كان غالب ما تقدم من هذه السورة تحريضاً على الجهاد وتنديداً على المقصرين في شأنه ، وانتهى الكلام قبل هذا بتبرئة أهل المدينة والذين حولهم من التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا جرم كانت قوة الكلام مؤذنة بوجوب تمحض المسلمين للغزو . وإذ قد كان من مقاصد الإسلام بث علومه وآدابه بين الأمة وتكوين جماعات قائمة بعلم الدين وتثقيف أذهان المسلمين كي تصلح سياسة الأمة على ما قصده الدين منها ، من أجل ذلك عُقب التحريض على الجهاد بما يبين أن ليس من المصلحة تمحض المسلمين كلهم لأن يكونوا غزاة أو جُنداً ، وأن ليس حظ القائم بواجب التعليم دون حظ الغازي في سبيل الله من حيث إن كليهما يقوم بعمل لتأييد الدين ، فهذا يؤيده بتوسع سلطانه وتكثير أتباعه ، والآخَرُ يؤيده بتثبيت ذلك السلطان وإعداده لأن يصدر عنه ما يضمن انتظام أمره وطول دوامه ، فإن اتساع الفتوح وبسالة الأمة لا يكفيان لاستبقاء سلطانها إذا هي خلت من جماعة صالحة من العلماء والسَّاسَة وأولي الرأي المهْتمين بتدبير ذلك السلطان ، ولذلك لم يثبت ملك اللمتونيين في الأندلس إلا قليلاً حتى تقلص ، ولم تثبت دولة التتار إلا بعد أن امتزجوا بعلماء المُدن التي فتحوها ووكَلوا أمر الدولة إليهم .
وإذ قد كانت الآية السابقة قد حرضت فريقاً من المسلمين على الالتفاف حول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزو لمصلحة نشر الإسلام ناسب أن يُذكر عقبها نَفْر فريق من المؤمنين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للتفقه في الدين ليكونوا مرشدين لأقوامهم الذين دخلوا في الإسلام .
ومن محاسن هذا البيان أن قابل صيغة التحريض على الغزو بمثلها في التحريض على العلم إذْ افتتحت صيغة تحريض الغزو بلام الجحود في قوله : { ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب } [ التوبة : 120 ] الآية وافتتحت صيغة التحريض على العلم والتفقه بمثل ذلك إذ يقول : { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } .
وهذه الجملة معطوفة على مجموع الكلام الذي قبلها فهي جملة ابتدائية مستأنفة لغرض جديد ناشىء عن قوله : { مالكم إذا قيل لكم انفروا } [ التوبة : 38 ] ثم عن قوله : { ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا } [ التوبة : 120 ] الخ . ومعنى { أن يتخلفوا } هو أن لا ينفروا ، فناسب أن يذكر بعده { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } .
والمراد بالنفير في قوله : { لينفروا } وقوله : { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة } الخروج إلى الغزو المأخوذ من قوله : { يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض } [ التوبة : 38 ] أي وما كان المؤمنون لينفروا ذلك النفرَ كلُّهم .
فضمير { ليتفقهوا في الدين } يجوز أن يعود على قوله : { المؤمنون } ، أي ليتفقه المؤمنون .
والمراد ليتفقه منهم طائفة وهي الطائفة التي لم تنفر ، كما اقتضاه قوله : { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة } ، فهو عام مراد به الخصوص .
ويجوز أن يعود الضمير إلى مفهومٍ من الكلام من قوله : { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة } لأن مفهومه وبقيتْ طائفةً ليتفقهوا في الدين ، فأعيد الضمير على ( طائفة ) بصيغة الجمع نظراً إلى معنى طائفة ، كقوله تعالى : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } [ الحجرات : 9 ] على تأويل اقتتل جمعهم .
ويجوز أن يكون المراد من النفرْ في قوله : { لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة } نفْراً آخر غير النفر في سبيل الله ، وهو النفر للتفقه في الدين ، وتكون إعادةُ فعل ( ينفروا ) و ( نَفَر ) من الاستخدام بقرينة قوله : { ليتفقهوا في الدين } فيكون الضمير في قوله : { ليتفقهوا } عائداً إلى { طائفة } ويكون قوله : { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } تمهيداً لقوله : { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة } .
