التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ} (28)

الفاء في { فأوجس منهم خيفة } فصيحة لإفصاحها عن جملة مقدرة يقتضيها ربط المعنى ، أي فلم يأكلوا فأوجس منهم خيفة ، كقوله : { أن اضرب بعصاك البحر فانفلق } [ الشعراء : 63 ] ، وقد صرح بذلك في سورة هود { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ( أي إلى العجل ) نِكرهم وأوجس منهم خيفة } [ هود : 70 ] .

و { أوجس } أحس في نفسه ولم يُظهر ، وتقدم نظيره في سورة هود . وقولهم له { لا تخف } لأنهم علموا ما في نفسه مما ظهر على ملامحه من الخوف ، وتقدم نظيره في سورة هود .

والغلام الذي بَشروه به هو إسحاق لأنه هو ابن سارة ، وهو الذي وقعت البشارة به في هذه القصة في التوراة ، ووصف هنا ب { عليم } ، وأما الذي ذُكرت البشارة به في سورة الصافات ( 101 ) فهو إسماعيل ووُصف ب { حليم } ولذلك فامرأة إبراهيم الحادث عنها هنا هي سارة ، وهي التي ولدت بعد أن أيست ، أما هاجر فقد كانت فتاةً ولَدت في مقتبل عمرها . وأقبلت امرأته حين سمعت البشارة لها بغلام ، أي أقبلت على مجلس إبراهيم مع ضيفه ، قال تعالى في سورة هود ( 71 ) { وامرأتُه قائمة }

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ} (28)

قوله تعالى : " فأوجس منهم خيفة " أي أحس منهم في نفسه خوفا . وقيل : أضمر لما لم يَتَحَرَّمُوا بطعامه . ومن أخلاق الناس : أن من تَحَرَّم بطعام إنسان أمنه . وقال عمرو بن دينار : قالت الملائكة لا نأكل إلا بالثمن . قال : كلوا وأدوا ثمنه . قالوا : وما ثمنه ؟ قال : تسمون الله إذا أكلتم وتحمدونه إذا فرغتم . فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا : لهذا اتخذك الله خليلا . وقد تقدم هذا في " هود " ولما رأوا ما بإبراهيم من الخوف " قالوا لا تخف " وأعلموه أنهم ملائكة الله ورسله . " وبشروه بغلام عليم " أي بولد يولد له من سارة زوجته . وقيل : لما أخبروه أنهم ملائكة لم يصدقهم ، فدعوا الله فأحيا العجل الذي قربه إليهم . وروى عون بن أبي شداد : أن جبريل مسح العجل بجناحه ، فقام يدرج حتى لحق بأمه وأم العجل في الدار . ومعنى " عليم " أي يكون بعد بلوغه من أولي العلم بالله وبدينه . والجمهور على أن المبشر به هو إسحاق . وقال مجاهد وحده : هو إسماعيل وليس بشيء فإن الله تعالى يقول : " وبشرناه بإسحاق{[14234]} " [ الصافات : 112 ] . وهذا نص .


[14234]:راجع جـ 15 ص 99.