اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗا قَالَ بِئۡسَمَا خَلَفۡتُمُونِي مِنۢ بَعۡدِيٓۖ أَعَجِلۡتُمۡ أَمۡرَ رَبِّكُمۡۖ وَأَلۡقَى ٱلۡأَلۡوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأۡسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيۡهِۚ قَالَ ٱبۡنَ أُمَّ إِنَّ ٱلۡقَوۡمَ ٱسۡتَضۡعَفُونِي وَكَادُواْ يَقۡتُلُونَنِي فَلَا تُشۡمِتۡ بِيَ ٱلۡأَعۡدَآءَ وَلَا تَجۡعَلۡنِي مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (150)

قوله تعالى : { وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً } : هذان حالان من " مُوسَى " عند من يُجيزُ تعدُّد الحال ، وعند من لا يُجيزه يجعل " أسِفاً " حالاً من الضَّميرِ المُسْتَتر في " غَضْبانَ " ، فتكون حالاً مُتداخِلةً ، أو يجعلُها بدلاً من الأولى ، وفيه نظرٌ لِعُسْر إدخالِهِ في أقْسَام البدلِ .

وأقربُ ما يقال : إنَّه بدلُ بَعْضٍ من كُل إن فسَّرنا الأسفَ بالشَّديدِ الغضبِ ، وهو قولُ أبِي الدَّرْدَاء{[16833]} وعطاء عن ابنِ عبَّاس{[16834]} ، واختيار الزَّجَّاجِ ، واحْتَجُّوا بقوله : { فَلَمَّا آسَفُونَا انتقمنا مِنْهُمْ } [ الزخرف : 55 ] أي : أغْضَبُونَا ، أو بدل اشتمال إن فسَّرناهُ بالحزِينِ .

وهو قول ابن عباس والحسن ، والسُّدِّي ، ومنه قوله : [ المديد ]

غَيْرُ مأسُوفٍ على زَمَنٍ *** يَنْقَضِي بالهَمِّ والحَزَنِ{[16835]}

وقالت عائشةُ - رضي الله عنها - : إنَّ أبا بكر رَجُلٌّ أسِيفٌ أي : حَزِينٌ{[16836]} .

قال الواحديُّ : " والقولان مُتقاربانِ ؛ لأنَّ الغضبَ من الحُزْنِ ، والحُزْن من الغَضَبِ " ؛ قال : [ البسيط ]

. . . *** فَحُزنُ كُلِّ أِي حُزْنٍ أخُو الغَضَبِ{[16837]}

وقال الأعشى : [ الطويل ]

أرَى رَجْلاً مِنْهُمْ أسِيفاً كأنَّمَا *** يَضُمُّ إلى كَشْحَيْهِ كَفّاً مُخَضَّبَا{[16838]}

فهذا بمعنى : غَضْبَان ، وحديث عائشة يدلُّ على أنَّهُ : الحزين ، فلمَّا كانا مُتقاربَيْنِ في المعنى صَحَّت البدليَّةُ .

ويقال : رَجُلٌ أسِفٌ : إذا قُصِد ثُبُوتُ الوَصْفِ واستقراره ، فإن قُصِد بِهِ الزَّمان جَاءَ على فاعل .

فصل

اختلفُوا في هذه الحال .

فقيل : إنَّهُ عند هجومه عليهم ، عرف ذلك .

وقال أبُو مسلم : بل كان عارفاً بذلك من قبل ؛ لقوله تعالى : { وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفا } وإنَّما كان راجعا قبل وصوله إليهم .

وقال تعالى - لموسى عليه الصَّلاة والسَّلام - في حال المكالمة

{ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ } [ طه : 58 ] .

قوله : قال بِئْسَمَا هذا جوابُ " لَمَّا " وتقدَّم الكلامُ على " بِئْسَمَا " ، ولكنَّ المَخْصُوصَ بالذَّم محذوفٌ ، والفاعلُ مستتر يُفَسِّرُهُ " ما خَلَفْتُمُونِي " والتقديرُ : بِئْسَ خلافة خَلَفتُمُونيهَا خلافَتُكُمْ .

