عُطِفت جملة : { وجاء المعذرون } على جملة { استأذنك أولوا الطول منهم } [ التوبة : 86 ] ، وما بينهما اعتراض ، فالمراد بالمعذّرين فريق من المؤمنين الصادقين من الأعراب ، كما تدلّ عليه المقابلة بقوله : { وقعد الذين كذبوا الله ورسوله } . وعلى هذا المعنى فسَّر ابن عبّاس ، ومجاهد ، وكثير . وجعلوا من هؤلاء غفاراً ، وخالفهم قتادة فجعلهم المعتذرين كَذِباً ، وهم بَنو عامر رهطُ عامرٍ بن الطُفيل ، قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم إن خرجْنا معك أغارت أعراب طيء على بيوتنا . ومن المعذّرين الكاذبين أسَد ، وغَطَفان .
وعلى الوجهين في التفسير يختلف التقدير في قوله : { المعذورون } فإن كانوا المحقين في العذر فتقدير { المعذرون } أنّ أصله المعتذرون ، من اعتذر أدغمت التاء في الذال لتقارب المخرجين لقصد التخفيف ، كما أدغمت التاء في الصاد في قوله : { وهم يخصمون } [ يس : 49 ] ، أي يختصمون .
وإن كانوا الكاذبين في عذرهم فتقدير المعذرون : أنّه اسم فاعل من عَذَّر بمعنى تكلّف العذر فعن ابن عباس : لعن الله المعذرين . قال الأزهري : ذهب إلى أنّهم الذين يعتذرون بلا عُذر فكأن الأمر عنده أنّ المعذّر بالتشديد هو المظهر للعذر اعتلالاً وهو لا عُذر له اه . وقال شارح « ديوان النابغة » عند قول النابغة :
وَدّعْ أمامة والتوديع تَعْذير *** أي لاَ يجد عُذراً غير التوديع .
ويجوز أن يكون اختيار صيغة المعذّرين من لطائف القرآن لتشمل الذين صدقوا في العذر والذين كذبوا فيه .
والاعتذار افتعال من باب ما استعمل فيه مادة الافتعال للتكلّف في الفعل والتصرّف مثل الاكتساب والاختلاق . وليس لهذا المزيد فعل مجرّد بمعناه وإنّما المجرد هو عَذَر بمعنى قبل العذر . والعذر البيّنة والحالة التي يتنصل المحتج بها من تبعة أو مَلام عند من يعتذر إليه .
وقرأ يعقوب { المعذِرون } بسكون العين وتخفيف الذال ، من أعذر إذا بالغ في الاعتذار .
والأعراب اسم جمع يقال في الواحد : أعرابي بياء النسب نسبة إلى اسم الجمع كما يقال مَجوسي لواحد المجوس . وصيغة الأعراب من صيغ الجموع ولكنّه لم يكن جمعاً لأنّه لا واحد له من لفظ جمعه فلذلك جعل اسمَ جمع . وهم سكان البادية .
وأمّا قوله : { وقعد الذين كذبوا الله ورسوله } فهم الذين أعلنوا بالعصيان في أمر الخروج إلى الغزو من الأعراب أيضاً كما ينبئ عنه السياق ، أي قعدوا دون اعتذار . فالقعود هو عدم الخروج إلى الغزو . وعلم أنّ المراد القعود دون اعتذار من مقابلته بقوله : { وجاء المعذرون من الأعراب } .
وجملة : { وقعد الذين كذبوا الله ورسوله } عطف على جملة : { وجاء المعذرون من الأعراب } وهذا فريق آخر من الأعراب خليط من مسلمين ومنافقين { كذبوا } بالتخفيف ، أي كانوا كاذبين ، والمراد أنّهم كذبوا في الإيمان الذي أظهروه من قبلُ ، ويحتمل أنّهم كذبوا في وعدهم النصر ثم قعدوا دون اعتذار بحيث لم يكن تخلّفهم مترقّباً لأنّ الذين اعتذروا قد علم النبي عليه الصلاة والسلام أنّهم غير خارجين معه بخلاف الآخرين فكانوا محسوبين في جملة الجيش . وتخلّفُهم أشدّ إضرار لأنّه قد يَفُلّ من حِدّة كثير من الغزاة .
