التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ} (5)

فجملة { أجعل الالهة إلها واحدا } بيان لجملة { هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ } ، أي حيث عدوه مباهتاً لهم بقلب الحقائق والأخبار بخلاف الواقع .

والهمزة للاستفهام الإِنكاري التعجيبي ولذلك أتبعوه بما هو كالعلة لقولهم : { ساحر } وهو { إنَّ هذا لشيء عجاب } أي يتعجب منه كما يتعجب من شعوذة الساحر .

و { عُجاب } : وصف الشيء الذي يتعجب منه كثيراً لأن وزن فُعال بضم أوله يدل على تمكن الوصف مثل : طُوال ، بمعنى المفرط في الطول ، وكُرام بمعنى الكثير الكرم ، فهو أبلغ من كريم ، وقد ابتدأوا الإِنكار بأول أصل من أصول كفرهم فإن أصول كفرهم ثلاثة : الإِشراكُ ، وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وإنكار البعث ، والجزاءِ في الآخرة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ} (5)

قوله تعالى : " أجعل الآلهة إلها واحدا " مفعولان أي صير الآلهة إلها واحدا . " إن هذا لشيء عجاب " أي عجيب . وقرأ السلمي : " عجاب " بالتشديد . والعجاب والعجّاب والعجب سواء . وقد فرق الخليل بين عجيب وعجاب فقال : العجيب العجب ، والعجاب الذي قد تجاوز حد العجب ، والطويل الذي فيه طول ، والطوال ، الذي قد تجاوز حد الطول . وقال الجوهري : العجيب الأمر الذي يتعجب منه ، وكذلك العجاب بالضم ، والعجاب بالتشديد أكثر منه ، وكذلك الأعجوبة . وقال مقاتل : " عجاب " لغة أزد شنوءة . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : مرض أبو طالب فجاءت قريش إليه ، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم ، وعند رأس أبي طالب مجلس رجل ، فقام أبو جهل كي يمنعه ، قال : وشكوه إلى أبي طالب ، فقال : يا ابن أخي ما تريد من قومك ؟ فقال : ( يا عم إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها الجزية العجم ) فقال : وما هي ؟ قال : ( لا إله إلا الله ) قال : فقالوا " أجعل الآلهة إلها واحدا " قال : فنزل فيهم القرآن : " ص والقرآن ذي الذكر . بل الذين كفروا في عزة وشقاق " حتى بلغ " إن هذا إلا اختلاق " خرجه الترمذي أيضا بمعناه . وقال : هذا حديث حسن صحيح . وقيل : لما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه شق على قريش إسلامه فاجتمعوا إلى أبي طالب وقالوا : اقض بيننا وبين ابن أخيك . فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : بابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء ، فلا تمل كل الميل على قومك . قال : ( وماذا يسألونني ) قالوا : ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أتعطونني كلمة واحدة وتملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم ) فقال أبو جهل : لله أبوك لنعطينكها وعشر أمثالها . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( قولوا لا إله إلا الله ) فنفروا من ذلك وقاموا ، فقالوا : " أجعل الآلهة إلها واحدا " فكيف يسع الخلق كلهم إله واحد . فأنزل الله فيهم هذه الآيات إلى قوله : " كذبت قبلهم قوم نوح " [ ص :12 ]