الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي  
{۞وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ} (122)

فيه ست مسائل :

الأولى - قوله تعالى : " وما كان المؤمنون " وهي أن الجهاد ليس على الأعيان وأنه فرض كفاية كما تقدم ؛ إذ لو نفر الكل لضاع من وراءهم من العيال ، فليخرج فريق منهم للجهاد وليقم فريق يتفقهون في الدين ويحفظون الحريم ، حتى إذا عاد النافرون أعلمهم المقيمون ما تعلموه من أحكام الشرع ، وما تجدد نزول على النبي صلى الله عليه وسلم . وهذه الآية ناسخة لقوله تعالى : " إلا تنفروا " [ التوبة : 39 ] وللآية التي قبلها ، على قول مجاهد وابن زيد .

الثانية - هذه الآية أصل في وجوب طلب العلم ؛ لأن المعنى : وما كان المؤمنون لينفروا كافة والنبي صلى الله عليه وسلم مقيم لا ينفر فيتركوه وحده . " فلو لا نفر " بعد ما علموا أن النفير لا يسع جميعهم . " من كل فرقة منهم طائفة " وتبقى بقيتها مع النبي صلى الله عليه وسلم ليتحملوا عنه الدين ويتفقهوا ، فإذا رجع النافرون إليهم أخبروهم بما سمعوا وعلموه . وفى هذا إيجاب التفقه في الكتاب والسنة ، وأنه على الكفاية دون الأعيان . ويدل عليه أيضا قوله تعالى : " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون{[8381]} " [ النحل : 43 ] . فدخل في هذا من لا يعلم الكتاب والسنن .

الثالثة - قوله تعالى : " فلولا نفر " قال الأخفش : أي فهلا نفر . " من كل فرقة منهم طائفة " الطائفة في اللغة الجماعة ، وقد تقع على أقل من ذلك حتى تبلغ الرجلين ، وللواحد على معنى نفس طائفة . وقد تقدم أن المراد بقوله تعالى : " إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة{[8382]} " [ التوبة : 66 ] رجل واحد . ولا شك أن المراد هنا جماعة لوجهين : أحدهما عقلا ، والآخر لغة . أما العقل فلأن العلم لا يتحصل بواحد في الغالب ، وأما اللغة فقوله : " ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم " فجاء بضمير الجماعة . قال ابن العربي : والقاضي أبو بكر والشيخ أبو الحسن قبله يرون أن الطائفة ههنا واحد ، ويعتضدون{[8383]} فيه بالدليل على وجوب العمل بخبر الواحد ، وهو صحيح لا من جهة أن الطائفة تنطلق على الواحد ، ولكن من جهة أن خبر الشخص الواحد أو الأشخاص خبر واحد ، وأن مقابله وهو التواتر لا ينحصر .

قلت : أنص ما يستدل به على أن الواحد يقال له طائفة قوله تعالى : " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا{[8384]} " [ الحجرات : 9 ] يعني نفسين . دليله قوله تعالى : " فأصلحوا بين أخويكم{[8385]} " [ الحجرات : 9 ] فجاء بلفظ التثنية ، والضمير في " اقتتلوا " وإن كان ضمير جماعة فأقل الجماعة اثنان في أحد القولين للعلماء .

الرابعة - قوله تعالى : " ليتفقهوا " الضمير في " ليتفقهوا ، ولينذروا " للمقيمين مع النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله قتادة ومجاهد . وقال الحسن : هما للفرقة النافرة ، واختاره الطبري . ومعنى " ليتفقهوا في الدين " أي يتبصروا ويتيقنوا بما يريهم الله من الظهور على المشركين ونصرة الدين . " ولينذروا قومهم " من الكفار . " إذا رجعوا إليهم " من الجهاد فيخبرونهم بنصرة الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، وأنهم لا يدان{[8386]} لهم بقتالهم وقتال النبي صلى الله عليه وسلم ، فينزل بهم ما نزل بأصحابهم من الكفار .

قلت : قول مجاهد وقتادة أبين ، أي لتتفقه الطائفة المتأخرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النفور في السرايا . وهذا يقتضي الحث على طلب العلم والندب إليه دون الوجوب والإلزام ؛ إذ ليس ذلك في قوة الكلام ، وإنما لزم طلب العلم بأدلته ، قاله أبو بكر بن العربي .

الخامسة - طلب العلم ينقسم قسمين : فرض على الأعيان ، كالصلاة والزكاة والصيام .

قلت : وفي هذا المعنى جاء الحديث المروي ( إن طلب العلم فريضة ) . روى عبدالقدوس بن حبيب : أبو سعيد{[8387]} الوحاظي عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي قال : سمعت أنس بن مالك يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( طلب العلم فريضة على كل مسلم ) . قال إبراهيم : لم أسمع من أنس بن مالك إلا هذا الحديث . وفرض على الكفاية ، كتحصيل الحقوق{[8388]} وإقامة الحدود والفصل بين الخصوم ونحوه ؛ إذ لا يصلح{[8389]} أن يتعلمه جميع الناس فتضيع أحوالهم وأحوال سراياهم{[8390]} وتنقص أو تبطل معايشهم ، فتعين بين الحالين أن يقوم به البعض من غير تعيين ، وذلك بحسب ما يسره الله لعباده وقسمه بينهم من رحمته وحكمته بسابق قدرته وكلمته .

