جُعل رجوع موسى إلى قومه غضبان كالأمر الذي وقع الإخبار عنه من قبلُ على الأسلوب المبين في قوله : { ولما جاء موسى لميقاتنا } [ الأعراف : 143 ] وقوله : { ولما سُقط في أيديهم } [ الأعراف : 149 ] . فرجوع موسى معلوم من تَحقق انقضاء المدة الموعود بها ، وكونُه رجع في حالة غضب مشعر بأن الله أوحى إليه فأعلمه بما صنع قومُه في مغيبه ، وقد صرح بذلك في سورة طه ( 85 ) { قال فإنّا قد فتنّا قومك من بَعدِك وأضلهم السامري } ف { غضبان أسِفاً } حَالان من موسى ، فهما قيدانِ ل{ رجع } فعلم أن الغضب والأسف مقارنان للرجوع .
والغْضب تقدم في قوله : { قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب } في هذه السورة ( 71 ) .
والأَسِف بدون مد ، صيغة مبالغة للآسف بالمد الذي هو اسم فاعل للذي حل به الأسف وهو الحزن الشديد ، أي رجع غضْبان من عصْيان قومه حزيناً على فساد أحوالهم ، وبئسما ضد نِعمّا ، وقد مضى القول عليه في قوله تعالى : { قل بئسما يأمركم به إيمانكم } في سورة البقرة ( 93 ) ، والمعنى بئست خلافة خلفتمونيها خِلاَفتُكم .
وتقدم الكلام على فعل خَلف في قوله : { اخلُفْني في قومي } [ الأعراف : 142 ] قريباً .
وهذا خطاب لهارون ووجوه القوم ، لأنهم خلفاء موسى في قومهم فيكون { خلفتموني } مستعملاً في حقيقته ، ويجوز أن يكون الخطاب لجميع القوم ، فأما هارون فلأنه لم يُحسن الخلافة بسياسة الأمة كما كان يسوسها موسى ، وأما القوم فلأنهم عبدوا العجل بعد غيبة موسى ، ومن لوازم الخلافة فعل ما كان يفعله المخلُوف عنه ، فهم لما تركوا ما كان يفعله موسى من عبادة الله وصاروا إلى عبادة العجل فقد انحرفوا عن سيرته فلم يخلفوه في سيرته ، وإطلاق الخلافة على هذا المعنى مجاز فيكون فعل { خلفتموني } مستعملاً في حقيقته ومجازه .
وزيادة { مِن بعدي } عقب { خلفتموني } للتذكير بالبَون الشاسع بين حال الخلف وحال المخلوفَ عنه تصوير لفظاعة ما خلفوه به أي بعدما سمعتم مني التحذير من الإشراك وزجركم عن تقليد المشركين حين قلتم : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ، فيكون قيد { من بعدي } للكشف وتصوير الحالة كقوله تعالى : { فخَر عليهم السقْف من فوقِهم } [ النحل : 26 ] ، ومعلوم أن السقف لا يكون إلاّ من فوق ، ولكنه ذكر لتصوير حالة الخرور وتهويلها ، ونظيره قوله تعالى ، بعد ذكر نفر من الأنبياء وصفاتهم ، { فخلف من بعدهم خَلْف } [ الأعراف : 169 ] أي من بعد أولئك الموصوفين بتلك الصفات .
و« عَجلَ » أكثرَ ما يستعمل قاصراً ، بمعنى فعل العجلة أي السرعة ، وقد يتعدى إلى المعمول « بعن » فيقال : عجلَ عن كذا بمعنى لم يتمّه بعد أن شَرع فيه ، وضده تَم على الأمر إذا شرع فيه فأتمّه ، ويستعمل عَجِل مضمناً معنى سَبَق فعّدَيَ بنفسه على اعتبار هذا المعنى ، وهو استعمال كثير .
ومعنى « عَجِل » هنا يَجوز أن يكون بمعنى لم يُتّمَ ، وتكون تعديته إلى المفعول على نزع الخافض .