وقد نقل عن أيمة المفسرين وأسباب النزول أقوال تجري على الاحتمالين . والاعتماد في مراجع الضمائر على قرائن الكلام على عادة العرب في الإيجاز والاعتماد على فطنة السامع فإنهم أمة فطنة .
والإتيان بصيغة لام الجحود تأكيد للنفي ، وهو خبر مستعمل في النهي فتأكيده يفيد تأكيد النهي ، أي كونه نهياً جازماً يقتضي التحريم . وذلك أنه كما كان النفْر للغزو واجباً لأن في تركه إضاعة مصلحة الأمة كذلك كان تركه من طائفة من المسلمين واجباً لأن في تمحض جميع المسلمين للغزو إضاعة مصلحة للأمة أيضاً ، فأفاد مجموع الكلامين أن النفْر للغزو واجب على الكفاية أي على طائفة كافية لتحصيل المقصد الشرعي منه ، وأن تركه متعين على طائفة كافية منهم لتحصيل المقصد الشرعي مما أمروا بالاشتغال به من العلم في وقت اشتغال الطائفة الأخرى بالغزو . وهذا تقييد للإطلاق الذي في فعل ( انفروا ) ، أو تخصيص للعموم الذي في ضمير ( انفروا ) .
ولذلك كانت هذه الآية أصلاً في وجوب طلب العلم على طائفة عظيمة من المسلمين وجوباً على الكفاية ، أي على المقدار الكافي لتحصيل المقصد من ذلك الإيجاب . وأشعر نفي وجوب النفْر على جميع المسلمين وإثباتُ إيجابه على طائفة من كل فرقة منهم بأن الذين يجب عليهم النفر ليسوا بأوفر عدداً من الذين يبقون للتفقه والإنذار ، وأن ليست إحدى الحالتين بأوْلى من الأخرى على الإطلاق فيعلم أن ذلك منوط بمقدار الحاجة الداعية للنفر ، وأن البقية باقية على الأصل ، فعلم منه أن النفير إلى الجهاد يكون بمقدار ما يقتضيه حال العدو المغزُو ، وأن الذين يبقون للتفقه يبقون بأكثر ما يستطاع ، وأن ذلك سواء . ولا ينبغي الاعتماد على ما يخالف هذا التفسير من الأقوال في معنى الآية وموقعها من الآي السالفة .
والفرقة : الجماعة من الناس الذين تفرقوا عن غيرهم في المواطن ؛ فالقبيلة فرقة ، وأهل البلاد الواحدة فرقة .
والطائفة : الجماعة ، ولا تتقيد بعدد . وتقدم عند قوله : { فلتقم طائفة منهم معك } في سورة النساء ( 102 ) .
وتنكير { طائفة } مؤذن بأن النفر للتفقه في الدين وما يترتب عليه من الإنذار واجب على الكفاية . وتعيين مقدار الطائفة وضبط حد التفقه موكول إلى ولاة أمور الفرق فتتعين الطائفة بتعيينهم فهم أدرى بمقدار ما تتطلبه المصلحة المنوط بها وجوب الكفاية .
والتفقه : تكلف الفقاهة ، وهي مشتقة من فقه ( بكسر القاف ) إذا فهم ما يدق فهمه فهو فاقِهٌ . فالفقه أخص من العلم ، ولذلك نجد في القرآن استعمال الفقه فيما يخفى علمه كقوله : { لا تفقهون تسبيحهم } [ الإسراء : 44 ] ، ويجيء منه فقه بضم القاف إذا صار الفقه سجيته ، فقاهة فهو فقيه .
ولما كان مصير الفقه سجية لا يحصل إلا بمزاولة ما يبلغ إلى ذلك كانت صيغة التفعل المؤذنة بالتكلف متعينة لأن يكون المراد بها تكلف حصول الفقه ، أي الفهم في الدين . وفي هذا إيماء إلى أن فهم الدين أمرٌ دقيق المسلك لا يحصل بسهولة ، ولذلك جاء في الحديث الصحيح « مَن يرد الله به خيراً يفَقِّهْه في الدِين » ، ولذلك جزم العلماء بأن الفقه أفضل العلوم .