فصل

فإن قيل : ما معنى قوله : " من بعدي " بعد قوله " خلفتموني " ؟

فالجواب : معناه : من بعد ما رأيتم مني من تَوْحيد اللَّهِ ، ونفي الشُّركاءِ ، وإخلاص العبادةِ له ، أو من بعد ما كتب : احمل بني إسرائيل على التَّوحيد ، وامنعهم من عبادة البقرِ حين قالوا : { اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } [ الأعراف : 138 ] ، ومن حقِّ الخفاء أن يسيرُوا سيرة المُستخلفين .

قوله : { أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ } : في " أمْرَ " وجهان ، أحدهما : أنَّهُ منصوبٌ على المفعول بعد إسْقاط الخافض ، وتضمينُ الفعل مَعْنَى ما يتعدَّى بنفسه ، والأصلُ : أعجلْتُمْ عن أمْرِ ربِّكم .

قال الزمخشريُّ{[16839]} : يُقال : عَجِل عن الأمرِ : ذا تركه غير تَامٍّ ، ونقيضه تَمَّ عليه ، وأعجله عنه غيره ، ويُضَمَّن معنى " سَبَقَ " فيتعدَّى تَعْديته .

فيقالُ : عَجِلْتُ الأمْرَ ، والمعنى : " أعجلتم عَنْ أمر ربكم " .

والثاني : أنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ غَيْرَ مضمنٍ معنى آخر ، حكى يَعْقُوب عجلتُ الشَّيء سَبَقْتُهُ ، وأعْجلْتُ الرَّجُلَ : اسْتَعْجَلْتُهُ ، أي : حَمَلْتُهُ على العَجَلَةِ .

فصل

قال الواحدي : " معنى العَجَلَة : التقدم بالشَّيءِ قبل وقْتِهِ ، ولذلك صارت مَذْمُومَةً والسُّرعة غير مذمومة ، لأنَّ معناها : عمل الشَّيء في أول أوقاتِهِ " .

ولقائلِ أن يقُولَ : لو كانت العجلةُ مَذْمُومَةٌ فلم قال موسى : { وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لترضى } [ طه : 84 ] .

قال ابْنُ عبَّاسٍ : معنى { أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ } يعني : ميعاد ربكم فلمْ تَصْبِرُوا لهُ{[16840]} وقال الحسنُ : وعْدُ رَبكم الذي وَعَدكُم من الأربعين{[16841]} ، وذلك أنَّهُمْ قَدروا أنَّه إن لم يأت على رأس الثَّلاثين ، فقد مات .

وقال عطاءٌ : يريدُ أعَجِلْتُم سَخَطَ رَبّكُم{[16842]} .

وقال الكلبي : أعَجِلْتُم بعبادة العِجْلِ قبل أنْ يأتيكم أمْر ربكُم{[16843]} .

قوله : " وألْقَى الألوَاح " أي الَّتِي فيها التَّوْراةُ على الأرض من شدَّةِ الغضب .

قالت الرُّواةُ : كانتِ التَّوراةُ سبعة أٍباعٍ ، فلمَّا ألْقَاهَا انكسرت ، فرفع منها سِتَّةُ أسباعٍ ، وبقي سبع واحد فرفع ما كان من أخبار الغيب وبقي ما فيه الموعظة والأحكام من الحلال والحرام .

ولقائل أن يقول : ليس في القرآن إلاَّ أنَّه ألقى الألْوَاحَ فأما أنه ألقاها بحيث تكسّرت ، فليس في القُرآنِ وإنَّهُ جُرأة عَظِيمةٌ على كتاب الله تعالى ، ومثله لا يليقُ بالأنبياء ، ويرد هذا قوله تعالى بعد ذلك : { وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب أَخَذَ الألواح } [ الأعراف : 154 ] فدلَّ ذلك على أنَّها لم تنكسر ، ولا شيء منها ، وأنَّ القائلينَ بأنَّ ستة أسباعها رفعت إلى السَّماءِ ، ليس الأمر كذلك ، وأنَّهُ أخذها بأعينها .