والأمرُ يكون بمعنى التكليف وهو ما أمرهم الله به : من المحافظة على الشريعة ، وانتظار رجوعه ، فلم يتموا ذلك واستعجلوا فبدلوا وغيروا ، ويجوز أن يكون بمعنى سَبق أي بادرتم فيكون الأمر بمعنى الشأن أي الغضب والسخط كقوله : { أتى أمر الله فلا تستعجلوه } [ النحل : 1 ] وقوله : { حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور } [ هود : 40 ] فالأمر هو الوعيد ، فإن الله حذرهم من عبادة الأصنام وتوعدهم ، فكان الظن بهم إن وقع منهم ذلك إن يقع بعد طول المدة ، فلما فعلوا ما نُهوا عنه بحدثان عهد النهي ، جُعلوا سابقين له على طريقة الاستعارة : شبهوا في مبادرتهم إلى أسباب الغضب والسخط بسبق السابق المسبوقَ ، وهذا هو المعنى الأوضح ، ويوضحه قوله ، في نظير هذه القصة في سورة طه ( 86 ) ، حكاية عن موسى : { قال يا قوم ألم يَعدْكم ربكم وعداً حسناً أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي } وقد تعرضت التوراة إلى شيء من هذا المعنى في الإصحاح الثاني والثلاثين من سفر الخروج « وقال الله لموسى رأيتُ هذا الشّعْب فإذا هو شعب صلْب الرقبة فالآن اتركني ليحميَ غَضبي عليهم فأفنيهم » .
وإلقاء الألواح رَميُها من يده إلى الأرض ، وقد تقدم بيان الإلقاء آنفاً . وذلك يؤذن بأنه لما نزل من المناجاة كانت الألواح في يده كما صرح به في التوراة .
ثم إن إلقاءه إياها إنما كان إظهاراً للغضب ، أو أثراً من آثار فوران الغضب لما شاهدهم على تلك الحالة ، وما ذكر القرآن ذلك الإلقاءَ إلاّ للدلالة على هذا المعنى إذ ليس فيه من فوائد العبرة في القصة إلاّ ذلك ، فلا يستقيم قول من فسرها بأن الإلقاء لأجل إشغال يده بجرّ رأس أخيه ، لأن ذكر ذلك لا جرور فيه ، ولأنه لو كان كذلك لعطف ، وأخذ برأس أخيه بالفاء .
وروي أن موسى عليه السلام كان في خلقه ضيق ، وكان شديداً عند الغضب ، ولذلك وكزَ القبطي فقضى عليه ، ولذلك أخذ برأس أخيه يجره إليه ، فهو دليل على فظاعة الفعل الذي شاهده من قومه ، وذلك علامة على الفظاعة ، وتشنيع عليهم ، وليس تأديباً لهم ، لأنه لا يكون تأديبهم بإلقاء ألواح كُتب فيها ما يصلحهم ، لأن ذلك لا يناسب تصرف النبوءة ( ولذلك جزمنا بأن إعراض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كتابة الكتاب الذي هَمَّ بكتابته قبيل وفاته لم يكن تأديباً للقوم على اختلافهم عنده ، كما هو ظاهر قول ابن عباس ، بل إنما كان ذلك لِما رأى من اختلافهم في ذلك ، فرأى أن الأوْلى ترك كتابته ، إذ لم يكن الدين محتاجاً إليه ) ووقع في التوراة أن الألواح تكسرت حين ألقاها ، وليس في القرآن ما يدل على ذلك سوى أن التعبير بالإلقاء الذي هو الرمي ، ومَا روي من أن الألواح كانت من حجر ، يقتضي أنها اعتراها انكسار ، ولكن ذلك الانكسار لا يُذهب ما احتوت عليه من الكتابة ، وأما ما روي أنها لما تكسرت ذهب ستة أسباعها ، أو ذهب تفصيلها وبقيت موعظتها ، فهو من وضع القصّاصين والله تعالى يقول : { ولما سكت عن موسى الغضبُ أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون } [ الأعراف : 154 ] .
وأما أخذه برأس أخيه هارون يجره إليه ، أي إمساكه بشعر رأسه ، وذلك يولمه ، فذلك تأنيب لهارون على عدم أخذه بالشدة على عَبدَة العجل ، واقتصاره على تغيير ذلك عليهم بالقول ، وذلك دليل على أنه غير معذور في اجتهاده الذي أفصح عنه بقوله : { إني خشيت أن تقول فرقْت بين بني إسرائيل ولم تَرْقُب قولي } [ طه : 94 ] لأن ضعف مستنده جعله بحيث يستحق التأديب ، ولم يكن له عذراً ، وكان موسى هو الرسول لبني إسرائيل ، وما هارون إلاّ من جملة قومه بهذا الاعتبار ، وإنما كان هارون رسولاً مع موسى لفرعون خاصة ، ولذلك لم يسَعْ هارونَ إلاّ الاعتذارُ والاستصفاح منه .