وقد ضبط العلماء حقيقة الفقه بأنه العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية بالاجتهاد .
والإنذار : الإخبار بما يتوقع منه شر . والمراد هنا الإنذار من المهلكات في الآخرة . ومنه النذير . وتقدم في قوله تعالى : { إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً } في سورة البقرة ( 119 ) ، فالإنذار هو الموعظة ، وإنما اقتصر عليه لأنه أهم ، لأن التخلية مقدمة على التحْلية ، ولأنه ما من إرشاد إلى الخير إلا وهو يشتمل على إنذار من ضده . ويدخل في معنى الإنذار تعليم الناس ما يميزون به بين الحق والباطل وبين الصواب والخطإ وذلك بأداء العالم بث علوم الدين للمتعلمين .
وحذف مفعول يحذرون } للتعميم ، أي يحذرون ما يُحذر ، وهو فعل المحرمات وترك الواجبات . واقتصر على الحذر دون العمل للإنذار لأن مقتضى الإنذار التحذير ، وقد علمت أنه يفيد الأمرين .
ويبدو أن تنزل القرآن في هذه السورة بالنكير على المتخلفين ؛ والتنديد بالتخلف وبخاصة من أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب ؛ قد جعل الناس يتزاحمون في المدينة ليكونوا رهن إشارة رسول اللّه - [ ص ] - وبخاصة من القبائل المحيطة بالمدينة . مما اقتضى بيان حدود النفير العام - في الوقت المناسب للبيان من الناحية الواقعية - فقد اتسعت رقعة الأرض الإسلامية حتى كادت الجزيرة كلها تدين للإسلام ، وكثر عدد الرجال المستعدين للجهاد ، وقد بلغ من عددهم - بعد تخلف المتخلفين في تبوك - نحواً من ثلاثين ألفاً ، الأمر الذي لم يتهيأ من قبل في غزوة من غزوات المسلمين . وقد آن أن تتوزع الجهود في الجهاد وفي عمارة الأرض وفي التجارة وفي غيرها من شؤون الحياة التي تقوم بها أمة ناشئة ؛ وهي تختلف عن مطالب القبيلة الساذجة ، وعن حاجات المجتمع القبلي الأولية . . ونزلت الآية التالية تبين هذه الحدود في جلاء :
( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ، ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) . .
ولقد وردت روايات متعددة في تفسير هذه الآية ، وتحديد الفرقة التي تتفقه في الدين وتنذر قومها إذا رجعت إليهم . . والذي يستقيم عندنا في تفسير الآية : أن المؤمنين لا ينفرون كافة . ولكن تنفر من كل فرقة منهم طائفة - على التناوب بين من ينفرون ومن يبقون - لتتفقه هذه الطائفة في الدين بالنفير والخروج والجهاد والحركة بهذه العقيدة ؛ وتنذر الباقين من قومها إذا رجعت إليهم ، بما رأته وما فقهته من هذا الدين في أثناء الجهاد والحركة .
والوجه في هذا الذي ذهبنا إليه - وله أصل من تأويل ابن عباس - رضي اللّه عنهما - ومن تفسير الحسن البصري ، واختيار ابن جرير ، وقول لابن كثير - أن هذا الدين منهج حركي ، لا يفقهه إلا من يتحرك به ؛ فالذين يخرجون للجهاد به هم أولى الناس بفقهه ؛ بما يتكشف لهم من أسراره ومعانيه ؛ وبما يتجلى لهم من آياته وتطبيقاته العملية في أثناء الحركة به . أما الذين يقعدون فهم الذين يحتاجون أن يتلقوا ممن تحركوا ، لأنهم لم يشاهدوا ما شاهد الذين خرجوا ؛ ولا فقهوا فقههم ؛ ولا وصلوا من أسرار هذا الدين إلى ما وصل إليه المتحركون وبخاصة إذا كان الخروج مع رسول اللّه - [ ص ] - والخروج بصفة عامة أدنى إلى الفهم والتفقه .
