قوله تعالى : { وإذ واعدنا } . هو من المفاعلة التي تكون من الواحد كقولهم : عافاك الله ، وعاقبت اللص ، وطارقت النعل . وقال الزجاج : كان من الله الأمر ومن موسى القبول ، فلذلك ذكر بلفظ المواعدة ، وقرأ أبو عمرو وأهل البصرة وإذ وعدنا من الوعد .
قوله تعالى : { موسى } . اسم عربي عرب وهو بالعبرانية الماء والشجر سمي به لأنه أخذ من بين الماء والشجر ، ثم قلبت الشين المعجمة سيناً في العربية .
قوله تعالى : { أربعين ليلة } . أي انقضاؤها : ثلاثين من ذي القعدة وعشر من ذي الحجة ، وقرن بالليل دون النهار لأن شهور العرب وضعت على سير القمر ، والهلال إنما يهل بالليل وقيل : لأن الظلمة أقدم من الضوء ، وخلق الليل قبل النهار ، قال الله تعالى : ( وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ) وذلك أن بني إسرائيل لما أمنوا من عدوهم ودخلوا مصر لم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتهون إليهما ، فوعد الله موسى أن ينزل عليهم التوراة فقال موسى لقومه : إني ذاهب لميقات ربكم آتيكم بكتاب فيه بيان ما تأتون وما تذرون ، وواعدهم أربعين ليلة ، ثلاثين من ذي القعدة وعشر من ذي الحجة ، واستخلف عليهم أخاه هارون فلما أتى الوعد جاء جبريل على فرس يقال له فرس الحياة لا يصيب شيئاً إلا حيي ليذهب بموسى إلى ربه ، فلما رآه السامري وكان رجلاً صائغاً من أهل باجرمي واسمه ميخا ، وقال سعيد بن جبير : كان من أهل كرمان ، وقال ابن عباس : اسمه موسى بن ظفر ، وقال قتادة : كان من بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة ، ورأى مواضع قدم الفرس تخضر من ذلك وكان منافقا أظهر الإسلام وكان من قوم يعبدون البقر فلما رأى جبرائيل على ذلك الفرس علم أن لهذا شأنا فأخذ قبضة من تربة حافر فرس جبرائيل عليه السلام . قال عكرمة : ألقى في روعه أنه إذا ألقى في شيء غيره ، حيي وكانت بنو إسرائيل قد استعاروا حلياً كثيرة من قوم فرعون حين أرادوا الخروج من مصر لعلة عرس لهم ، فأهلك الله فرعون وبقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل ، فلما فصل موسى قال السامري لبني إسرائيل : إن الحلي التي استعرتموها من قوم فرعون غنيمة لا تحل لكم ، فاحفروا حفرة وادفنوها فيها حتى يرجع موسى فيرى فيها رأيه . وقال السدي : إن هارون عليه السلام أمرهم أن يلقوها في حفيرة ، حتى يرجع موسى ففعلوا ، فلما اجتمعت الحلي صاغها السامري عجلاً في ثلاثة أيام ثم ألقى فيها القبضة التي أخذها من تراب أثر فرس جبرائيل عليه السلام ، فخرج عجلاً من ذهب مرصعاً بالجواهر كأحسن ما يكون ، فخار خورة ، وقال السدي : كان يخور ويمشي فقال السامري ( هذا إلهكم وإله موسى فنسي ) أي فتركه هاهنا وخرج يطلبه . وكانت بنو إسرائيل قد أخلفوا الوعد فعدوا اليوم مع الليلة يومين فلما مضت عشرون يوماً ولم يرجع موسى وقعوا في الفتنة . وقيل : كان موسى قد وعدهم ثلاثين ليلة ثم زيدت العشرة فكانت فتنتهم في تلك العشرة فلما مضت الثلاثون ولم يرجع موسى ظنوا أنه قد مات ورأوا العجل وسمعوا قول السامري فعكف ثمانية آلاف رجل منهم على العجل يعبدونه وقيل : كلهم عبدوه إلا هارونمع اثني عشر ألف رجل وهذا أصح . وقال الحسن كلهم عبدوه إلا هارون وحده فذلك قوله تعالى : { ثم اتخذتم العجل } . أي إلهاً .
قوله تعالى : { من بعده } . أظهر ابن كثير و حفص الذال من أخذت واتخذت والآخرون يدغمونها .
قوله تعالى : { وأنتم ظالمون } . ضارون لأنفسكم بالمعصية واضعون العبادة في غير موضعها .
ولما كان{[2349]} فرق البحر للإبقاء البدني وكان إنزال الكتاب للإبقاء الديني عقبه به ، وكان الطبع السليم والمزاج المستقيم يقتضي إحسان العمل زمن{[2350]} المواعدة واستعطاف المواعدة والترفق له والتملق{[2351]} بما تحقق الرجاء في إنجاز وعده ، لا سيما بعد بليغ إحسانه بالإنجاء من العدو وإهلاكه ؛ نعى عليهم عملهم بخلاف ذلك بقوله{[2352]} : { وإذ } .