وفي هذا دليل على أن الخطأ في الاجتهاد مع وضوح الأدلة غير معذور فيه صاحبه في إجراء الأحكام عليه ، وهو ما يسميه الفقهاء بالتأويل البَعيد ولا يظن بأن موسى عاقب هارون قبل تحقق التقصير .
وفصلت جملةٌ : { قال ابن أم } لوقوعها جوابها لحوار مقدر دل عليه قوله { وأخذ برأس أخيه يجره إليه } لأن الشأن أن ذلك لا يقع إلاّ مع كلام توبيخ ، وهو ما حكي في سورة طه ( 92 ، 93 ) بقوله : { قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضَلوا ألاَّ تتبعنِي أفعصيت أمري } على عادة القرآن في توزيع القصة ، واقتصاراً على موقع العبرة ؛ ليخالف أسلوبُ قصَصه الذي قصد منه الموعظة أساليبَ القصّاصين الذين يقصدون الخبر بكل ما حدث .
و { ابنَ أم } منادى بحذف حرف النداء ، والنداء بهذا الوصف للترقيق والاستشفاع ، وحذف حرف النداء لإظهار ما صاحب هارون من الرعب والاضطراب ، أو لأن كلامه هذا وقع بعد كلام سبقه فيه حرف النداء وهو المحكي في سورة طه ( 94 ) { قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي } ثم قال ، بعد ذلك { ابنَ أم إن القوم استضعفوني } فهما كلامان متعاقبان ، ويظهر أن المحكي هنا هو القول الثاني ، وأن ما في سورة طه هو الذي ابتدأ به هارون ، لأنه كان جواباً عن قول موسى : { ما منعك إذ رأيتهم ضَلوا أن لا تتبعني } [ طه : 92 ، 93 ] .
واختيار التعريف بالإضافة ؛ لتضمن المضاف إليه معنى التذكير بصلة الرحم ، لأن إخوة الأم أشد أواصر القرابة ؛ لاشتراك الأخوين في الألف من وقت الصبا والرضاع .
وفتح الميم في { ابن أم } قراءة نافع ، وابن كثير ، وأبي عَمرو ، وحفص عن عاصم ، وهي لغة مشهورة في المنادى المضاف إلى أم أو عَم ، وذلك بحذف ياء المتكلم وتعويض ألف عنها في آخر المنادى ، ثم يحذف ذلك الألف تخفيفاً ، ويجوز بقاء كسرة الميم على الأصل ، وهي لغة مشهورة أيضاً ، وبها قرأ ابن عامر ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم ، وخلفٌ .
وتقدم الكلام على الأم عند قوله تعالى : { حرمت عليكم أمهاتكم } في سورة النساء ( 23 ) .
وتأكيد الخبر ب { إن } لتحقيقه لدى موسى ، لأنه بحيث يتردد فيه قبل إخبار المخبر به ، والتأكيدُ يستدعيه قبولُ الخبر للتردد من قِبَل إخبار المخبر به ، وإن كان المخبر لا يُظن به الكذب ، أو لئلا يظن به أنه تَوهم ذلك من حال قومه ، وكانت حالهم دون ذلك .
والسين والتاء في { استضعفوني } للحسبان أي حسبوني ضعيفاً لا ناصر لي ، لأنهم تمالؤوا على عبادة العجل ولم يخالفهم إلا هارون في شرذمة قليلة .
وقوله : { وكادوا يقتلونني } يدل على أنه عارضهم معارضة شديدة ثم سلّم خشيةَ القتل .
والتفريع في قوله : { فَلا تُشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين } تفريع على تبين عذره في إقرارهم على ذلك ، فطلب من أخيه الكف عن عقابه الذي يَشْمت به الأعداء لأجله ، ويجعله مع عداد الظالمين فطلبُ ذلك كنايةٌ عن طلب الإعراض عن العقاب .
والشماتة : سُرور النفس بما يصيب غيرها من الإضرار ، وإنما تحصل من العداوة والحسد . وفعلَها قاصر كفرح ، ومصدرها مخالف للقياس ، ويتعدى الفعل إلى المفعول بالباء يقال : شَمتَ به : أي : كان شامتاً بسببه ، وأشمته به جعله شامتاً به ، وأراد بالأعداء الذين دعوا إلى عبادة العجل ، لأن هارون أنكره عليهم فكرهوه لذلك ، ويجوز أن تكون شماتةُ الأعداء كلمة جرت مجرى المثل في الشيء الذي يُلحق بالمرءِ سوءاً شديداً ، سواء كان للمرء أعداء أو لم يكونوا ، جرياً على غالب العرْف .
