التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبۡحٗا طَوِيلٗا} (7)

فصل هذه الجملة دون عطف على ما قبلها يقتضي أن مضمونها ليس من جنس حكم ما قبلها ، فليس المقصود تعيين صلاة النهار إذ لم تكن الصلوات الخمس قد فرضت يومئذٍ على المشهور ، ولم يفرض حينئذٍ إلاّ قيام الليل .

فالذي يبدو أن موقع هذه الجملة موقع العلة لشيء مما في جملة { إن ناشئة الليل هي أشد وطأً وأقوم قيلاً } [ المزمل : 6 ] وذلك دائر : بين أن يكون تعليلاً لاختيار الليل لفرض القيام عليه فِيه ، فيفيد تأكيداً للمحافظة على قيام الليل لأن النهار لا يغني غَناءه فيتحصل من المعنى : قم الليل لأن قيامه أشد وقعاً وأرسخ قولاً ، لأن النهار زمن فيه شغل عظيم لا يترك لك خلوة بنفسك . وشغل النبي صلى الله عليه وسلم في النهار بالدعوة إلى الله وإبلاغ القرآن وتعليم الدين ومحاجة المشركين وافتقادَ المؤمنين المستضعفين ، فعبر عن جميع ذلك بالسبح الطويل ، وبيْن أن يكون تلطفاً واعتذاراً عن تكليفه بقيام الليل ، وفيه إرشاد إلى أن النهار ظرف واسع لإِيقاع ما عسى أن يكلفه فيامُ الليل من فتور بالنهار لينام بعض النهار وليقوم بمهامه فيه .

ويجوز أن يكون تعليلاً لما تضمنه { أو انقص منه قليلاً } [ المزمل : 3 ] ، أي إن نقصتَ من نصف الليل شيئاً لا يَفُتْكَ ثواب عمله ، فإن لك في النهار متسعاً للقيام والتلاوة مثل قوله تعالى : { وهو الذي جعل الليلَ والنهارَ خلفة لمن أراد أن يذَّكَّر أو أراد شُكوراً } [ الفرقان : 62 ] .

وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في النهار من أول البعثة قبل فرض الصلوات الخمس كما دل عليه قوله تعالى : { أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلّى } [ العلق : 9 ، 10 ] . وقد تقدم في سورة الجن أن استماعهم القرآن كان في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه في نخلة في طريقهم إلى عكاظ . ويظهر أن يكون كل هذا مقصوداً لأنه مما تسمح به دلالة كلمة { سبحاً طويلاً } وهي من بليغ الإِيجاز .

والسبح : أصله العوم ، أي السلوك بالجسم في ماء كثير ، وهو مستعار هنا للتصرف السهل المتسع الذي يشبه حركة السابح في الماء فإنه لا يعترضه ما يعوق جولانه على وجه الماء ولا إعياءُ السير في الأرض .

وقريب من هذه الاستعارة استعارة السبح لجري الفرس دون كلفة في وصف امرىء القيس الخيل بالسابحات في قوله في مَدح فرسه :

مُسحَ إذا ما السابحات على الوَنى *** أثْرْنَ الغُبار في الكَديد المركَّل

فعبر عن الجاريات بالسابحات .

وفسر ابن عباس السبح بالفراغ ، أي لينام في النهار ، وقال ابن وهب عن ابن زيد قال : فراغاً طويلاً لحوائجك فافرغ لدينك بالليل .

والطويل : وصف من الطول ، وهو ازدياد امتداد القامة أو الطريق أو الثوب على مقاديرِ أكثرِ أمثاله . فالطول من صفات الذوات ، وشاع وصف الزمان به يقال : ليل طويل وفي الحديث « الشتاء ربيع المؤمن قصر نهاره فصامه وطال ليله فقامه »

وأما وصف السَّبح ب ( طويل ) في هذه الآية فهو مجاز عقلي لأن الطويل هو مكان السبح وهو الماء المسبوح فيه . وبعدَ هذا ففي قوله { طويلاً } ترشيح لاستعارة السَّبح للعمل في النهار .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبۡحٗا طَوِيلٗا} (7)

الخامسة- قوله تعالى{[15508]} : " إن لك في النهار سبحا طويلا " قراءة العامة بالحاء غير معجمة ، أي تصرفا في حوائجك ، وإقبالا وإدبارا وذهابا ومجيئا . والسبح : الجري والدوران ، ومنه السابح في الماء ؛ لتقلبه بيديه ورجليه . وفرس سابح : شديد الجري ، قال امرؤ القيس :

مِسَحٌ إذا ما السَّابِحَاتُ على الوَنَى *** أثَرْنَ الغُبَارَ بالكَدِيدِ المُرَكَّلِ{[15509]}

وقيل : السبح الفراغ ، أي إن لك فراغا للحاجات بالنهار . وقيل : " إن لك في النهار سبحا " أي نوما ، والتسبح التمدد ، ذكره الخليل . وعن ابن عباس وعطاء : ( سبحا طويلا ) يعني فراغا طويلا لنومك وراحتك ، فاجعل ناشئة الليل لعبادتك ، وقال الزجاج : إن فاتك في الليل ، شيء فلك في النهار فراغ الاستدراك .

وقرأ يحيى بن يعمر وأبو وائل " سبخا " بالخاء المعجمة . قال المهدوي : ومعناه النوم روى ذلك عن القارئين بهذه القراءة . وقيل : معناه الخفة والسعة والاستراحة ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة وقد دعت على سارق ردائها : ( لا تسبخي ( عنه{[15510]} ) بدعائك عليه ) . أي لا تخففي عنه إثمه ، قال الشاعر :

فَسَبِّخْ عليك الهَمَّ واعلم بأنَّهُ *** إذا قَدَّرَ الرحْمَنُ شيئا فكائِنْ

الأصمعي : يقال سبخ الله عنك الحمى أي خففها . وسبخ الحر{[15511]} : فتر وخف . والتسبيخ النوم الشديد . والتسبيخ أيضا توسيع القطن والكتان والصوف وتنفيشها ، يقال للمرأة : سبخي قطنك . والسبيخ من القطن ما يسبخ بعد الندف ، أي يلف لتغزله المرأة ، والقطعة منه سبيخة ، وكذلك من الصوف والوبر . ويقال لقطع القطن سبائخ ، قال الأخطل يصف القناص والكلاب :

فأرسلوهن يُذْرين التُّرَابَ كما *** يُذْرِي سَبَائِخَ قُطْنٍ نَدْفُ أوتَارِ

وقال ثعلب : السبخ بالخاء التردد والاضطراب ، والسبخ أيضا السكون ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( الحمى من فيح جهنم ، فسبخوها بالماء ) أي سكنوها . وقال أبو عمرو : السبخ : النوم والفراغ .

قلت : فعلى هذا يكون من الأضداد وتكون بمعنى السبح ، بالحاء غير المعجمة .


[15508]:جملة: "قوله تعالى" ساقطة من ح.
[15509]:مسح: معناه يصب الجري صبا. وهذه الكلمة وردت محرفة في ط، وهي ساقطة من سائر الأصول. والتصويب من الديوان واللسان. والونى: الفتور والكلال. والكديد: الموضع الغليظ. والمركل: الذي يركل بالأرجل. ومعنى البيت: إن الخيل السريعة إذا فترت فأثارت الغبار بأرجلها من التعب حرى هذا الفرس جريا سهلا كما يسح السحاب المطر.
[15510]:زيادة من نهاية ابن الأثير.
[15511]:في أ، ح، ل، و: "الجن" بالجيم والنون، وهو تحريف.