنا أنه نزل عليك " آلم " فإن كنت صادقا في مقالتك فإن ملك أمتك يكون إحدى وسبعين سنة ؛ لأن الألف في حساب الجمل واحد ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، فنزل " وما يعلم تأويله إلا الله " . والتأويل يكون بمعنى التفسير ، كقولك : تأويل هذه الكلمة على كذا . ويكون بمعنى ما يؤول الأمر إليه . واشتقاقه من آل الأمر إلى كذا يؤول إليه ، أي صار . وأولته تأويلا أي صيرته . وقد حده بعض الفقهاء فقالوا : هو إبداء احتمال في اللفظ مقصود بدليل خارج عنه . فالتفسير بيان اللفظ ؛ كقوله " لا ريب فيه " [ البقرة : 2 ] أي لا شك . وأصله من الفسر وهو : البيان ، يقال : فسرت الشيء ( مخففا ) أفسره ( بالكسر ) فسرا . والتأويل : بيان المعنى ، كقوله لا شك فيه عند المؤمنين ، أو لأنه حق في نفسه فلا يقبل ذاته الشك وإنما الشك وصف الشاك . وكقول ابن عباس في الجد أبا ؛ لأنه تأول قول الله عز وجل : " يا بني آدم " .

الثامنة : قوله تعالى : " والراسخون في العلم " اختلف العلماء في " والراسخون في العلم " هل هو ابتداء كلام مقطوع مما قبله ، أو هو معطوف على ما قبله فتكون الواو للجمع . فالذي عليه الأكثر أنه مقطوع مما قبله ، وأن الكلام تم عند قوله " إلا الله " هذا قول ابن عمر وابن عباس وعائشة وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وغيرهم ، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد وغيرهم{[2871]} . قال أبو نهيك الأسدي : إنكم تصلون هذه الآية وإنها مقطوعة . وما انتهى علم الراسخين إلا إلى قولهم " آمنا به كل من عند ربنا " . وقال مثل هذا عمر بن عبد العزيز ، وحكى الطبري نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس . و " يقولون " على هذا خبر " الراسخون " . قال الخطابي : وقد جعل الله تعالى آيات كتابه الذي أمرنا بالإيمان به والتصديق بما فيه قسمين : محكما ومتشابها ، فقال عز من قائل : " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات . . . إلى قوله : كل من عند ربنا " فأعلم أن المتشابه من الكتاب قد استأثر الله بعلمه ، فلا يعلم تأويله أحد غيره ، ثم أثنى الله عز وجل على الراسخين في العلم بأنهم يقولون آمنا به . ولولا صحة الإيمان منهم لم يستحقوا الثناء عليه . ومذهب أكثر العلماء أن الوقف التام في هذه الآية إنما هو عند قوله تعالى : " وما يعلم تأويله إلا الله " وأن ما بعده استئناف كلام آخر ، وهو قوله " والراسخون في العلم يقولون آمنا به " . وروي ذلك عن ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة . وإنما روي عن مجاهد أنه نسق " الراسخون " على ما قبله وزعم أنهم يعلمونه . واحتج له بعض أهل اللغة فقال : معناه والراسخون في العلم يعلمونه قائلين آمنا ، وزعم أن موضع " يقولون " نصب على الحال . وعامة أهل اللغة ينكرونه ويستبعدونه ؛ لأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول معا ، ولا تذكر حالا إلا مع ظهور الفعل ، فإذا لم يظهر فعل فلا يكون حال ، ولو جاز ذلك لجاز أن يقال : عبد الله راكبا ، بمعنى أقبل عبدالله راكبا ، وإنما يجوز ذلك مع ذكر الفعل كقوله : عبدالله يتكلم يصلح بين الناس ، فكان " يصلح " حالا له ، كقول الشاعر - أنشدنيه أبو عمر قال أنشدنا أبو العباس ثعلب - :

أرسلت فيها قَطِماً لُكَالِكَا{[2872]} *** يَقْصُرُ يمشي ويطول بَارِكا

أي يقصر ماشيا ، فكان قول عامة العلماء مع مساعدة مذاهب النحويين له أولى من قول مجاهد وحده ، وأيضا فإنه لا يجوز أن ينفي الله سبحانه شيئا عن الخلق ويثبته لنفسه ثم يكون له في ذلك شريك . ألا ترى قوله عز وجل : " قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله " {[2873]} [ النمل : 65 ] وقوله : " لا يجليها لوقتها إلا هو " {[2874]} [ الأعراف : 187 ] وقوله : " كل شيء هالك إلا وجهه " {[2875]} [ القصص : 88 ] ، فكان هذا كله مما استأثر الله سبحانه بعلمه لا يشركه فيه غيره . وكذلك قوله تبارك وتعالى : " وما يعلم تأويله إلا الله " . ولو كانت الواو في قوله : " والراسخون " {[2876]} للنسق لم يكن لقوله : " كل من عند ربنا " فائدة . والله أعلم .