قوله : { وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ } بذُؤابته ولحيتِهِ ، لقوله : { لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي } [ طه : 94 ] .

قوله : " يَجُرُّهُ إلَيْهِ " فيه ثلاثةُ أوجْهٍ : أحدها : أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ من ضمير مُوسَى المستتر في أخَذَ ، أي : أخَذَهُ جَارّاً إليه .

الثاني : أنَّها حَالٌ من رَأس قاله أبُو البقاءِ ، وفيه نظرٌ لعدم الرَّابط .

والثالث : أنَّها حالٌ من أخِيهِ .

قال أبُو البقاءِ : " وهو ضعيفٌ " يعني من حيث إنَّ الحَالَ من المُضافِ إليه يَقِلُّ مجيئُهَا ، أو يمتنعُ عند بعضهم وقد تقدَّم أن بعضهم يُجَوّزهُ في صور ، هذه منها وهو كونُ المضافِ جزءاً من المضافِ إليه .

فصل

الطَّاعنون في عصْمة الأنبياء يقولون : إنه أخذ برأسِ أخيه يجرُّه على سبيل الإهانةِ ، والمُثْبِتُون لعصمة الأنبياء - عليهم الصَّلاة والسَّلام - قالوا : إنَّهُ جَرَّ أخَاهُ لِيَسْألَهُ ويستكشف مِنْهُ كيفية تلك الواقعة .

فإن قيل : فَلِمَ قَالَ : { ابن أُمَّ إِنَّ القوم استضعفوني وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي } ؟

فالجوابُ : أنَّ هارون - عليه السَّلامُ - خاف أن يتوَهّمَ جُهَّالُ بني إسرائيل أنَّ موسى غضبان عليه كما غضب على عبدة العِجل .

فقالك قد نهيتهم ، ولم يكن معي من الجمع ما أمنعهم به عن هذا العمل ؛ فلا تفعل ما تُشْمِت أعدائي ، فهم أعداؤُك فإنَّ القومَ يحملون هذا الفعل الذي تفعله على الإهانة لا على الإكرام .

قوله : ابْنَ أمَّ قرأ الأخوان ، وأبو بكر{[16844]} ، وابن عامر هُنَا ، وفي طه ، بكسر الميم ، والباقون بفتحها . فأمَّا الفَتْحِ ففيها مذهبان .

مذهبُ البصريين : أنَّهُمَا بُنيا على الفتح ، لتركيبهما تركيب " خَمْسةَ عَشَرَ " ، فعلى هذا ليس " ابْن " مضافاً ل " أمّ " ، بل هو مركَّب معها ، فَحَركتُهَا حركةُ بناء .

والثاني : مذهب الكوفيِّينَ : وهو أنَّ " ابن " مضاف ل " أمّ " و " أمّ " مضافة لياءِ المتكلِّمِ ، وياء المُتكلِّم قد قلبت ألفاً ، كما تُقْلَبُ في المَنَادَى المُضاف إلى ياء المتكلم ، نحو : يَا غلاماً ، ثم حُذفت الألفُ واجتزئ عنها بالفَتْحَةِ ، كما يُجْتَزَأ عن الياءِ بالكَسْرَةِ ، فحينئذ حركة " ابْن " حركةُ إعراب ، وهو مضاف ل " أمَّ " فهي في محلِّ خفض بالإضافة .

وأمَّا قراءة الكسر فعلى رأي البصريين هو كسرُ بناءٍ لأجل ياء المتكلم ، بمعنى : أنَّا أضَفْنَا هذا الاسم المركب كلَّه لياء المتكلم ، فَكُسِرَ آخرُه ، ثم اجتُزئ عن الياء بالكسرةِ ، فهو نظير : يا أحَدَ عشرِ ، ثم : يا أحد عشر بالحذفِ ، ولا جائز أن يكُونَا باقيين على الإضافة إذ لم يَجُزْ حذفُ الياء ؛ لأنَّ الاسمَ ليس منادى ، ولكنه مضاف إليه المُنادَى ، فلم يَجُزْ حَذْفُ الياء منه .

