قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } ، قرأ أهل المدينة والشام : يرتدد بدالين على إظهار التضعيف ، عن دينه فيرجع إلى الكفر . قال الحسن : علم الله تبارك وتعالى أن قوماً يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم صلى الله عليه وسلم فأخبر أنه سيأتي بقوم يحبهم الله ويحبونه . واختلفوا في أولئك القوم من هم ؟ قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، والحسن ، وقتادة : هم أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ومانعي الزكاة ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قبض ارتد عامة العرب إلا أهل مكة ، والمدينة ، والبحرين ، من عبد القيس . ومنع بعضهم الزكاة ، وهمّ أبو بكر رضي الله عنه بقتالهم ، فكره ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال عمر رضي الله عنه : كيف نقاتل الناس ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله عز وجل ) ؟ فقال أبو بكر : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، فغن الزكاة حق المال ، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها ، قال أنس بن مالك رضي الله عنه : كرهت الصحابة قتال مانعي الزكاة ، وقالوا : أهل القبلة ، فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده ، فلم يجدوا بداً من الخروج على أثره . قال ابن مسعود : كرهنا ذلك في الابتداء . ثم حمدناه عليه في الانتهاء . قال أبو بكر بن عياش : سمعت أبا حصين يقول : ما ولد بعد النبيين مولود أفضل من أبي بكر رضي الله عنه ، لقد قام مقام نبي من الأنبياء في قتال أهل الردة . وكان قد ارتد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث فرق : منهم بنو مدلج ، ورئيسهم ذو الحمار عيهلة بن كعب العنسي ، ويلقب بالأسود ، وكان كاهناً مشعبذاً ، فتنبأ باليمن ، واستولى على بلاده ، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل ومن معه من المسلمين ، وأمرهم أن يحثوا الناس على التمسك بدينهم ، وعلى النهوض إلى حرب الأسود ، فقتله فيروز الديلمي على فراشه ، قال ابن عمر رضي الله عنه : فأتى الخبر النبي صلى الله عليه وسلم من السماء الليلة التي قتل فيها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قتل الأسود البارحة ، قتله رجل مبارك ، قيل : ومن هو ؟ قال : فيروز ، فبشر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بهلاك الأسود ، وقبض صلى الله عليه وسلم من الغد ، وأتى خبر مقتل العنسي المدينة في آخر شهر ربيع الأول بعدما خرج أسامة ، وكان ذلك أول فتح جاء أبا بكر رضي الله عنه .
والفرقة الثانية : بنو حنيفة باليمامة ، ورئيسهم مسيلمة الكذاب ، وكان قد تنبأ في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر سنة عشر ، وزعم أنه أشرك مع محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة ، وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
من مسيلمة رسول الله ، إلى محمد رسول الله ، أما بعد ، فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك .
وبعث إليه مع رجلين من أصحابه ، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما " ثم أجاب :
" من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مسيلمة الكذاب ، أما بعد ، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ، والعاقبة للمتقين " .
ومرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتوفي ، فبعث أبو بكر خالد بن الوليد إلى مسيلمة الكذاب في جيش كثير حتى أهلكه الله على يدي وحشي غلام مطعم بن عدي الذي قتل حمزة بن عبد المطلب ، بعد حرب شديد ، وكان وحشي يقول : قتلت خير الناس في الجاهلية ، وشر الناس في الإسلام .
والفرقة الثالثة : بنو أسد ، ورئيسهم طليحة بن خويلد ، وكان طليحة آخر من ارتد ، وادعى النبوة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأول من قوتل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الردة ، فبعث أبو بكر خالد بن الوليد إليه ، فهزمهم خالد بعد قتال شديد ، وأفلت طليحة ، ففر على وجهه هارباً نحو الشام ، ثم إنه أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه . وارتد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة أبي بكر رضي الله عنه خلق كثير ، حتى كفى الله المسلمين أمرهم ، ونصر دينه على يدي أبي بكر رضي الله عنه . قالت عائشة : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب ، واشرأب النفاق ، ونزل بأبي بكر ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها .
وقال قوم : المراد بقوله : { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } هم الأشعريون . روي عن عياض بن غنم الأشعري قال : لما نزلت هذه الآية { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هم قوم هذا ، وأشار إلى أبي موسى الأشعري ) . وكانوا من اليمن .