قلت : ما حكاه الخطابي من أنه لم يقل بقول مجاهد غيره فقد روي عن ابن عباس أن الراسخين معطوف على اسم الله عز وجل ، وأنهم داخلون في علم المتشابه ، وأنهم مع علمهم به يقولون آمنا به ، وقاله الربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم . و " يقولون " على هذا التأويل نصب على الحال من الراسخين ، كما قال :

الريح تبكي شَجْوَهَا *** والبرق يلمع في الغَمَامَه

وهذا البيت يحتمل المعنيين ، فيجوز أن يكون " والبرق " مبتدأ ، والخبر " يلمع " على التأويل الأول ، فيكون مقطوعا مما قبله . ويجوز أن يكون معطوفا على الريح ، و " يلمع " في موضع الحال على التأويل الثاني أي لامعا . واحتج قائلو هذه المقالة أيضا بأن الله سبحانه مدحهم بالرسوخ في العلم ، فكيف يمدحهم وهم جهال وقد قال ابن عباس : ( أنا ممن يعلم تأويله ) وقرأ مجاهد هذه الآية وقال : أنا ممن يعلم تأويله ، حكاه عنه إمام الحرمين أبو المعالي .

قلت : وقد رد بعض العلماء هذا القول إلى القول الأول فقال : وتقدير تمام الكلام " عند الله " أن معناه : وما يعلم تأويله إلا الله يعني : تأويل المتشابهات ، والراسخون في العلم يعلمون بعضه قائلين آمنا به كل من عند ربنا بما نصب من الدلائل في المحكم ومكن من رده إليه . فإذا علموا تأويل بعضه ولم يعلموا البعض قالوا آمنا بالجميع كل من عند ربنا ، وما لم يحط به علمنا من الخفايا مما في شرعه الصالح فعلمه عند ربنا فإن قال قائل : قد أشكل على الراسخين بعض تفسيره حتى قال ابن عباس : ( لا أدري ما الأواه ولا ما غسلين ) قيل له : هذا لا يلزم ؛ لأن ابن عباس قد علم بعد ذلك ففسر ما وقف عليه . وجواب أقطع من هذا وهو أنه سبحانه لم يقل وكل راسخ فيجب هذا فإذا لم يعلمه أحد علمه الآخر . ورجح ابن فورك أن الراسخين يعلمون التأويل وأطنب في ذلك ، وفي قوله عليه السلام لابن عباس : ( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ) ما يبين لك ذلك ، أي علمه معاني كتابك . والوقف على هذا يكون عند قوله " والراسخون في العلم " . قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر : وهو الصحيح ، فإن تسميتهم راسخين يقتضي أنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب . وفي أي شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع ! . لكن المتشابه يتنوع ، فمنه ما لا يعلم البتة كأمر الروح والساعة مما استأثر الله بغيبه ، وهذا لا يتعاطى علمه أحد لا ابن عباس ولا غيره . فمن قال من العلماء الحذاق بأن الراسخين لا يعلمون علم المتشابه فإنما أراد هذا النوع ، وأما ما يمكن حمله على وجوه في اللغة ومناح في كلام العرب فيتأول ويعلم تأويله المستقيم ، ويزال ما فيه مما عسى أن يتعلق من تأويل غير مستقيم ؛ كقوله في عيسى : " وروح منه " {[2877]}[ النساء : 171 ] إلى غير ذلك . فلا يسمى أحد راسخا إلا أن يعلم من هذا النوع كثيرا بحسب ما قدر له . وأما من يقول : إن المتشابه هو المنسوخ فيستقيم على قوله إدخال الراسخين في علم التأويل ، لكن تخصيصه المتشابهات بهذا النوع غير صحيح . والرسوخ : الثبوت في الشيء ، وكل ثابت راسخ . وأصله في الأجرام أن يرسخ الجبل والشجر في الأرض ؛ قال الشاعر :

لقد رسخت في الصدر مني مودة *** لليلى أبَتْ آياتُها أن تَغَيَّرَا

ورسخ الإيمان في قلب فلان يرسخ رسوخا . وحكى بعضهم : رسخ الغدير : نضب ماؤه ، حكاه ابن فارس فهو من الأضداد . ورَسَخ ورَضَخ ورَصُن ورسَب كله ثبت فيه . وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الراسخين في العلم فقال : ( هو من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه ) . فإن قيل : كيف كان في القرآن متشابه والله يقول : " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم " {[2878]} [ النحل : 44 ] فكيف لم يجعله كله واضحا ؟ قيل له : الحكمة في ذلك - والله أعلم - أن يظهر فضل العلماء ؛ لأنه لو كان كله واضحا لم يظهر فضل بعضهم على بعض . وهكذا يفعل من يصنف تصنيفا يجعل بعضه واضحا وبعضه مشكلا ، ويترك للجُثْوَةِ{[2879]} موضعا ، لأن ما هان وجوده قل بهاؤه . والله أعلم .