وعلى رأي الكُوفيين يكون الكَسْرُ كسرَ إعراب ، وحُذِفَت الياءُ مُجْتَزَأ عنها بالكسرةِ كما اجتُزئ عن ألفها بالفتحَةِ ، وهذان الوجهان يَجْرِيَان ، في : " ابن أمّ " ، و " ابْنَ عَمّ " ، و " ابْنَة أمّ " ، و " ابنة عمّ " .

فصل

فاعْلَمْ أنَّهُ يجوزُ في هذه الأمثلةِ الأربعةِ خاصةً خَمْسُ لغات :

فُصْحَاهُنَّ : حذفُ الياءِ مجتزأ عنها بالكسرة ، ثم قلبُ الياءِ ألفا ، فيلزم قلب الكسرة فتحة ، ثم حذف الألف مجتزأ عنها الفتحة ، ثم إثبات الياء ساكنة أو مفتوحة ، وأمَّا غيرُ هذه الأمثلةِ الأربعة ممَّا أُضِيفَ إلى مضاف إلى ياء المتكلِّم في النِّداء ، فإنَّهُ لا يجوز فيه إلاَّ ما يجُوزُ في غير بابِ النِّداءِ ، لأنَّه ليس منادى ، نحوُ : يا غلام أبِي ، ويا غلام أمي ، وإنَّما جَرَتْ هذه الأمثلةُ خاصَّةً هذا المَجْرَى ؛ تنزيلاً للكلمتين منزلة كلمةٍ واحدةٍ ، ولكثرة الاستعمالِ .

وقرئ " يا ابْنَ أمِّي " بإثبات الياءِ ساكنةً ؛ ومثله قوله : [ الخفيف ]

ابْنَ أمِّي وَيَا شُقَيِّقَ نَفْسِي *** أنتَ خَلَّيْتَنِي لِدَهْرٍ شَدِيدِ{[16845]}

خر : [ الخفيف ]

يَا ابْنَ أمِّي فَدَتْكَ نَفْسِي ومَالِي *** . . . {[16846]}

وقرئ أيضاً : " يَا ابْنَ إمْ " بكسر الهمزة والميم وهو إتباعٌ . ومِنْ قلبِ الياءِ ألفاً قوله : [ الرجز ]

يَا ابْنَةَ عَمَّا لا تَلُومِيَ واهْجَعِي{[16847]} *** . . .

وقوله : [ الرجز ]

كُنْ لِيَ لا عَلَيَّ يَا ابْنَ عَمَّا *** نَدُمْ عَزيزَيْنِ ونُكْفَ الذَّمَّا{[16848]}

فصل

إنَّما قال : " ابْنَ أمْ " وكان هارون أخاه لأبيه ليرققه ويستعطفه .

وقيل : كان أخاه لأمِّه دون أبيه ، وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين ، وأحبَّ إلى بني إسرائيل من موسى ؛ لأنه كان لين الغضب .

قوله : { إِنَّ القوم استضعفوني } أي لم يلتفتوا إلى كلامي ، يعني : عبدة العجل { وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعداء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ القوم الظالمين } أي : شريكاً لهم في عقوبتك على فعلهم .

قوله : { فَلاَ تُشْمِتْ } العَامَّةُ على ضمِّ التاء ، وسكر الميم ، وهو من " أشْمَتَ " رباعياً ، الأعداء مفعول به{[16849]} .

وقرأ ابْنُ محيصن " فلا تَشْمِتْ " بفتح التَّاءِ وكسر الميم ، ومجاهدٌ : بفتح التَّاءِ أيضاً وفتح الميم ، " الأعْدَاءَ " نصب على المفعول به ، وفي هاتين القراءتين تَخْرِيجَان :

أظهرهما : أن " شَمِتَ ، أو شَمَتَ " بكسر الميم أو فتحها مُتَعَدٍّ بنفسه ك : أشْمَتَ الرباعي .

يقال : شَمِتَ بي زيدٌ العَدُوَّ ؛ كما يقال : أشْمَت بي العَدُوَّ .