ومعنى { ولا تجعلْني مع القوم الظالمين } لا تحسبني واحداً منهم ، ف ( جعل ) بمعنى ظن كقوله تعالى : { وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمان إناثاً } [ الزخرف : 19 ] . والقوم الظالمون هم الذين أشركوا بالله عبادة العجل ، ويجوز أن يكون المعنى : ولا تجعلني في العقوبة معهم ، لأن مُوسى قد أمر بقتل الذين عَبدوا العجل ، ف ( جعل ) على أصلها .
قوله تعالى : " ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا " لم ينصرف " غضبان " لأن مؤنثه غضبى ، ولأن الألف والنون فيه بمنزلة ألفي التأنيث في قولك حمراء . وهو نصب على الحال . و " أسفا " شديد الغضب . قال أبو الدرداء : الأسف منزلة وراء الغضب أشد من ذلك . وهو أسف وأسف وأسفان وأسوف . والأسيف أيضا الحزين . ابن عباس والسدي : رجع حزينا من صنيع قومه . وقال الطبري : أخبره الله عز وجل قبل رجوعه أنهم قد فتنوا بالعجل ؛ فلذلك رجع وهو غضبان . ابن العربي : وكان موسى عليه السلام من أعظم الناس غضبا ، لكنه كان سريع الفيئة{[7375]} ، فتلك بتلك . قال ابن القاسم : سمعت مالكا يقول : كان موسى عليه السلام إذا غضب طلع الدخان من قلنسوته ، ورفع شعر بدنه جبته . وذلك أن الغضب جمرة تتوقد في القلب . ولأجله أمر النبي صلى الله عليه وسلم من غضب أن يضطجع . فإن لم يذهب غضبه اغتسل ، فيخمدها اضطجاعه ويطفئها اغتساله . وسرعة غضبه كان سببا لصكه ملك الموت ففقأ عينه . وقد تقدم في المائدة{[7376]} وقال الترمذي الحكيم : وإنما استجاز موسى عليه السلام ذلك لأنه كليم الله ، كأنه رأى أن من اجترأ عليه أو مد إليه يدا بأذى فقد عظم الخطب فيه . ألا ترى أنه احتج عليه فقال : من أين تنزع روحي ؟ أمن فمي وقد ناجيت به ربي ! أم من سمعي وقد سمعت به كلام ربي ! أم من يدي وقد قبضت منه{[7377]} الألواح ! أم من قدمي وقد قمت بين يديه أكلمه بالطور ! أم من عيني وقد أشرق وجهي لنوره . فرجع إلى ربه مفحما . وفي مصنف أبي داود عن أبي ذر قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا : ( إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع ) . وروي أيضا عن أبي وائل القاص قال : دخلنا على عروة بن محمد السعدي فكلمه رجل فأغضبه ، فقام ثم رجع وقد توضأ ، فقال : حدثني أبي عن جدي عطية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ ) .
قوله تعالى : " قال بئسما خلفتموني من بعدي " ذم منه لهم ، أي بئس العمل عملتم{[7378]} بعدي . يقال : خلفه بما يكره . ويقال في الخير أيضا . يقال منه : خلفه بخير أو بشر في أهله وقومه بعد شخوصه . " أعجلتم أمر ربكم " أي سبقتموه . والعجلة : التقدم بالشيء قبل وقته ، وهي مذمومة . والسرعة : عمل الشيء في أول أوقاته ، وهي محمودة . قال يعقوب : يقال عجلت الشيء سبقته . وأعجلت الرجل استعجلته ، أي حملته على العجلة . ومعنى " أمر ربكم " أي ميعاد ربكم ، أي وعد أربعين ليلة . وقيل : أي تعجلتم سخط ربكم . وقيل : أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر من ربكم .
قوله تعالى : { وألقى الألواح } فيه مسألتان :
الأولى - قوله تعالى : " وألقى الألواح " أي مما اعتراه من الغضب والأسف حين أشرف على قومه وهم عاكفون على عبادة العجل ، وعلى أخيه في إهمال أمرهم ، قاله سعيد بن جبير . ولهذا قيل : ليس الخبر كالمعاينة . ولا التفات لما روي عن قتادة إن صح عنه ، ولا يصح أن إلقاءه الألواح إنما كان لما رأى فيها من فضيلة أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يكن ذلك لأمته . وهذا قول رديء لا ينبغي أن يضاف إلى موسى صلى الله عليه وسلم . وقد تقدم عن ابن عباس رضي الله عنه أن الألواح تكسرت ، وأنه رفع منها التفصيل وبقي فيها{[7379]} الهدى والرحمة .
