التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزۡقُكُمۡ وَمَا تُوعَدُونَ} (22)

بعد أن ذكر دلائل الأرض ودلائل الأنفس التي هم من علائِق الأرض عُطف ذكر السماء للمناسبة ، وتمهيداً للقَسم الذي بعده بقوله : { فوربِّ السماء والأرض إنه لحق } [ الذاريات : 23 ] . ولما في السماء من آية المطر الذي به تنبت الأرض بعد الجفاف ، فالمعنى : وفي السماء آية المطر ، فعدل عن ذكر المطر إلى الرزق إدماجاً للامتنان في الاستدلال فإن الدليل في كونه مطراً يحيي الأرض بعد موتها . وهذا قياس تمثيل للنبت ، أي في السماء المطر الذي ترزقون بسببه .

فالرزق : هو المطر الذي تحمله السحب والسماء هنا : طبقات الجو . وتقديم المجرور على متعلقه للتشويق وللاهتمام بالمكان وللردّ على الفاصلة .

وعَطف { وما توعدون } إدماج بين أدلة إثبات البعث لقصد الموعظة الشاملة للوعيد على الإشراك والوعد على الإيمان إن آمنوا تعجيلاً بالموعظة عند سنوح فرصتها .

وفي إيثار صيغة { تُوعَدون } خصوصية من خصائص إعجاز القرآن ، فإن هذه الصيغة صالحة لأن تكون مصوغة من الوعد فيكون وزن { توعدون } تفعلون مضارع وعَد مبنياً للنائب . وأصله قبل البناء للنائب تَعدون وأصله تَوْعَدُون ، فلما بني للنائب ضُمّ حرف المضارعة فصارت الواو الساكنة مَدة مجانسة للضمة فصار : تُوعدون . وصالحة لأن تكون من الإيعاد ووَزنه تأفْعَلُون مثل تصريف أكرم يكرم وبذلك صار { توعدون } مثل تُكرمَون ، فاحتملت للبشارة والإنذار .

وكون ذلك في السماء يجوز أن يكون معناه أنه محقق في علم أهل السماء ، أي الملائكة الموكلين بتصريفه . ويجوز أن يكون المعنى : أن مَكان حصوله في السماء ، من جنة أو جهنم بناء على أن الجنة وجهنم موجودتان من قبل يوم القيامة ، وفي ذلك اختلاف لا حاجة إلى ذكره . وفيه إيماء إلى أن ما أوعدوه يأتيهم من قِبَل السماء كما قال تعالى : { فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم } [ الدخان : 10 ، 11 ] . فإن ذلك الدخان كان في طبقات الجو كما تقدم في سورة الدخان .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزۡقُكُمۡ وَمَا تُوعَدُونَ} (22)

قوله تعالى : " وفي السماء رزقكم وما توعدون " قال سعيد بن جبير والضحاك : الرزق هنا ما ينزل من السماء من مطر وثلج ينبت به الزرع ويحيا به الخلق . قال سعيد بن جبير : كل عين قائمة إنها من الثلج . وعن الحسن أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه : فيه والله رزقكم ولكنكم تحرمونه بخطاياكم . وقال أهل المعاني : " وفي السماء رزقكم " معناه وفي المطر رزقكم ، سمي المطر سماء لأنه من السماء ينزل . قال الشاعر{[14218]} :

إذا سَقَطَ السماءُ بأرض قَوْمٍ *** رَعيناه وإن كانوا غِضَابَا

وقال ابن كيسان : يعني وعلى رب السماء رزقكم ، نظيره : " وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها{[14219]} " [ هود : 6 ] . وقال سفيان الثوري : " وفي السماء رزقكم " أي عند الله في السماء رزقكم . وقيل : المعنى وفي السماء تقدير رزقكم ، وما فيه لكم مكتوب في أم الكتاب . وعن سفيان قال : قرأ واصل الأحدب " وفي السماء رزقكم " فقال : ألا أرى رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض ! فدخل خربة فمكث ثلاثا لا يصيب شيئا فإذا هو في الثالثة بدوخلة{[14220]} رطب ، وكان له أخ أحسن نية منه فدخل معه فصارتا دوخلتين ، فلم يزل ذلك دأبهما حتى فرق الله بالموت بينهما . وقرأ ابن محيصن ومجاهد " وفي السماء رازقكم " بالألف وكذلك في أخرها " إن الله هو الرازق . " وما توعدون " قال مجاهد : يعني من خير وشر . وقال غيره : من خير خاصة . وقيل : الشر خاصة . وقيل : الجنة ، عن سفيان بن عيينة . الضحاك : " وما توعدون " من الجنة والنار . وقال ابن سيرين : " وما توعدون " من أمر الساعة . وقاله الربيع .


[14218]:هو معود الحكماء معاوية بن مالك؛ وسمي معودا الحكماء لقوله في هذه القصيدة: أعود مثلها الحكماء بعدي *** إذا ما الحق في الحدثان نابا
[14219]:راجع جـ 9 ص 6.
[14220]:الدوخلة (بتشديد اللام وتخفيفها): سفيفة من خوص يوضع فيها التمر والرطب.