والثاني : أنَّ تَشْمَتْ مُسْندٌ لضمير الباري تعالى أي : فلا تَشْمَتْ يا رب ، وجاز هذا كما جاز : { الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ } [ البقرة : 15 ] ثم أضمر ناصباً للأعْدَاءِ ، كقراءة الجماعة ، قاله ابْنُ جنِّي .

ولا حاجة إلى هذا التَّكلف ؛ لأنَّ " شَمِتَ " الثلاثيَّ يكون متعدِّياً بنفسه ، والإضمار على خلاف الأًصل .

وقال أبُو البقاءِ - في هذا التَّخريج - : " فلا تشمت أنت " فجعل الفاعل ضمير " مُوسَى " ، وهو أولى من إسناده إلى ضمير اللَّهِ تعالى ، وأمَّا تَنْظِيرُهُ بقوله { الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ } فإنَّما جاز ذلك للمقابلة في قوله : { إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } [ البقرة : 14 ] { وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله } [ آل عمران : 54 ] ولا يجُوزُ ذلك في غَيْر المقابلة .

وقرأ حميد بنُ قيس{[16850]} " فلا تَشْمِت " كقراءة ابنِ محيصن ، ومجاهد كقراءته فيه أوَّلاً ، إلاَّ أنَّهُما رفعا " الأعْدَاء " على الفاعلية ، جعلا " شَمِتَ " لازماً فرفعا به " الأعداء " على الفاعليَّة ، فالنَّهْيُ في اللَّفْظِ للمخاطب والمُرادُ به غيره كقولهم : لا أرَيَنَّكَ ههنا ، أي : لا يكن منك ما يقتضي أن تُشْمِتَ بي الأعْدَاءَ .

والإشمات والشَّماته : الفَرَحُ بِبَلِيةٍ تنالُ عَدُوَّك ؛ قال : [ الكامل ]

. . . *** والمَوْتُ دُونَ شَماتَةِ الأعْدَاء{[16851]}

فصل

قيل : واشتقاقُها من شوامِتِ الدَّابة ، وهي قوائِمُهَا ؛ لأنَّ الشَّماتة تَقْلِبُ قلب الحاسِد في حالتي الفرَحِ والتَّرحِ كتقلُّب شوامِت الدَّابة . وتشميت العاطس وتسميته ، بالشِّين والسِّين الدعاء له بالخير .

قال أبو عبيد : الشِّينُ أعْلَى اللُّغتين .

وقال ثَعلبٌ : الأصْلُ فيها السِّينُ من السَّمْت ، وهو القصد والهَدْي .

وقيل : معنى تشميت العاطس [ بالمعجمة ] أنْ يُثَبِّتَهُ اللَّه كما يثبت قوائم الدابة .

وقيل : بل التَّفعيل للسَّلب ، أي : أزال الله الشَّماتة به وبالسِّين المهملة ، أي : رَدَّهُ اللَّهُ إلى سَمْتِهِ الأولى ، أي : هيئته ، لأنَّهُ يحصل له انزعاج .

وقال أبُو بَكْرٍ : " يقال : شَمَّتَه وشَمَّتَ عليه " وفي الحديث : وشَمَّت عليهما .