الثانية - وقد استدل بعض جهال المتصوفة بهذا على جواز رمي الثياب إذا اشتد طربهم على المغنَى . ثم منهم من يرمي بها صحاحا ، ومنهم من يخرقها ثم يرمي بها . قال : هؤلاء في غيبة فلا يلامون ، فإن موسى عليه السلام لما غلب عليه الغم بعبادة قومه العجل ، رمى الألواح فكسرها ، ولم يدر ما صنع . قال أبو الفرج الجوزي : من يصحح عن موسى عليه السلام أنه رماها رمي كاسر ؟ والذي ذكر في القرآن ألقاها ، فمن أين لنا أنها تكسرت ؟ ثم لو قيل : تكسرت فمن أين لنا أنه قصد كسرها ؟ ثم لو صححنا ذلك عنه قلنا كان في غيبة ، حتى لو كان بين يديه بحر من نار لخاضه . ومن يصحح لهؤلاء غيبتهم وهم يعرفون المغنى من غيره ، ويحذرون من بئر لو كانت عندهم . ثم كيف تقاس أحوال الأنبياء على أحوال هؤلاء السفهاء . وقد سئل ابن عقيل عن تواجدهم وتخريق ثيابهم فقال : خطأ وحرام ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال . فقال له قائل : فإنهم لا يعقلون ما يفعلون . فقال : إن حضروا هذه الأمكنة مع علمهم أن الطرب يغلب عليهم فيزيل عقولهم أثموا بما أدخلوه على أنفسهم من التخريق وغيره مما أفسدوا ، ولا يسقط عنهم خطاب الشرع ؛ لأنهم مخاطبون قبل الحضور بتجنب هذا الموضع الذي يفضي إلى ذلك . كما هم منهيون عن شرب المسكر ، كذلك هذا الطرب الذي يسميه أهل التصوف وجدا إن صدقوا أن فيه سكر طبع ، وإن كذبوا أفسدوا مع الصحو ، فلا سلامة فيه مع الحالين ، وتجنب مواضع الريب واجب .
قوله تعالى : " وأخذ برأس أخيه يجره إليه " أي بلحيته وذؤابته . وكان هارون أكبر من موسى - صلوات الله وسلامه عليهما - بثلاث سنين ، وأحب إلى بني إسرائيل من موسى ؛ لأنه كان لين الغضب . وللعلماء في أخذ موسى برأس أخيه أربع تأويلات : الأول : أن ذلك كان متعارفا عندهم ، كما كانت العرب تفعله من قبض الرجل على لحية أخيه وصاحبه إكراما وتعظيما ، فلم يكن ذلك على طريق الإذلال . الثاني : أن ذلك إنما كان ليسر إليه نزول الألواح عليه ؛ لأنها نزلت عليه في هذه المناجاة وأراد أن يخفيها عن بني إسرائيل قبل التوراة . فقال له هارون : لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ؛ لئلا يشتبه سراره على بني إسرائيل بإذلاله . الثالث : إنما فعل ذلك به لأنه وقع في نفسه أن هارون مائل مع بني إسرائيل فيما فعلوه من أمر العجل . ومثل هذا لا يجوز على الأنبياء . الرابع : ضم إليه أخاه ليعلم ما لديه ، فكره ذلك هارون لئلا يظن بنو إسرائيل أنه أهانه ، فبين له أخوه أنهم استضعفوه ، يعني عبدة العجل ، وكادوا يقتلونه أي قاربوا .
فلما سمع عذره قال : رب اغفر لي ولأخي ، أي اغفر لي ما كان من الغضب الذي ألقيت من أجله الألواح ، ولأخي لأنه ظنه مقصرا في الإنكار عليهم وإن لم يقع منه تقصير ، أي اغفر لأخي إن قصر . قال الحسن : عبد كلهم العجل غير هارون ، إذ لو كان ثم مؤمن غير موسى وهارون لما اقتصر على قوله : رب اغفر لي ولأخي ، ولدعا لذلك المؤمن أيضا . وقيل : استغفر لنفسه من فعله بأخيه ، فعل ذلك لموجدته عليه ؛ إذ لم يلحق به فيعرفه ما جرى ليرجع فيتلافاهم ؛ ولهذا قال : " يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن{[7380]} أفعصيت أمري " [ طه : 92 - 93 ] الآية . فبين هارون أنه إنما أقام خوفا على نفسه من القتل . فدلت الآية على أن لمن خشي القتل على نفسه عند تغيير المنكر أن يسكت . وقد تقدم في بيان هذا في " آل عمران{[7381]} " ابن العربي : وفيها دليل على أن الغضب لا يغير الأحكام كما زعم بعض الناس ، فإن موسى عليه السلام لم يغير غضبه شيئا من أفعاله ، بل اطردت على مجراها من إلقاء لوح وعتاب أخ وصك ملك . المهدوي : لأن غضبه كان لله عز وجل ، وسكوته عن بني إسرائيل خوفا أن يتحاربوا أو يتفرقوا .
