التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِنۡ هِيَ إِلَّا مَوۡتَتُنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُنشَرِينَ} (35)

وضمير { هي } ضمير الشأن ويقال له : ضمير القصة لأنه يستعمل بصيغة المؤنث بتأويل القصة ، أي لا قصة في هذا الغرض إلا الموتة المعروفة فهي موتة دائمة لا نشور لنا بعدها .

وهذا كلام من كلماتهم في إنكار البعث فإن لهم كلمات في ذلك ، فتارة ينفون أن تكون بعد الموت حياة كما حكى عنهم في آيات أخرى مثل قوله تعالى : { وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا } [ الأنعام : 29 ] ، وتارة ينفون أن يطرأ عليهم بعد الموتة المعروفة شيء غيرها يعنون بذلك شيئاً ضد الموتة وهو الحياة بعد الموتة . فلهم في نَفْي الحياة بعد الموت أفانين من أقوال الجحود ، وهذا القصر قصر حقيقي في اعتقادهم لأنهم لا يؤمنون باعتراء أحوال لهم بعد الموت .

وكلمة { هؤلاء } حيثما ذكر في القرآن غير مسبوق بما يصلح أن يشار إليه : مراد به المشركون من أهل مكة كما استنبطناه ، وقدمنا الكلام عليه عند قوله تعالى : { فإن يكفر بها هؤلاء } في سورة الأنعام ( 89 ) .

ووصف { الأولى } مراد به السابقة مثل قوله : { وأنه أهلك عاداً الأولى } [ النجم : 50 ] ومنه قوله تعالى : { ولقد ضلّ قبلهم أكثرُ الأولين } [ الصافات : 71 ] . ونظيرها قوله تعالى : { أفما نحن بميتين إلاّ موتَتَنا الأولى وما نحن بمعذبين } [ الصافات : 58 ، 59 ] .

أعقبوا قصر ما ينتابهم بعد الحياة على الموتة التي يموتونها ، بقوله : { وما نحن بمنشرين } تصريحاً بمفهوم القصر . وجيء به معطوفاً للاهتمام به لأنه غرض مقصود مع إفادته تأكيد القصر

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنۡ هِيَ إِلَّا مَوۡتَتُنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُنشَرِينَ} (35)

" إن هي إلا موتتنا الأولى " ابتداء وخبر ، مثل : " إن هي إلا فتنتك " {[13739]} [ الأعراف : 155 ] ، " إن هي إلا حياتنا الدنيا " {[13740]} [ المؤمنون : 37 ] " وما نحن بمنشرين " أي بمبعوثين . أنشر الله الموتى فنشروا . وقد تقدم{[13741]} . والمنشورون المبعوثون . قيل : إن قائل هذا من كفار قريش أبو جهل ، قال : يا محمد ، إن كنت صادقا في قولك فابعث لنا رجلين من آبائنا : أحدهما : قصي بن كلاب فإنه كان رجلا صادقا ؛ لنسأله عما يكون بعد الموت . وهذا القول من أبي جهل من أضعف الشبهات ؛ لأن الإعادة إنما هي للجزاء لا للتكليف ، فكأنه قال : إن كنت صادقا في إعادتهم للجزاء فأعدهم للتكليف . وهو كقول قائل : لو قال إن كان ينشأ بعدنا قوم من الأبناء ، فلم لا يرجع من مضى من الآباء ، حكاه الماوردي .


[13739]:آية 155 سورة الأعراف.
[13740]:آية 29 سورة الأنعام.
[13741]:راجع ج 11 ص 278.