فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ} (8)

{ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد } .

جاز أن يكون هذا من تتمة حال الراسخين ومقالهم فهم مستيقنون بأن محكم القرآن ومتشابهه تنزيل من الحكيم الحميد وهم يضرعون إلى ربنا القريب المجيب أن يثبتهم على هذا التصديق واليقين حتى لا تميل القلوب عن سبيل الحق والرشد ويدعونه أن يمنحهم رحمة في أولاهم وأخراهم كما يسألونه وهو الذي يبعث الخلائق يوم النشور أن ينجيهم من الخزي والعذاب وأن يعظم لهم الأجور وجائز أن يكون خبرا يراد به الطلب أي قولوا ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا – { رحمة } ليشمل جميع أنواعها فأولها أن يحصل في القلب نور الإيمان والتوحيد والمعرفة وثانيها أن يحصل في الجوارح والأعضاء نور الطاعة والعبودية . . وثالثها أن يحصل له في الدنيا سهولة أسباب المعيشة من الأمن والصحة والكفاية ورابعها أن يحصل له عند الموت سهولة أسباب سكرات الموت ، وخامسها سهولة السؤال والظلمة والوحشة في القبر ، وسادسها في القيامة سهولة الخطاب وغفران السيآت وتبديلها بالحسنات ، وسابعها في الجنة ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ، وثامنها في الحضرة رفع الأستار ورؤية الملك الجبار-{[862]} .


[862]:ما بين العارضتين مما أورد الحسن النيسابوري ثم تابع: قال أهل السنة: القلب صالح لأن يميل إلى الإيمان وصالح لأن يميل إلى الكفر وكل منهما يتوقف على داعية ينشئها الله تعالى فيه إذ لو حدثت بنفسها لزم سد باب إثبات الصانع فإن كانت داعية الكفر فهو الخذلان والإزاغة والصد والختم والطبع والرين وغيرهما مما ورد في القرآن. وإن كانت داعية الإيمان فهو التوفيق والرشاد والهداية والتثبيت والعصمة ونحوها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن).... {إن الله لا يخلف الميعاد} قيل هو كلام الله تعالى كأنه يصدقهم فيما قالوه... واعلم أنه لا يلزم من أنه تعالى لا يخلف الوعد القطع بوعيد الفساق كما يزعم المعتزلة لأن كل ما ورد في وعيد الفساق فهو عندنا مشروط بشرط عدم التوبة.