التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَذَٰلِكَ خَيۡرٞ نُّزُلًا أَمۡ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ} (62)

استئناف بعد تمام قصة المؤمن ورفاقه قصد منه التنبيه إلى البون بين حال المؤمن والكافر جرى على عادة القرآن في تعقيب القصص والأمثال بالتنبيه إلى مغازيها ومواعظها .

فالمقصود بالخبر هو قوله : { إنَّا جعلناهَا } ، أي شجرة الزقوم { فتنة للظالمين } إلى آخرها . وإنما صيغ الكلام على هذا الأسلوب للتشويق إلى ما يرد فيه .

والاستفهام مكنى به عن التنبيه على فضل حال المؤمن وفوزه وخسار الكافر . وهو خطاب لكل سامع .

والإِشارة ب { أذلك } إلى ما تقدم من حال المؤمنين في النعيم والخلود ، وجيء باسم الإِشارة مفرداً بتأويل المذكور ، بعلامة بُعد المشار إليه لتعظيمه بالبعد ، أي بعد المرتبة وسُموّها لأن الشيء النفيس الشريف يتخيل عالياً والعالي يلازمه البُعد عن المكان المعتاد وهو السفل ، وأين الثريا من الثرى .

والنزُل : بضمتين ، ويقال : نُزْل بضم وسكون هو في أصل اللغة : المكان الذي ينزل فيه النازل ، قاله الزجاج . وجرى عليه صاحب « اللسان » وصاحب « القاموس » ، وأُطلق إطلاقاً شائعاً كثيراً على الطعام المهيّأ للضيف لأنه أعدّ له لنزوله تسمية باسم مكانه نظير ما أطلقوا اسم السكن بسكون الكاف على الطعام المعدّ للساكن الدار إذ المسكن يقال فيه : سَكْن أيضاً . واقتصر عليه أكثر المفسرين ولم يذكر الراغب غيره . ويجوز أن يكون المراد من النزل هنا طعام الضيافة في الجنة . ويجوز أن يراد به مكان النزول على تقدير مضاف في قوله : { أمْ شجرة الزقوم } بتقدير : أم مكان شجرة الزقوم .

وعلى الوجهين فانتصاب { نُزُلاً } على الحال من اسم الإِشارة ومتوجه الإِشارة بقوله : { ذلك } إلى ما يناسب الوجهين مما تقدم من قوله : { رزق معلومٌ فواكِه وهم مُكْرَمُونَ في جَنَّاتِ النَّعِيم } [ الصافات : 41 - 43 ] .

ويجري على الوجهين معنى معادل الاستفهام فيكون إمّا أن تُقدّر : أم منزلُ شجرة الزقوم على حدّ قوله تعالى : { أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً } [ مريم : 73 ] فقد ذَكَر مكانين ، وإما أن نقدر : أم نزل شجرة الزقوم ، وعلى هذا الوجه الثاني تَكون المعادلة مشاكَلة تهكماً لأن طعام شجرة الزقوم لا يحق له أن يسمى نزلاً .

وشجرة الزقوم ذكرت هنا ذِكر ما هو معهود من قبلُ لورودها معرِفة بالإِضافة ولوقوعها في مقام التفاوت بين حالي خير وشر فيناسب أن تكون الحوالة على مِثلين معروفين ، فأما أن يكون اسماً جعله القرآن لشجرة في جهنم ويكون سبق ذكرها في { ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم } في سورة [ الواقعة : 51 - 52 ] ، وكان نزولها قبل نزول سورة الصافات . ويبين هذا ما رواه الكلبي أنه لما نزلت هذه الآية ( أي آية سورة الواقعة ) قال ابن الزِّبَعْرَى : أكثر الله في بيوتكم الزقوم ، فإن أهل اليمن يسمّون التمر والزبد بالزقوم . فقال أبو جهل لجاريته : زقمينا فأتته بزُبد وتمر فقال : تزقموا .