وجملة : { سيصيب الذين كفروا } مستأنفة لابتداءِ وعيد .
وضمير { منهم } يعود إلى المذكورين فهو شامل للذين كذبوا الله ورسوله ولمن كان عذره ناشئاً عن نفاق وكذب .
قوله تعالى : " وجاء المعذرون من الأعراب " قرأ الأعرج والضحاك " المعْذِرون " مخففا . ورواها أبو كريب عن أبي بكر عن عاصم ، ورواها أصحاب القراءات عن ابن عباس . قال الجوهري : وكان ابن عباس يقرأ " وجاء المعْذرون " مخففة ، من أعذر . ويقول : والله لهكذا أنزلت . قال النحاس : إلا أن مدارها عن الكلبي ، وهي من أعذر ، ومنه قد أعذر من أنذر ، أي قد بالغ في العذر من تقدم إليك فأنذرك . وأما " المعذرون " بالتشديد ففيه قولان : أحدهما أنه يكون المحق ، فهو في المعنى المعتذر ، لأن له عذرا . فيكون " المعذرون " على هذه أصله المعتذرون ، ولكن التاء قلبت ذالا فأدغمت فيها وجعلت حركتها على العين ؛ كما قرئ " يخصمون{[8198]} " [ يس : 49 ] بفتح الخاء . ويجوز " المعذرون " بكسر العين لاجتماع الساكنين . ويجوز ضمها اتباعا للميم . ذكره الجوهري والنحاس . إلا أن النحاس حكاه عن الأخفش والفراء وأبي حاتم وأبي عبيد . ويجوز أن يكون الأصل المعتذرون ، ثم أدغمت التاء في الذال ، ويكونون الذين لهم عذر . قال لبيد :
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما*** ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
والقول الآخر أن المعذر قد يكون غير محق ، وهو الذي يعتذر ولا عذر له . قال الجوهري : فهو المعذر على جهة المفعل ؛ لأنه الممرض والمقصر يعتذر بغير عذر . قال غيره : يقال عذر فلان في أمر كذا تعذيرا ، أي قصر ولم يبالغ فيه . والمعنى أنهم اعتذروا بالكذب . قال الجوهري : وكان ابن عباس يقول : لعن الله المعذرين . كأن الأمر عنده أن المعذر بالتشديد هو المظهر للعذر ، اعتلالا من غير حقيقة له في العذر . النحاس : قال أبو العباس محمد بن يزيد ولا يجوز أن يكون الأصل فيه المعتذرين ، ولا يجوز الإدغام فيقع اللبس . ذكر إسماعيل بن إسحاق أن الإدغام مجتنب على قول الخليل وسيبويه ، بعد{[8199]} أن كان سياق الكلام يدل على أنهم مذمومون لا عذر لهم ، قال : لأنهم جاؤوا ليؤذن لهم ولو كانوا من الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون لم يحتاجوا أن يستأذنوا . قال النحاس : وأصل المعذرة والإعذار والتعذير من شيء واحد وهو مما يصعب ويتعذر . وقول العرب : من عذيري من فلان ، معناه قد أتى أمرا عظيما يستحق أن أعاقبه عليه ولم يعلم الناس به ؛ فمن يعذرني إن عاقبته . فعلى قراءة التخفيف قال ابن عباس : هم الذين تخلفوا بعذر فأذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : هم رهط عامر بن الطفيل قالوا : يا رسول الله ، لو غزونا معك أغارت أعراب طيء على حلائلنا وأولادنا ومواشينا ، فعذرهم النبي صلى الله عليه وسلم . وعلى قراءة التشديد في القول الثاني ، هم قوم من غفار اعتذروا فلم يعذرهم النبي صلى الله عليه وسلم ، لعلمه أنهم غير محقين ، والله أعلم . وقعد قوم بغير عذر أظهروه جرأة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم الذين أخبر الله تعالى عنهم فقال : " وقعد الذين كذبوا الله ورسوله " والمراد بكذبهم قولهم : إنا مؤمنون . و " ليؤذن " نصب بلام كي .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.