التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُ حَتَّىٰ تَأۡتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةً أَوۡ يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابُ يَوۡمٍ عَقِيمٍ} (55)

لمّا حكى عن الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم أن ما يلقيه لهم الشيطان من إبطال ما جاءت به الرّسل يكون عليهم فتنة . خصّ في هذه الآية الكافرين بالقرآن بعد أن عمّهم مع جملة الكافرين بالرسل ، فخصّهم بأنهم يستمر شكّهم فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ويترددون في الإقدام على الإسلام إلى أن يُحال بينهم وبينه بحلول الساعة بغتة أو بحلول عذاب بهم قبل الساعة ، فالذين كفروا هنا هم مشركو العرب بقرينة المضارع في فعل { لا يزال } وفعل { حتى تأتيهم } الدّالين على استمرار ذلك في المستقبل .

ولأجل ذلك قال جمع من المفسرين : إن ضمير { في مرية منه } عائد إلى القرآن المفهوم من المقام ، والأظهر أنه عائد إلى ما عاد عليه ضمير { أنه الحق من ربك فيؤمنوا به } [ الحج : 54 ] .

و { الساعة } علَم بالغلبة على يوم القيامة في اصطلاح القرآن ، واليوم : يوم الحرب ، وقد شاع إطلاق اسم اليوم على وقت الحرب . ومنه دُعيت حروب العرب المشهورة « أيام العرب » .

والعقيم : المرأة التي لا تلد ؛ استعير العقيم للمشؤوم لأنهم يُعدّون المرأة التي لا تلد مشؤومة .

فالمعنى : يأتيهم يوم يُستأصلون فيه قتلاً : وهذا إنذار بيوم بدر .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُ حَتَّىٰ تَأۡتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةً أَوۡ يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابُ يَوۡمٍ عَقِيمٍ} (55)

42

ويعقب السياق على تلك الآيات وما فيها من صيانة لدعوة الله من كيد الشيطان بأن الذين يكفرون بها مدحورون ينتظرهم العذاب المهين :

( ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم . الملك يومئذ لله يحكم بينهم . فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم ، والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين ) .

ذلك شأن الذين كفروا مع القرآن كله ، يذكره السياق بعد بيان موقفهم مما يلقي الشيطان في أمنيات الأنبياء والرسل ، لما بين الشأنين من تشابه واتصال . فهم لا يزالون في ريبة من القرآن وشك . منشأ هذه الريبة أن قلوبهم لم تخالطها بشاشته فتدرك ما فيه من حقيقة وصدق . ويظل هذا حالهم ( حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم )بعد قيام الساعة . ووصف هذا اليوم بالعقيم وصف يلقي ظلا خاصا . فهو يوم لا يعقب . . إنه اليوم الأخير . .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُ حَتَّىٰ تَأۡتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةً أَوۡ يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابُ يَوۡمٍ عَقِيمٍ} (55)

قوله تعالى : " ولا يزال الذين كفروا في مرية منه " يعني في شك من القرآن ، قاله ابن جريج . وغيره : من الدين ، وهو الصراط المستقيم . وقيل : مما ألقى الشيطان على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ، ويقولون : ما باله ذكر الأصنام بخير ثم ارتد عنها . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي " في مرية " بضم الميم ، والكسر أعرف ، ذكره النحاس . " حتى تأتيهم الساعة " أي القيامة . " بغتة " أي فجأة . " أو يأتيهم عذاب يوم عقيم " قال الضحاك : عذاب يوم لا ليلة له وهو يوم القيامة . النحاس : سمي يوم القيامة عقيما لأنه ليس يعقب بعده يوما مثله ، وهو معنى قول الضحاك . والعقيم في اللغة : عبارة عمن لا يكون له ولد ، ولما كان الولد يكون بين الأبوين وكانت الأيام تتوالى قبل وبعد ، جعل الاتباع فيها بالبعدية كهيئة الولادة ، ولما لم يكن بعد ذلك اليوم يوم وصف بالعقيم . وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة : المراد عذاب يوم بدر ، ومعنى عقيم لا مثل له في عظمه ؛ لأن الملائكة قاتلت فيه . ابن جريج : لأنهم لم ينظروا فيه إلى الليل ، بل قتلوا قبل المساء فصار يوما لا ليلة له . وكذلك يكون معنى قول الضحاك أنه يوم القيامة ، لأنه لا ليلة له . وقيل : لأنه لم يكن فيه رأفة ولا رحمة ، وكان عقيما من كل خير ، ومنه قوله تعالى : " إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم " {[11578]}[ الذاريات : 41 ] أي التي لا خير فيها ولا تأتي بمطر ولا رحمة .


[11578]:راجع ج 17 ص 50.