وعن ابن سيده : بلغنا أنه لما نزلت :

{ إن شجرة الزقوم طعام الأثيم } أي في سورة [ الدخان : 43 44 ] لم يعرفها قريش . فقال أبو جهل : يا جارية هاتي لنا تمراً وزبداً نزدقمه ، فجعلوا يأكلون ويقولون : أفبهاذا يخوفنا محمد في الآخرة اهـ . والمناسب أن يكون قولهم هذا عندما سمعوا آية سورة الواقعة لا آية سورة الدخان وقد جاءت فيها نكرة . وإمّا أن يكون اسماً لشجر معروف هو مذموم ، قيل : هو شجر من أخبث الشجر يكون بتهامة وبالبلاد المجدبة المجاورة للصحراء كريهة الرائحة صغيرة الورق مسمومة ذات لبن إذا أصاب جلد الإِنسان تورّم ومات منه في الغالب . قاله قطرب وأبو حنيفة .

وتصدّي القرآن لوصفها المفصّل هنا يقتضي أنها ليست معروفة عندهم فذكرها مُجملة في سورة الواقعة فلما قالوا ما قالوا فصّل أوصافها هنا بهذه الآية وفي سورة الدخان بقوله : { إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل تغلِي في البطون كغلْي الحميم } [ الدخان : 43 - 46 ] .

وقد سماها القرآن بهذه الإِضافة كأنها مشتقة من الزقمة بضم الزاء وسكون القاف وهو اسم الطاعون ، وقال ابن دريد : لم يكن الزقوم اشتقاقاً من التزقم وهو الإِفراط في الأكل حتى يكرهه . وهو يريد الرد على من قال : إنها مشتقة من التزقم وهو البلْع على جَهد لكراهة الشيء . واستأنف وصفها بأن الله جعلها { فتنة للظالمين } ، أي عذاباً مثل ما في قوله : { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات } [ البروج : 10 ] ، أي عذبوهم بأخدود النار .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَذَٰلِكَ خَيۡرٞ نُّزُلًا أَمۡ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ} (62)

قوله تعالى : " أذلك خير " مبتدأ وخبر ، وهو من قول الله جل وعز . " نزلا " على البيان ، والمعنى أنعيم الجنة خير نزلا . " أم شجرة الزقوم " والنزل في اللغة الرزق الذي له سعة - النحاس - وكذا النزل إلا أنه يجوز أن يكون النزل بإسكان الزاي لغة ، ويجوز أن يكون أصله النزل ، ومنه أقيم للقوم نزلهم ، واشتقاقه أنه الغذاء الذي يصلح أن ينزلوا معه ويقيموا فيه . وقد مضى هذا في آخر سورة " آل عمران " {[13260]} وشجرة الزقوم مشتقة من التزقم وهو البلع على جهد لكراهتها ونتنها . قال المفسرون : وهي في الباب السادس ، وأنها تحيا بلهب النار كما تحيا الشجرة ببرد الماء ، فلا بد لأهل النار من أن ينحدر إليها من كان فوقها فيأكلون منها ، وكذلك يصعد إليها من كان أسفل . واختلف فيها هل هي من شجر الدنيا التي تعرفها العرب أم لا على قولين : أحدهما أنها معروفة من شجر الدنيا . ومن قال بهذا اختلفوا فيها . فقال قطرب : إنها شجرة مرة تكون بتهامة من أخبث الشجر . وقال غيره : بل هو كل نبات قاتل . القول الثاني : إنها لا تعرف في شجر الدنيا . فلما نزلت هذه الآية في شجرة الزقوم قالت كفار قريش : ما نعرف هذه الشجرة . فقدم عليهم رجل من إفريقية فسألوه فقال : هو عندنا الزُبد والتمر . فقال ابن الزبعري : أكثر الله في بيوتنا الزقوم فقال أبو جهل لجاريته : زقمينا ، فأتته بزبد وتمر . ثم قال لأصحابه : تزقموا ، هذا الذي يخوفنا به محمد ، يزعم أن النار تنبت الشجر ، والنار تحرق الشجر .


[13260]:راجع ج 4 ص 321 طبعة أولى أو ثانية.