ولعل هذا عكس ما يتبادر إلى الذهن ، من أن المتخلفين عن الغزو والجهاد والحركة ، هم الذين يتفرغون للتفقه في الدين ! ولكن هذا وهم ، لا يتفق مع طبيعة هذا الدين . . إن الحركة هي قوام هذا الدين ؛ ومن ثم لا يفقهه إلا الذين يتحركون به ، ويجاهدون لتقريره في واقع الناس ، وتغليبه على الجاهلية ، بالحركة العملية .
والتجارب تجزم بأن الذين لا يندمجون في الحركة بهذا الدين لا يفقهونه ؛ مهما تفرغوا لدراسته في الكتب - دراسة باردة ! - وأن اللمحات الكاشفة في هذا الدين إنما تتجلى للمتحركين به حركة جهادية لتقريره في حياة الناس ؛ ولا تتجلى للمستغرقين في الكتب العاكفين على الأوراق !
إن فقه هذا الدين لا ينبثق إلا في أرض الحركة . ولا يؤخذ عن فقيه قاعد حيث تجب الحركة . والذين يعكفون على الكتب والأوراق في هذا الزمان لكي يستنبطوا منها أحكاماً فقهية " يجددون " بها الفقه الإسلامي أو " يطورونه " - كما يقول المستشرقون من الصليبيين ! - وهم بعيدون عن الحركة التي تستهدف تحرير الناس من العبودية للعباد ، وردهم إلى العبودية للّه وحده ، بتحكيم شريعة اللّه وحدها وطرد شرائع الطواغيت . . هؤلاء لا يفقهون طبيعة هذا الدين ؛ ومن ثم لا يحسنون صياغة فقه هذا الدين !
إن الفقه الإسلامي وليد الحركة الإسلامية . . فقد وجد الدين أولاً ثم وجد الفقه . وليس العكس هو الصحيح . . وجدت الدينونة للّه وحده ، ووجد المجتمع الذي قرر أن تكون الدينونة فيه للّه وحده . . والذي نبذ شرائع الجاهلية وعاداتها وتقاليدها ؛ والذي رفض أن تكون شرائع البشر هي التي تحكم أي جانب من جوانب الحياة فيه . . ثم أخذ هذا المجتمع يزاول الحياة فعلاً وفق المبادئ الكلية في الشريعة - إلى جانب الأحكام الفرعية التي وردت في أصل الشريعة - وفي أثناء مزاولته للحياة الفعلية في ظل الدينونة للّه وحده ، واستيحاء شريعته وحدها ، تحقيقاً لهذه الدينونة ، جدت له أقضية فرعية بتجدد الحالات الواقعية في حياته . . وهنا فقط بدأ استنباط الأحكام الفقهية ، وبدأ نمو الفقه الإسلامي . . الحركة بهذا الدين هي التي أنشأت ذلك الفقه ، والحركة بهذا الدين هي التي حققت نموه . ولم يكن قط فقها مستنبطاً من الأوراق الباردة ، بعيداً عن حرارة الحياة الواقعة ! . . من أجل ذلك كان الفقهاء متفقهين في الدين ، يجيء فقههم للدين من تحركهم به ، ومن تحركه مع الحياة الواقعة لمجتمع مسلم حي ، يعيش بهذا الدين ، ويجاهد في سبيله ، ويتعامل بهذا الفقه الناشئ بسبب حركة الحياة الواقعة .
فأما اليوم . . " فماذا " . . ? أين هو المجتمع المسلم الذي قرر أن تكون دينونته للّه وحده ؛ والذي رفض بالفعل الدينونة لأحد من العبيد ؛ والذي قرر أن تكون شريعة اللّه شريعته ؛ والذي رفض بالفعل شرعية أي تشريع لا يجيء من هذا المصدر الشرعي الوحيد ?
