التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَأَنذِرۡ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحۡشَرُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ لَيۡسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ} (51)

الأظهر أنَّه عطف على قوله : { قل هل يستوي الأعمى والبصير } [ الأنعام : 50 ] لأنّ ذلك مقدّمة لذكر مَن مثّلت حالهم بحال البصير وهم المؤمنون .

وضمير { به } عائد إلى { ما يوحى إليّ } [ الأنعام : 50 ] وهو القرآن وما يُوحى به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم غير مراد به الإعجاز .

و { والذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } هم المؤمنون الممثّلون بحال البصير . وعُرّفوا بالموصول لما تدلّ عليه الصلة من المدح ، ومن التعليل بتوجيه إنذاره إليهم دون غيرهم ، لأنّ الإنذار للذين يخافون أن يحشروا إنذار نافع ، خلافاً لحال الذين ينكرون الحشر ، فلا يخافونه فضلاً عن الاحتياج إلى شفعاء .

و { أن يحشروا } مفعول { يخافون } ، أي يخافون الحشر إلى ربِّهم فهم يقدّمون الأعمال الصالحة وينتهون عمَّا نهاهم خيفة أن يَلقَوا الله وهو غير راض عنهم . وخوفُ الحشر يقتضي الإيمان بوقوعه . ففي الكلام تعريض بأنّ المشركين لا ينجع فيهم الإنذار لأنَّهم لا يؤمنون بالحشر فكيف يخافونه . . ولذلك قال فيهم { إنّ الذين كفروا سواء عليهم ءَأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } [ البقرة : 6 ] .

وجملة : { ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع } حال من ضمير { أن يحشروا } ، أي يحشروا في هذه الحالة ، فهذه الحال داخلة في حيّز الخوف . فمضمون الحال معتقد لهم ، أي ليسوا ممَّن يزعمون أنّ لهم شفعاء عند الله لا تردّ شفاعتهم ، فهم بخلاف المشركين الذين زعموا أصنامهم شفعاء لهم عند الله .

وقوله { من دونه } حال من { ولي } و { شفيع } ، والعامل في الحال فعل { يخافون } ، أي ليس لهم ولي دون الله ولا شفيع دون الله ذلك بأنّ الله مولى الذين آمنوا . وهو تعريض بالمشركين الذين اتَّخذوا شفعاء وأولياء غير الله .

وفي الآية دليل على ثبوت الشفاعة بإذن الله كما قال تعالى : { من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه } [ البقرة : 255 ] . ولصاحب « الكشاف » هنا تكلّفات في معنى { يخافون أن يحشروا } وفي جعل الحال من ضمير { يحشروا } حالاً لازمة ، ولعلّه يرمي بذلك إلى أصل مذهبه في إنكار الشفاعة .

وقوله : { لعلّهم يتَّقون } رجاء مسوق مساق التعليل للأمر بإنذار المؤمنين لأنَّهم يرجى تقواهم ، بخلاف من لا يؤمنون بالبعث .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَأَنذِرۡ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحۡشَرُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ لَيۡسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ} (51)

50

( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون . ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ، ما عليك من حسابهم من شيء ، وما من حسابك عليهم من شيء . فتطردهم فتكون من الظالمين . وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا : أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ؟ أليس الله بأعلم بالشاكرين ؟ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل : سلام عليكم ، كتب ربكم على نفسه الرحمة : أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ، ثم تاب من بعده وأصلح ، فأنه غفور رحيم ) . .

إنها عزة هذه العقيدة ، واستعلاؤها على قيم الأرض الزائفة ، وتخلصها من الاعتبارات البشرية الصغيرة . .

لقد أمر رسول الله [ ص ] أن يقدمها للناس دون زخرف ولا طلاء ؛ ودون إطماع في شيء من قيم الأرض ولا إغراء . . كذلك أمر أن يوجه عنايته إلى من يرجى منهم الانتفاع بالدعوة ، وأن يؤوي إليه الذين يتلقونها مخلصين ؛ ويتجهون بقلوبهم إلى الله وحده يريدون وجهه ؛ وألا يقيم وزنا بعد ذلك لشيء من قيم المجتمع الجاهلي الزائفة ؛ ولا لشيء من اعتبارات البشر الصغيرة :

( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ، لعلهم يتقون ) . .

أنذر به هؤلاء الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ، حالة أن ليس من دونه ولي ينصرهم ولا شفيع يخلصهم . ذلك أنه ما من شفيع يشفع عند الله إلا بإذنه ، وهو لا يشفع يومئذ - بعد الإذن - إلا لمن ارتضى الله أن يتشفع عند الله فيهم . . فهؤلاء الذين تستشعر قلوبهم خوف ذلك اليوم الذي ليس فيه - من دون الله - ولي ولا شفيع ، أحق بالإنذار ، وأسمع له ، وأكثر انتفاعا به . . لعلهم أن يتوقوا في حياتهم الدنيا وما يعرضهم لعذاب الله في الآخرة . فالإنذار بيان كاشف كما أنه مؤثر موح . بيان يكشف لهم ما يتقونه ويحذرونه ، ومؤثر يدفع قلوبهم للتوقي والحذر ؛ فلا يقعون فيما نهوا عنه بعدما تبين لهم :

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَأَنذِرۡ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحۡشَرُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ لَيۡسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ} (51)

قوله تعالى : " وأنذر به " أي بالقرآن . والإنذار الإعلام وقد تقدم في البقرة{[6370]} . وقيل : " به " أي بالله . وقيل : باليوم الآخر . وخص " الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم " لأن الحجة عليهم أوجب ، فهم خائفون من عذابه ، لا أنهم يترددون في الحشر ، فالمعنى " يخافون " يتوقعون عذاب الحشر . وقيل : " يخافون " يعلمون ، فإن كان مسلما أنذر ليترك المعاصي ، وإن كان من أهل الكتاب أنذر ليتبع الحق . وقال الحسن : المراد المؤمنون . قال الزجاج : كل من أقر بالبعث من مؤمن وكافر . وقيل : الآية في المشركين أي أنذرهم بيوم القيامة . والأول أظهر . " ليس لهم من دونه " أي من غير الله " شفيع " هذا رد على اليهود والنصارى في زعمهما أن أباهما يشفع لهما حيث قالوا : " نحن أبناء الله وأحباؤه " [ المائدة : 18 ] والمشركون حيث جعلوا أصنامهم شفعاء لهم عند الله ، فأعلم الله أن الشفاعة لا تكون للكفار . ومن قال الآية في المؤمنين قال : شفاعة الرسول لهم تكون بإذن الله فهو الشفيع حقيقة إذن ؛ وفي التنزيل : " ولا يشفعون إلا لمن ارتضى " {[6371]} [ الأنبياء : 28 ] . " ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له " {[6372]} [ سبأ : 23 ] . " من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه{[6373]} " [ البقرة :255 ] . " لعلهم يتقون " أي في المستقبل وهو الثبات على الإيمان .


[6370]:راجع ج 1 ص 289 و ص 184.
[6371]:راجع ج 11 ص 281.
[6372]:راجع ج 14 ص 295.
[6373]:راجع ج 3 ص 273.