فصل


[16833]:أخرجه الطبري في تفسيره (6/64) عن أبي الدرداء.
[16834]:ذكره الرازي في تفسيره (15/10) والقرطبي 7/182.
[16835]:البيت لأبي نواس ينظر: سيبويه 1/32، ابن الشجري 1/32، خزانة الأدب 1/345، الخصائص 1/47، منهج السالك 1/191، سفر السعادة 1/156، المغني 1/159، الهمع 1/94، ابن عقيل 1/191، روح المعاني 9/66، العيني 1/513، الخزانة 1/345، الأشموني 1/191، الدرر اللوامع 1/72، أمالي ابن الحاجب ص 637، الأشباه والنظائر 3/94، 5/289، 6/113، 7/25، تذكرة النحاة ص 171، 366، 405، همع الهوامع 1/94 الدر المصون 3/346. المبتدأ: قسمان: فسم له خبر، وقسم له فاعل أو نائب عنه يغني عن الخبر، وهو الوصف سواء كان اسم الفاعل أو اسم مفعول أو صفة مشبهة أو منسوبا وشرطه أن يكون سابقا وأن يكون مرفوعه منفصلا سواء كان ظاهرا أم ضميرا نحو أقائم أنتما، ومنع الكوفيون الضمير فلا يجيزون إلا: أقائمان أنتما أو استفهام بأي أدوانهما كما ولا وإن وغير. كالشاهد الذي معنا الذي استشهد به في قوله: "غير مأسوف على زمن" حيث أجرى قوله: "على زمن" النائب عن الفاعل مجرى الزيدين في قولك: "ما مضروب الزيدان" في أن كل واحد منهما سد مسد الخبر؛ لأن المتضايفين بمنزلة الاسم الواحد فحيث كان نائب الفاعل يسد مع أحدهما مسد الخبر، فإنه يسد مع الآخر أيضا، وكأنه قال: "ما مأسوف على زمن" هذا توجيه ابن الشجري في أماليه. التوجيه الثاني: لابن جني وابن الحاجب وهو أن –غير- خبر مقدم، وأصل الكلام: "زمن ينقضي بالهم غير مأسوف عليه" وهو توجيه ليس بشيء لما يلزم عليه من التكلفات البعيدة لأن العبارة الواردة في البيت لا تصير إلى هذا إلا بتكلف كثير. التوجيه الثالث: لابن الخشاب، وحاصله أن قوله "غير" خبر لمبتدأ محذوف تقديره "أنا غير-الخ" وقوله "مأسوف" ليس اسم مفعول، بل هو مصدر مثل "الميسور والمعسور والمجلود والمحذوف" وأراد به هنا اسم الفاعل فكأنه قال "أنا غير آسف-الخ".
[16836]:متفق عليه، أخرجه البخاري في الصحيح 2/172-173، كتاب الأذان باب إنما جعل الإمام ليؤتم به الحديث 687، وأخرجه مسلم في الصحيح 1/311-312، كتاب الصلاة باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر الحديث (90/418).
[16837]:عجز بيت للمتنبي وصدره: جزاك ربك بالإحسان مغفرة ينظر: ديوانه 1/94، الوساطة 381، وشرح الديوان للعكبري 1/94، ومفردات الراغب 17، وتاج العروس 6/40، والدر المصون 3/347.
[16838]:ينظر: ديوانه ص 165، الإنصاف 2/776، مجالس ثعلب 1/38، أمالي ابن الشجري 1/158، جمهرة اللغة ص 291، وشرح شواهد الإيضاح ص 458، الأشباه والنظائر 5/235، اللسان (خضب)، الدر المصون 3/347.
[16839]:ينظر: الكشاف 2/161.
[16840]:ذكره الرازي في تفسيره 15/10-11.
[16841]:ينظر: المصدر السابق.
[16842]:ينظر: المصدر السابق.
[16843]:ينظر: المصدر السابق.
[16844]:ينظر: السبعة 295، والحجة 4/89، وإعراب القراءات 1/208، 209 ، وحجة القراءات 297، وإتحاف 2/63.
[16845]:البيت لزبير الطائي: ينظر الكتاب 2/213، ابن يعيش 2/12، الهمع 2/54، التصريح 2/179، الأشموني 3/157، الدرر 5/57، أوضح المسالك 4/40، المقتضب 4/250، المقاصد النحوية 4/222، اللسان: شقق الدر المصون 3/348.
[16846]:ينظر: البحر 4/394، الدر المصون 3/348.
[16847]:البيت لأبي النجم العجلي ينظر الكتاب 2/214، المقتضب 4/252، المحتسب 2/238، ابن يعيش 2/12، النوادر لأبي زيد 19، التصريح 2/179، الهمع 2/54، الخزانة 1/464، الدر المصون 3/348.
[16848]:ينظر: العيني 4/250. الدر المصون 3/348.
[16849]:وهي قراءة حميد بن قيس، ينظر: المحرر الوجيز 2/457، والبحر المحيط 4/395، والدر المصون 3/348.
[16850]:ينظر: القراءة السابقة.
[16851]:تقدم.