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي ، أنا أبو الحسن الطيسفوني ، أنا أبو عبد الله بن عمر الجوهري ، أنا أحمد بن علي الكشميهني ، حدثنا علي ابن حجر ، أنا إسماعيل بن جعفر ، أنا محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبي موسى ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أتاكم أهل اليمن ، هم أضعف قلوباً وأرق أفئدةً ، الإيمان يمان ، والحكمة يمانية ) .
وقال الكلبي : هم أحياء من اليمن ، ألفان من النخع ، وخمسة آلاف من كندة وبجيلة ، وثلاثة آلاف من أفناء الناس ، فجاهدوا في سبيل الله يوم القادسية في أيام عمر رضي الله عنه .
قوله تعالى : { أذلة على المؤمنين } ، يعني : أرقاء رحماء ، لقوله عز وجل : { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة } ، ولم يرد به الهوان ، بل أراد به أن جانبهم لين على المؤمنين . وقيل : هو من الذل من قولهم ، دابة ذلول ، يعني أنهم متواضعون ، قال الله تعالى : { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً } .
قوله تعالى : { أعزة على الكافرين } ، أي : أشداء غلاظ على الكفار ، يعادونهم ويغالبونهم ، من قولهم : عزه أي غلبه . قال عطاء : ( أذلة على المؤمنين ) كالولد لوالده ، والعبد لسيده ، ( أعزة على الكافرين ) : كالسبع على فريسته ، نظيره قوله تعالى : { أشداء على الكفار رحماء بينهم } .
قوله تعالى : { يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم } ، يعني : لا يخافون في الله لومة الناس ، وذلك أن المنافقين كانوا يراقبون الكفار ويخافون لومهم .
وروينا عن عبادة بن الصامت قال : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة ، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم .
قوله تعالى : { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء } ، أي محبتهم لله ، ولين جانبهم للمسلمين ، وشدتهم على الكافرين ، من فضل الله عليهم .
{ من يرتد منكم عن دينه } خطاب على وجه التحذير والوعيد ، وفيه إعلام بارتداد بعض المسلمين فهو إخبار بالغيب قبل وقوعه ، ثم وقع فارتد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب ، وبنو مدلج قوم الأسود العنسي الذي ادعى النبوة ، وقتل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد الذي ادعى النبوة ثم أسلم وجاهد ، ثم كثر المرتدون ، وفشا أمرهم بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى كفى الله أمرهم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وكانت القبائل التي ارتدت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع قبائل بنو فزارة وغطفان وبنو سليم وبنو يربوع وكندة ، وبنو بكر بن وائل ، وبعض بني تميم ، ثم ارتدت غسان في زمان عمر بن الخطاب ، وهم جبلة بن الأيهم الذي تنصر من أجل اللطمة .
{ فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه } روي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها ، وقال : هم قوم هذا يعني أبا موسى الأشعري ، والإشارة بذلك والله أعلم إلى أهل اليمن ، لأن الأشعريين من أهل اليمن ، وقيل : المراد أبي بكر الصديق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ويقوي ذلك ما ظهر من أبي بكر الصديق رضي الله عنه من الجد في قتالهم ، والعزم عليه حين خالفه في ذلك بعض الناس ، فاشتد عزمه حتى وافقوه وأجمعوا عليه فنصرهم الله على أهل الردة ، ويقوي ذلك أيضا أن الصفات التي وصف بها هؤلاء القوم هي أوصاف أبي بكر ، ألا ترى قوله :{ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } وكان أبو بكر ضعيفا في نفسه قويا في الله ، وكذلك قوله :{ ولا يخافون لومة لائم } إشارة إلى من خالف أبا بكر ولامه في قتال أهل الردة فلم يرجع عن عزمه .
{ أذلة على المؤمنين } كقوله :{ أشداء على الكفار رحماء بينهم }[ الفتح :29 ] ، وإنما تعدى أذلة بعلى ، لأنه تضمن معنى العطف والحنو ، فإن قيل : أين الراجع من الجزاء إلى الشرط ؟ فالجواب : أنه محذوف تقديره من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم مكانهم أو بقوم يقاتلونهم .