التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَعَصَىٰ فِرۡعَوۡنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذۡنَٰهُ أَخۡذٗا وَبِيلٗا} (16)

وتفريع { فعصى فرعون الرسول } إيماء إلى أن ذلك هو الغرض من هذا الخبر وهو التهديد بأن يحلّ بالمخاطبين لمَّا عصوا الرسول صلى الله عليه وسلم مِثلُ ما حلّ بفرعون .

وفي إظهار اسم فرعون في قوله : { فعصى فرعون } دون أن يؤتَى بضميره للنداء عليه بفظاعة عصيانه الرسول .

ولما جرى ذكر الرسول المرسل إلى فرعون أوّل مرة جيء به في ذكره ثاني مرة معرفاً بلام العهد وهو العهد الذكري ، أي الرسول المذكور آنفاً فإن النكرة إذا أعيدت معرفة باللام كان مدلولها عينَ الأولى .

والأخذ مستعمل في الإِهلاك مجازاً لأنه لما أزالهم من الحياة أشبه فعله أخذ الآخذ شيئاً من موضعه وجعله عنده .

والوبيل : فعيل صفة مشبهة من وبُل المكان ، إذا وَخِم هواؤه أو مَرعَى كَلَئِه ، وقال زهير :

إلى كَلإٍ مُسْتَوبِلٍ مُتَوَخِّم

وهو هنا مستعار لسَيّىءِ العاقبة شديدَ السوء ، وأريد به الغرق الذي أصاب فرعون وقومه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَعَصَىٰ فِرۡعَوۡنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذۡنَٰهُ أَخۡذٗا وَبِيلٗا} (16)

" فعصى فرعون الرسول " أي كذب به ولم يؤمن . قال مقاتل : ذكر موسى وفرعون ؛ لأن أهل مكة ازدروا محمدا صلى الله عليه وسلم واستخفوا به ؛ لأنه ولد فيهم ، كما أن فرعون أزدرى موسى ؛ لأنه رباه ونشأ فيما بينهم ، كما قال تعالى : " ألم نربك فينا وليدا " [ الشعراء :18 ] .

قال المهدوي : ودخلت الألف واللام في الرسول لتقدم ذكره ؛ ولذلك اختير في أول الكتب سلام عليكم ، وفي آخرها السلام عليكم . " وبيلا " أي ثقيلا شديدا . وضرب وبيل وعذاب وبيل : أي شديد ، قاله ابن عباس ومجاهد . ومنه مطر وابل أي شديد . قاله الأخفش . وقال الزجاج : أي ثقيلا غليظا .

ومنه قيل للمطر وابل . وقيل : مهلكا ( والمعنى عاقبناه عقوبة{[15525]} غليظة ) قال :

أكلتِ بنيكِ أكلَ الضَّبِّ حتى *** وَجدْتِ مَرَارَةَ الكَلأِ الوَبِيلِ

واستوبل فلان كذا : أي لم يحمد عاقبته . وماء وبيل : أي وخيم غير مريء ، وكلأ مستوبل وطعام وبيل ومستوبل : إذا لم يمرئ ولم يستمرأ ، قال زهير :

فَقَضَّوا مَنَايَا بينهم ثم أصدروا *** إلى كَلأٍ مُسْتَوْبَلٍ مُتَوَخَّمِ

وقالت الخنساء :

لقد أكلتْ بَجِيلَةُ يومَ لاقَتْ *** فَوارِسَ مالك أكْلاً وَبِيلاً

والوبيل أيضا : العصا الضخمة ، قال :

لو أصْبَحَ في يُمْنَى يَدَيَّ زِمَامُهَا{[15526]} *** وفي كَفِّيَ الأخْرَى وَبيلٌ تُحَاذِرُهْ

وكذلك الموبل بكسر الباء ، والموبلة أيضا : الحزمة من الحطب ، وكذلك الوبيل ، قال طرفة :

عقيلةُ شيخٍ كالوبِيلِ يَلَنْدَدِ{[15527]}


[15525]:الزيادة من حاشية الجمل نقلا عن القرطبي، ونص بأنها عبارته.
[15526]:في أ، ح، و: "رقامها".
[15527]:يلندد: شديد الخصومة. وصدر البيت: *فمرت كهاة ذات خيف جلالة *