التاسعة : قوله تعالى : " كل من عند ربنا " فيه ضمير عائد على كتاب الله تعالى محكمه ومتشابهه ، والتقدير : كله من عند ربنا . وحذف الضمير لدلالة " كل " عليه ؛ إذ هي لفظة تقتضي الإضافة . ثم قال : " وما يذكر إلا أولوا الألباب " أي ما يقول هذا ويؤمن ويقف حيث وقف ويدع اتباع المتشابه إلا ذو لب ، وهو العقل . ولب كل شيء خالصه ، فلذلك قيل للعقل لب . و " أولو " جمع ذو .


[2838]:- راجع هذا الجزء ص 166.
[2839]:- راجع جـ9 ص 2.
[2840]:- راجع جـ15 ص 148.
[2841]:- راجع جـ1 ص 451.
[2842]:- راجع جـ7 ص 130 فما بعد.
[2843]:- راجع جـ10 ص 248.
[2844]:- راجع جـ20 ص 246.
[2845]:- راجع جـ11 ص 123.
[2846]:- راجع جـ15 ص 267.
[2847]:- راجع جـ5 ص 245.
[2848]:- هي سورة الطلاق. ومراده منها "وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن" آية 4.
[2849]:- راجع جـ5 ص 116 و 124.
[2850]:-راجع جـ5 ص 116 و 124.
[2851]:- في نسخة: : ب، الأمر.
[2852]:- راجع جـ6 ص80
[2853]:- الحديث في البخاري في كتاب التفسير (سورة السجدة). وبين ما في البخاري وما في الأصول اختلاف في بعض الكلمات.
[2854]:- هو نافع ابن الأزرق الذي صار بعد ذلك رأس الأزارقة من الخوارج (القسطلاني)
[2855]:- راجع 12 ص 151.
[2856]:- راجع جـ15 ص 81
[2857]:- راجع جـ5 ص 198.
[2858]:- راجع جـ6 ص 401
[2859]:- راجع جـ19 ص 201 فما بعد.
[2860]:راجع جـ15 ص 342.
[2861]:- سورة النساء 13. عبارة البخاري (سمى نفسه)
[2862]:- سورة النساء 13
[2863]:- سورة النساء 13
[2864]:- أي إذا أردت به سحر ليلتك، فإن نكرته صرفته.
[2865]:- راجع جـ18 ص 82.
[2866]:- راجع الهامشة 2 جـ2 ص 251.
[2867]:- القرامطة: فرقة من الزنادقة الملاحدة أتباع الفلاسفة من الفرس الذين يعتقدون بنوة زرادشت ومزدك وماني، وكان يبيحون المحرمات. (راجع عقد الجمان للعيني في حوادث سنة 278).
[2868]:- صبيغ (وزان أمير) بن شريك بن المنذر بن قطن بن قشع بن عسل (بكسر العين) بن عمرو بن يربوع التميمي، وقد ينسب إلى جده الأعلى فيقال: صبيغ بن عسل. راجع القاموس وشرحه مادة "صبغ وعسل".
[2869]:- الزيادة من نسخ: ب، ز،د.
[2870]:- راجع جـ7 ص 217.
[2871]:- الزيادة من نسخة: جـ.
[2872]:- في الأصول: "أرسلت فيها رجلا" والتصويب عن اللسان وشرح القاموس. والقطم: الغضبان؛ وفحل قطم وقطم وقطيم: صؤول. والقطم أيضا: المشتهي اللحم وغيره. واللكالك (بضم اللام الأولى وكسر الثانية): الجمل الضخم المرمى باللحم. قال أبو علي الفارسي: "يقصر إذا مشى لانخفاض بطنه وضخمه وتقاربه من الأرض، فإذا برك رأيته طويلا لارتفاع سنامه، فهو باركا أطول منه قائما". (اللسان لكك).
[2873]:- راجع جـ13 ص 225.
[2874]:- راجع جـ7 ص 335.
[2875]:- راجع جـ13 ص 322.
[2876]:- في الأصول: "والراسخون معا للنسق".
[2877]:- راجع جـ6 ص 21.
[2878]:- راجع جـ10 ص 108.
[2879]:- كذا وردت هذه الكلمة في أكثر الأصول، وفي بعضها وردت بهذا الرسم من غير إعجام، ومعناها: الجماعة.