لا أحد يملك أن يزعم أن هذا المجتمع المسلم قائم موجود ! ومن ثم لا يتجه مسلم يعرف الإسلام ويفقه منهجه وتاريخه ، إلى محاولة تنمية الفقه الإسلامي أو " تجديده " أو " تطويره ! " في ظل مجتمعات لا تعترف ابتداء بأن هذا الفقه هو شريعتها الوحيدة التي بها تعيش . ولكن المسلم الجاد يتجه ابتداء لتحقيق الدينونة للّه وحده ؛ وتقرير مبدأ أن لا حاكمية إلا للّه ، وأن لا تشريع ولا تقنين إلا مستمداً من شريعته وحدها تحقيقاً لتلك الدينونة إنه هزل فارغ لا يليق بجدية هذا الدين أن يشغل ناس أنفسهم بتنمية الفقه الإسلامي أو " تجديده " أوتطويره في مجتمع لا يتعامل بهذا الفقه ولا يقيم عليه حياته . كما أنه جهل فاضح بطبيعة هذا الدين أن يفهم أحد أنه يستطيع التفقه في هذا الدين وهو قاعد ، يتعامل مع الكتب والأوراق الباردة ، ويستنبط الفقه من قوالب الفقه الجامدة ! . . إن الفقه لا يستنبط من الشريعة إلا في مجرى الحياة الدافق ؛ وإلا مع الحركة بهذا الدين في عالم الواقع .
إن الدينونة للّه وحده أنشأت المجتمع المسلم ؛ والمجتمع المسلم أنشأ " الفقه الإسلامي " . . ولا بد من هذا الترتيب . . لا بد أن يوجد مجتمع مسلم ناشى ء من الدينونة لله وحده ، مصمم على تنفيذ شريعته وحدها . ثم بعد ذلك - لا قبله - ينشأ فقه إسلامي مفصل على قد المجتمع الذي ينشأ ، وليس " جاهزا " معدا من قبل ! ذلك أن كل حكم فقهي هو - بطبيعته - تطبيق للشريعة الكلية على حالة واقعة ، ذات حجم معين ، وشكل معين ، وملابسات معينة . وهذه الحالات تنشئها حركة الحياة ، داخل الإطار الإسلامي لا بعيدا عنه ، وتحدد حجمها وشكلها وملابساتها ؛ ومن ثم " يفصل " لها حكم مباشر على " قدها " . . فأما تلك الأحكام " الجاهزة " في بطون الكتب ؛ فقد " فصلت " من قبل لحالات معينة في أثناء جريان الحياة الإسلامية على أساس تحكيم شريعة الله فعلا . ولم تكن وقتها " جاهزة " باردة ! كانت وقتها حية مليئة بالحيوية ؛ وعلينا اليوم أن " نفصل " مثلها للحالات الجديدة . . ولكن قبل ذلك يجب أن يوجد المجتمع الذي يقرر ألا يدين لغير اللّه في شرائعه ؛ وألا يفصل حكما شرعيا إلا من شريعة الله دون سواها .
وفي هذا يكون الجهد الجاد المثمر ، اللائق بجدية هذا الدين . وفي هذا يكون الجهاد الذي يفتح البصائر ؛ ويمكن من التفقه في الدين حقا . . وغير هذا لا يكون إلا هزلا ترفضه طبيعة هذا الدين ؛ وإلا هروبا من واجب الجهاد الحقيقي تحت التستر بستار " تجديد الفقه الإسلامي " أو " تطويره " ! . . هروب خير منه الاعتراف بالضعف والتقصير ؛ وطلب المغفرة من الله على التخلف والقعود مع المتخلفين القاعدين !
الأولى - قوله تعالى : " وما كان المؤمنون " وهي أن الجهاد ليس على الأعيان وأنه فرض كفاية كما تقدم ؛ إذ لو نفر الكل لضاع من وراءهم من العيال ، فليخرج فريق منهم للجهاد وليقم فريق يتفقهون في الدين ويحفظون الحريم ، حتى إذا عاد النافرون أعلمهم المقيمون ما تعلموه من أحكام الشرع ، وما تجدد نزول على النبي صلى الله عليه وسلم . وهذه الآية ناسخة لقوله تعالى : " إلا تنفروا " [ التوبة : 39 ] وللآية التي قبلها ، على قول مجاهد وابن زيد .