السادسة - طلب العلم فضيلة عظيمة ومرتبة شريفة لا يوازيها عمل ، روى الترمذي من حديث أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من سلك طريقا يلتمس فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء ، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ، وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر ) . وروى الدارمي أبو محمد في مسنده قال : حدثنا أبو المغيرة حدثنا الأوزاعي عن الحسن قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجلين كانا في بني إسرائيل ، أحدهما كان عالما يصلي المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير . والآخر يصوم النهار ويقوم الليل ، أيهما أفضل ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فضل هذا العالم الذي يصلي المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير على العابد الذي يصوم النهار ويقوم الليل كفضلي على أدناكم ) . أسنده أبو عمر في كتاب بيان العلم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فضل العالم على العابد كفضلي على أمتي ) . وقال ابن عباس : أفضل الجهاد من بنى مسجدا يعلم فيه القرآن والفقه والسنة . رواه شريك عن ليث بن أبي سليم عن يحيى بن أبي كثير عن علي الأزدي قال : أردت الجهاد فقال لي ابن عباس : ألا أدلك على ما هو خير لك من الجهاد ، تأتي مسجدا فتقرئ فيه القرآن وتعلم فيه الفقه{[8391]} . وقال الربيع سمعت الشافعي يقول : طلب العلم أوجب من الصلاة النافلة . وقوله عليه السلام : ( إن الملائكة لتضع أجنحتها . . . ) الحديث يحتمل وجهين : أحدهما : أنها تعطف عليه وترحمه ، كما قال الله تعالى فيما وصى به الأولاد من الإحسان إلى الوالدين بقوله : " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة{[8392]} " [ الإسراء : 24 ] أي تواضع لهما . والوجه الآخر : أن يكون المراد بوضع الأجنحة فرشها ؛ لأن في بعض الروايات ( وإن الملائكة تفرش أجنحتها ) أي إن الملائكة إذا رأت طالب العلم يطلبه من وجهه ابتغاء مرضات الله وكانت سائر أحواله مشاكلة لطلب العلم فرشت له أجنحتها في رحلته وحملته عليها ، فمن هناك يسلم فلا يحفى إن كان ماشيا ولا يعيا ، وتقرب عليه الطريق البعيدة ولا يصيبه ما يصيب المسافر من أنواع الضرر كالمرض وذهاب المال وضلال الطريق . وقد مضى شيء من هذا المعنى في " آل عمران " عند قوله تعالى : " شهد الله . . . " الآية{[8393]} . روى عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة ) . قال يزيد بن هارون : إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم ؟ . قلت : وهذا قول عبدالرزاق في تأويل الآية ، إنهم أصحاب الحديث ، ذكره الثعلبي . سمعت شيخنا الأستاذ المقرئ النحوي المحدث أبا جعفر أحمد بن محمد بن محمد القيسي القرطبي المعروف بابن أبي حجة رحمه الله يقول في تأويل قوله عليه السلام : ( لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة ) إنهم العلماء ، قال : وذلك أن الغرب لفظ مشترك يطلق على الدلو الكبيرة وعلى مغرب الشمس ، ويطلق على فيضة من الدمع . فمعنى ( لا يزال أهل الغرب ) أي لا يزال أهل فيض الدمع من خشية الله عن علم به وبأحكامه ظاهرين ، الحديث . قال الله تعالى : " إنما يخشى الله من عباده العلماء{[8394]} " [ فاطر : 28 ] . قلت : وهذا التأويل يعضده قوله عليه السلام في صحيح مسلم : ( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة ) . وظاهر هذا المساق أن أوله مرتبط بآخره . والله أعلم .


[8381]:راجع ج 10 ص 108.
[8382]:راجع ص 198 من هذا الجزء.
[8383]:في الأصول: "ويقضون به على وجوب العمل" الخ والتصويب عن ابن العربي.
[8384]:راجع ج 17 ص 315 ، 322.
[8385]:راجع ج 17 ص 315 ، 322.
[8386]:يقال: مالي بفلان يدان أي طاقة.
[8387]:عبد القدوس روى عن أبي سعيد كما في الميزان.
[8388]:كذا في الأصول: جميعا.
[8389]:في هـ : يصح.
[8390]:كذا في ع وفي ب و هـ و ك: سواهم.
[8391]:في ب: السنة.
[8392]:راجع ج 10 ص 236 فما بعد.
[8393]:راجع ج 4 ص 40.
[8394]:راجع ج 14 ص.