قوله تعالى : " قال ابن أم " وكان ابن أمه وأبيه . ولكنها كلمة لين وعطف . قال الزجاج : قيل كان هارون أخا موسى لأمه لا لأبيه . وقرئ بفتح الميم وكسرها ، فمن فتح جعل " ابن أم " اسما واحدا كخمسة عشر ، فصار كقولك : يا خمسة عشر أقبلوا . ومن كسر الميم جعله مضافا إلى ضمير المتكلم ثم حذف ياء الإضافة ؛ لأن مبنى النداء على الحذف ، وأبقى الكسرة في الميم لتدل على الإضافة ، كقوله : " يا عباد{[7382]} " [ الزمر : 10 ] . يدل عليه قراءة ابن السميقع " يا ابن أمي " بإثبات الياء على الأصل . وقال الكسائي والفراء وأبو عبيد : " يا ابن أم " بالفتح ، تقديره يا ابن أماه . وقال البصريون : هذا القول خطأ ؛ لأن الألف خفيفة لا تحذف ، ولكن جعل الاسمين اسما واحدا . وقال الأخفش وأبو حاتم : " يا ابن أم " بالكسر كما تقول : يا غلام غلام أقبل ، وهي لغة شاذة والقراءة بها بعيدة . وإنما هذا فيما يكون مضافا إليك ، فأما المضاف إلى مضاف إليك فالوجه أن تقول : يا غلام غلامي ، ويا ابن أخي . وجوزوا يا ابن أم ، يا ابن عم ، لكثرتها في الكلام . قال الزجاج والنحاس : ولكن لها وجه حسن جيد ، يجعل الابن مع الأم ومع العم اسما واحدا ، بمنزلة قولك : يا خمسة عشر أقبلوا ، فحذفت الياء كما حذفت من يا غلام " إن القوم استضعفوني " استذلوني وعدوني ضعيفا . " وكادوا " أي قاربوا . " يقتلونني " بنونين ؛ لأنه فعل مستقبل . ويجوز الإدغام في غير القرآن{[7383]} . " فلا تشمت بي الأعداء " أي لا تسرهم . والشماتة : السرور بما يصيب أخاك من المصائب في الدين والدنيا . وهي محرمة منهي عنها . وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك ) . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ منها ويقول : ( اللهم إني أعوذ بك من سوء القضاء ودرك الشقاء وشماتة الأعداء ) . أخرجه البخاري وغيره . وقال الشاعر :
إذا ما الدهرُ جَرَّ على أُنَاسٍ *** كَلاَكِلَهُ أناخَ بآخرينَا
فقل للشَّامتِينَ بنا أفيقُوا *** سَيَلْقَى الشَّامِتُونَ كما لَقِينَا
وقرأ مجاهد ومالك بن دينار " تشمت " بالنصب في التاء وفتح الميم ، " الأعداء " بالرفع . والمعنى : لا تفعل بي ما تشمت من أجله الأعداء ، أي لا يكون ذلك منهم لفعل تفعله أنت بي . وعن مجاهد أيضا " تشمت " بالفتح فيهما " الأعداء " بالنصب . قال ابن جني : المعنى فلا تشمت بي أنت يا رب . وجاز هذا كما قال : " الله يستهزئ بهم{[7384]} " [ البقرة : 15 ] ونحوه . ثم عاد إلى المراد فأضمر فعلا نصب به الأعداء ، كأنه قال : ولا تشمت بي ، الأعداء . قال أبو عبيد : وحكيت عن حميد : " فلا تشمت " بكسر الميم . قال النحاس : ولا وجه لهذه القراءة ؛ لأنه إن كان من شمت وجب أن يقول تشمت . وإن كان من أشمت وجب أن يقول تشمت . وقوله : " ولا تجعلني مع القوم الظالمين " قال مجاهد : يعني الذين عبدوا العجل .