الثانية - هذه الآية أصل في وجوب طلب العلم ؛ لأن المعنى : وما كان المؤمنون لينفروا كافة والنبي صلى الله عليه وسلم مقيم لا ينفر فيتركوه وحده . " فلو لا نفر " بعد ما علموا أن النفير لا يسع جميعهم . " من كل فرقة منهم طائفة " وتبقى بقيتها مع النبي صلى الله عليه وسلم ليتحملوا عنه الدين ويتفقهوا ، فإذا رجع النافرون إليهم أخبروهم بما سمعوا وعلموه . وفى هذا إيجاب التفقه في الكتاب والسنة ، وأنه على الكفاية دون الأعيان . ويدل عليه أيضا قوله تعالى : " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون{[8381]} " [ النحل : 43 ] . فدخل في هذا من لا يعلم الكتاب والسنن .
الثالثة - قوله تعالى : " فلولا نفر " قال الأخفش : أي فهلا نفر . " من كل فرقة منهم طائفة " الطائفة في اللغة الجماعة ، وقد تقع على أقل من ذلك حتى تبلغ الرجلين ، وللواحد على معنى نفس طائفة . وقد تقدم أن المراد بقوله تعالى : " إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة{[8382]} " [ التوبة : 66 ] رجل واحد . ولا شك أن المراد هنا جماعة لوجهين : أحدهما عقلا ، والآخر لغة . أما العقل فلأن العلم لا يتحصل بواحد في الغالب ، وأما اللغة فقوله : " ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم " فجاء بضمير الجماعة . قال ابن العربي : والقاضي أبو بكر والشيخ أبو الحسن قبله يرون أن الطائفة ههنا واحد ، ويعتضدون{[8383]} فيه بالدليل على وجوب العمل بخبر الواحد ، وهو صحيح لا من جهة أن الطائفة تنطلق على الواحد ، ولكن من جهة أن خبر الشخص الواحد أو الأشخاص خبر واحد ، وأن مقابله وهو التواتر لا ينحصر .
قلت : أنص ما يستدل به على أن الواحد يقال له طائفة قوله تعالى : " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا{[8384]} " [ الحجرات : 9 ] يعني نفسين . دليله قوله تعالى : " فأصلحوا بين أخويكم{[8385]} " [ الحجرات : 9 ] فجاء بلفظ التثنية ، والضمير في " اقتتلوا " وإن كان ضمير جماعة فأقل الجماعة اثنان في أحد القولين للعلماء .
الرابعة - قوله تعالى : " ليتفقهوا " الضمير في " ليتفقهوا ، ولينذروا " للمقيمين مع النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله قتادة ومجاهد . وقال الحسن : هما للفرقة النافرة ، واختاره الطبري . ومعنى " ليتفقهوا في الدين " أي يتبصروا ويتيقنوا بما يريهم الله من الظهور على المشركين ونصرة الدين . " ولينذروا قومهم " من الكفار . " إذا رجعوا إليهم " من الجهاد فيخبرونهم بنصرة الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، وأنهم لا يدان{[8386]} لهم بقتالهم وقتال النبي صلى الله عليه وسلم ، فينزل بهم ما نزل بأصحابهم من الكفار .
قلت : قول مجاهد وقتادة أبين ، أي لتتفقه الطائفة المتأخرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النفور في السرايا . وهذا يقتضي الحث على طلب العلم والندب إليه دون الوجوب والإلزام ؛ إذ ليس ذلك في قوة الكلام ، وإنما لزم طلب العلم بأدلته ، قاله أبو بكر بن العربي .
الخامسة - طلب العلم ينقسم قسمين : فرض على الأعيان ، كالصلاة والزكاة والصيام .
