التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَمۡ لَهُم مُّلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ فَلۡيَرۡتَقُواْ فِي ٱلۡأَسۡبَٰبِ} (10)

إضراب انتقالي إلى رد يأتي على جميع مزاعمهم ويشمل بإجماله جميع النقوض التفصيلية لمزاعمهم بكلمة جامعة كالحوصلة فيشبه التذييل لما يتضمنه من عموم المُلك وعموم الأماكن المقتضي عموم العلم وعمومَ التصرف ينعَى عليهم قولهم في المغيبات بلا علم وتحكمهم في مراتب الموجودات بدون قدرة ولا غنى .

والاستفهام المقدر بعد { أم } المنقطعة تهكمي وليس إنكارياً لأن تفريع أمر التعجيز عليه يعيّن أنه تهكمي . فالمعنى : إن كان لهم مُلك السماوات والأرض وما بينهما فكان لهم شيء من ذلك فليصعدوا إن استطاعوا في أسباب السماوات ليَخبُروا حقائق الأشياء فيتكلموا عن علم في كنه الإله وصفاته وفي إمكان البعث وعدمه وفي صدق الرسول صلى الله عليه وسلم أو ضده وليفتحوا خزائن الرحمة فيفيضوا منها على من يعجبهم ويحرموا من لا يرْمقونه بعين استحسان .

والأمر في { فليرتقوا } للتعجيز مثل قوله : { فليمدد بسبب إلى السماء } [ الحج : 15 ] .

والتعريف في { الأسْبابِ } لعهد الجنس لأن المعروف أن لكل محل مرتفع أسباباً يُصعد بها إليه كقول زهير :

ومن هاب أسباب المنايَا ينلْنه **** وإن يرق أسباب السماء بسلّم

وقول الأعشى :

فلو كنتَ في حِبّ ثمانين قامة *** ورُقيتَ أسباب السماء بسُلّم

والسبب : الحبل الذي يَتعلق به الصاعد إلى النخلة للجذاذ ، فإن جعل من حبلين ووصل بين الحبلين بحبال معترضة مشدودة أو بأعواد بين الحبلين مضفورٍ عليها جنبتَا الحبلين فهو السُلَّم . وحرف الظرفية استعارة تبعية للتمكن من الأسباب حتى كأنها ظروف محيطة بالمرتقين .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَمۡ لَهُم مُّلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ فَلۡيَرۡتَقُواْ فِي ٱلۡأَسۡبَٰبِ} (10)

( أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما ) أي : فإن ادعوا ذلك : ( فليرتقوا في الأسباب ) .

قوله تعالى : ( فليرتقوا في الأسباب ) أي : فليصعدوا إلى السموات ، وليمنعوا الملائكة من إنزال الوحي على محمد . يقال : رقي يرقى وارتقى إذا صعد . ورقى يرقي رقيا مثل رمى يرمي رميا من الرقية . قال الربيع بن أنس : الأسباب أرق من الشعر وأشد من الحديد ولكن لا ترى . والسبب في اللغة كل ما يوصل به إلى المطلوب من حبل أو غيره . وقيل : الأسباب أبواب السموات التي تنزل الملائكة منها ، قاله مجاهد وقتادة . قال زهير :

ولو رامَ أسبَابَ السماءِ بسُلَّمِ .

وقيل : الأسباب : السموات نفسها ، أي فليصعدوا سماء سماء . وقال السدي : في الأسباب : في الفضل والدين . وقيل : أي فليعلوا في أسباب القوة إن ظنوا أنها مانعة . وهو معنى قول أبي عبيدة . وقيل : الأسباب الحبال ، يعني إن وجدوا حبلا أو سببا يصعدون فيه إلى السماء فليرتقوا ، وهذا أمر توبيخ وتعجيز .