و{[2353]}قال الحرالي : لما ذكّرهم تعالى بأمر الوفاء بالعهد الذي هو خاتمة أمرهم وبالتفصيل الذي كان بادية أمرهم ، نظم ذلك بالأمر المتوسط بين الطرفين الذي أعلاه مواعدة موسى {[2354]}عليه السلام{[2355]} ربه الذي النعمة عليه نعمة عليهم ، فقال : وإذ { واعدنا }{[2356]} من الوعد وهو الترجية بالخير ، وواعدنا من المواعدة وهي التقدم في اللقاء والاجتماع والمفاوضة ونحوه .
{ موسى } كلمة معربة من لفظ العبراني بما تفسيره فيما يقال ماء وشجر ، سمي{[2357]} به لما أودع فيه من التابوت المقذوف في اليم .
{ أربعين ليلة } هي كمال وقت الليل والليل وقت انطماس المدركات الظاهرة - انتهى .
{[2358]}وخص الليل{[2359]} بالذكر إشارة إلى أن ألذ المناجاة فيه ، وإلى أنه لا نوم في تلك المدة بل المناجاة عامة لليلها ونهارها ، وانتصب أربعين بوقوعه موقع المفعول الثاني لوعدنا أي انقضاء أربعين أي الكلام أو إنزال التوراة عند انقضاء الأربعين{[2360]} ، وهي ذو القعدة وعشر من ذي الحجة وقيل ذو الحجة وعشر من المحرم .
قال الحرالي : وفيه إشعار بأن المناجاة إنما يتهيأ لها لميقات حبس النفس عما به قوامها وكمال ذلك إنما هو الصوم وكمال العدد الذي هو طور{[2361]} مصير من حال إلى حال هو الأربعون . وذكر الميقات بالليالي يشعر أن مناجاته صباح من{[2362]} ظلمة الكون في حال خصوص الخلقة من حيث إن الظلمة آية على فوت مرام نور الحق والنهار آية على ظهور نور الحق وأول بادٍ بدأ من الحق للخلق كلامه لمصطفى من خلقه بغير واسطة وهو بعد في دنياه وفي أرضه التي كانت سجناً ، فلما جاءها الحق لعبد من عبيده{[2363]} مناجياً له كما يأتيها يوم الجزاء بعد البعث صارت موطن رحمة وهدى ونور وهو مجيء الله سبحانه من سيناء المذكور في الكتاب الأول - انتهى .
وهذا دون قصة المعراج التي كانت لنبينا صلى الله عليه وسلم في اختراق السماوات العلى إلى سدرة المنتهى إلى ما لا يعلمه إلاّ الله تعالى وسمع الكلام من غير واسطة ورجع إلى بيته في ليلته وقد قطع من المسافات ما مسيرته خمسون ألف سنة كما سأبينه إن شاء الله تعالى في سورة السجدة .
ولما كانت الأنفس الأبيّة والهمم العلية تقتضي النفرة من الظالم{[2364]} والأنفة من كل ما ينسب إليه ويذكّر به ، وكانوا قد اتخذوا من آثار آل فرعون من حليهم ما دخلوا في رقه وعبوديته ، وكانت مشاهدتهم لما رأوا من الآيات مقتضية لغاية البعد من الكفر ؛ عبر عن مواقعتهم له بثم فقال : { ثم اتخذتم } ، قال الحرالي : من الاتخاذ وهو افتعال مما منه المواخذة كأنه الوخذ ، وهو تصيير في المعنى نحو الأخذ في الحس ، وفيه تكلف .
{ العجل } وذكر في هذا التقرير أصل المواعدة وذكر الميقات وتجاوز الخطاب ما بعد ذلك {[2365]}من مهل{[2366]} حسب ما تفهمه كلمة ثم ، فاقتضى إفهام ذلك ما نالوه من الخير ، ثم تعقبوا ذلك بالتزام عادتهم في معاودة ما اعتادوه من أعمالهم إلى أدنى عمل من لا عقل له{[2367]} ولا بقية نظر له من اتخاذ جسد عجل إلهاً بعد معرفة آثار الإلهية على الغيب ، ففيه تعجيب من أن موسى {[2368]}عليه السلام{[2369]} إنما واعده الله بالمناجاة بعد ميقات أربعين صوماً ونسكاً وتحنثاً{[2370]} وانقطاعاً إلى ربّه ، ثم يرونهم أنهم شهدوا الإله{[2371]} مصوراً محسوساً على أن موسى الذي ناجاه ربّه منع الرؤية فكيف بهم{[2372]} وذلك هو ظلمهم ، فوضعوا الإله محل الشيء المحسوس ، وهو تعالى قد تعالى عن أن يراه صفيه الذي ناجاه في دنياه وإنما ناجاه بعد ميقاته ، وهم يهمون في تألّه مرئي من غير مواعدة ولا اختصاص ! وفي قوله تعالى { من بعده } أي من بعد إتيانه لميعادنا{[2373]} إضمار لذكر{[2374]} موسى عليه السلام ، تقريراً لما كان ينبغي أن يكونوا عليه من الارتقاب لما يأتيهم به موسى{[2375]} من فوائد المناجاة ، كما يكون من تعلق قلبه بمن هو قدوته{[2376]} ، والبعد بعد عن حد يتخذ{[2377]} مبدأ ليكون سابقه قبل ولاحقه بعد{[2378]} - انتهى .
{[2379]}واثبات الجار لأن اتخاذهم ذلك لم يستغرق زمان البعد{[2380]} .
{ وأنتم ظالمون } فاعلون فعل من هو في أظلم الظلام بعد أنجاءكم موسى{[2381]} بالنور المبين .