قلت : وفي هذا المعنى جاء الحديث المروي ( إن طلب العلم فريضة ) . روى عبدالقدوس بن حبيب : أبو سعيد{[8387]} الوحاظي عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي قال : سمعت أنس بن مالك يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( طلب العلم فريضة على كل مسلم ) . قال إبراهيم : لم أسمع من أنس بن مالك إلا هذا الحديث . وفرض على الكفاية ، كتحصيل الحقوق{[8388]} وإقامة الحدود والفصل بين الخصوم ونحوه ؛ إذ لا يصلح{[8389]} أن يتعلمه جميع الناس فتضيع أحوالهم وأحوال سراياهم{[8390]} وتنقص أو تبطل معايشهم ، فتعين بين الحالين أن يقوم به البعض من غير تعيين ، وذلك بحسب ما يسره الله لعباده وقسمه بينهم من رحمته وحكمته بسابق قدرته وكلمته .
السادسة - طلب العلم فضيلة عظيمة ومرتبة شريفة لا يوازيها عمل ، روى الترمذي من حديث أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من سلك طريقا يلتمس فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء ، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ، وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر ) . وروى الدارمي أبو محمد في مسنده قال : حدثنا أبو المغيرة حدثنا الأوزاعي عن الحسن قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجلين كانا في بني إسرائيل ، أحدهما كان عالما يصلي المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير . والآخر يصوم النهار ويقوم الليل ، أيهما أفضل ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فضل هذا العالم الذي يصلي المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير على العابد الذي يصوم النهار ويقوم الليل كفضلي على أدناكم ) . أسنده أبو عمر في كتاب بيان العلم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فضل العالم على العابد كفضلي على أمتي ) . وقال ابن عباس : أفضل الجهاد من بنى مسجدا يعلم فيه القرآن والفقه والسنة . رواه شريك عن ليث بن أبي سليم عن يحيى بن أبي كثير عن علي الأزدي قال : أردت الجهاد فقال لي ابن عباس : ألا أدلك على ما هو خير لك من الجهاد ، تأتي مسجدا فتقرئ فيه القرآن وتعلم فيه الفقه{[8391]} . وقال الربيع سمعت الشافعي يقول : طلب العلم أوجب من الصلاة النافلة . وقوله عليه السلام : ( إن الملائكة لتضع أجنحتها . . . ) الحديث يحتمل وجهين : أحدهما : أنها تعطف عليه وترحمه ، كما قال الله تعالى فيما وصى به الأولاد من الإحسان إلى الوالدين بقوله : " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة{[8392]} " [ الإسراء : 24 ] أي تواضع لهما . والوجه الآخر : أن يكون المراد بوضع الأجنحة فرشها ؛ لأن في بعض الروايات ( وإن الملائكة تفرش أجنحتها ) أي إن الملائكة إذا رأت طالب العلم يطلبه من وجهه ابتغاء مرضات الله وكانت سائر أحواله مشاكلة لطلب العلم فرشت له أجنحتها في رحلته وحملته عليها ، فمن هناك يسلم فلا يحفى إن كان ماشيا ولا يعيا ، وتقرب عليه الطريق البعيدة ولا يصيبه ما يصيب المسافر من أنواع الضرر كالمرض وذهاب المال وضلال الطريق . وقد مضى شيء من هذا المعنى في " آل عمران " عند قوله تعالى : " شهد الله . . . " الآية{[8393]} . روى عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة ) . قال يزيد بن هارون : إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم ؟ . قلت : وهذا قول عبدالرزاق في تأويل الآية ، إنهم أصحاب الحديث ، ذكره الثعلبي . سمعت شيخنا الأستاذ المقرئ النحوي المحدث أبا جعفر أحمد بن محمد بن محمد القيسي القرطبي المعروف بابن أبي حجة رحمه الله يقول في تأويل قوله عليه السلام : ( لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة ) إنهم العلماء ، قال : وذلك أن الغرب لفظ مشترك يطلق على الدلو الكبيرة وعلى مغرب الشمس ، ويطلق على فيضة من الدمع . فمعنى ( لا يزال أهل الغرب ) أي لا يزال أهل فيض الدمع من خشية الله عن علم به وبأحكامه ظاهرين ، الحديث . قال الله تعالى : " إنما يخشى الله من عباده العلماء{[8394]} " [ فاطر : 28 ] . قلت : وهذا التأويل يعضده قوله عليه السلام في صحيح مسلم : ( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة ) . وظاهر هذا المساق أن أوله مرتبط بآخره . والله أعلم .