قوله تعالى : { وجاهدوا في الله حق جهاده } قيل : جاهدوا في سبيل الله أعداء الله حق جهاده هو استفراغ الطاقة فيه ، قاله ابن عباس : وعنه أيضاً أنه قال : لا تخافوا في الله لومة لائم فهو حق الجهاد ، كما قال تعالى : { يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم } قال الضحاك و مقاتل : اعملوا لله حق عمله واعبدوه حق عبادته . وقال مقاتل بن سليمان : نسخها قوله : { فاتقوا الله ما استطعتم } وقال أكثر المفسرين : حق الجهاد أن تكون نيته خالصةً لله عز وجل . وقال السدي : هو أن يطاع فلا يعصى . وقال عبد الله بن المبارك : هو مجاهدة النفس والهوى ، وهو الجهاد الأكبر ، وهو حق الجهاد . وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك قال : " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " وأراد بالجهاد الأصغر الجهاد مع الكفار ، وبالجهاد الأكبر الجهاد مع النفس{ هو اجتباكم } يعني : اختاركم لدينه { وما جعل عليكم في الدين من حرج } ضيق ، معناه : أن المؤمن لا يبتلى بشيء من الذنوب إلا جعل الله له منه مخرجاً ، بعضها بالتوبة ، وبعضها برد المظالم والقصاص ، وبعضها بأنواع الكفارات ، فليس في دين الإسلام ذنب لا يجد العبد سبيلاً إلى الخلاص من العقاب فيه . وقيل : من ضيق في أوقات فروضكم مثل هلال شهر رمضان والفطر ووقت الحج إذا التبس ذلك عليكم ، وسع ذلك عليكم حتى تتيقنوا . وقال مقاتل : يعني الرخص عند الضرورات ، كقصر الصلاة في السفر ، والتيمم عند فقد الماء وأكل الميتة عند الضرورة ، والإفطار بالسفر والمرض ، والصلاة قاعداً عند العجز . وهو قول الكلبي . وروي عن ابن عباس أنه قال : الحرج ما كان على بني إسرائيل من الأعمال التي كانت عليهم ، وضعها الله عن هذه الأمة . { ملة أبيكم إبراهيم } يعني : كلمة أبيكم ، نصب بنزع حرف الصفة . وقيل : نصب على الإغراء ، أي اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم ، وإنما أمرنا باتباع ملة إبراهيم لأنها داخلة في ملة محمد صلى الله عليه وسلم . فإن قيل : فما وجه قوله : { ملة أبيكم } وليس كل المسلمين يرجع نسبهم إلى إبراهيم . قيل : خاطب به العرب وهم كانوا من نسل إبراهيم . وقيل : خاطب به جميع المسلمين ، وإبراهيم أب لهم ، على معنى وجوب احترامه وحفظ حقه كما يجب احترام الأب ، وهو كقوله تعالى : { وأزواجه أمهاتهم } وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنما أنا لكم مثل الوالد " { هو سماكم } يعني : إن الله تعالى سماكم { المسلمين من قبل } يعني من قبل نزول القرآن في الكتب المتقدمة . { وفي هذا } يعني : في هذا الكتاب ، هذا قول أكثر المفسرين . وقال ابن زيد ( ( هو ) ) يرجع إلى إبراهيم سماكم المسلمين في أيامه ، من قبل هذا الوقت ، وفي هذا الوقت ، وهو قوله : { ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمةً مسلمة لك } { ليكون الرسول شهيداً عليكم } يوم القيامة أن قد بلغكم ، { وتكونوا } أنتم ، { شهداء على الناس } أن رسلهم قد بلغتهم ، { فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله } ثقوا بالله وتوكلوا عليه . قال الحسن : تمسكوا بدين الله . وروي عن ابن عباس قال : سلوا ربكم أن يعصمكم من كل ما يكره . وقيل : معناه ليثبتكم على دينه . وقيل : الاعتصام بالله هو التمسك بالكتاب والسنة ، { هو مولاكم } وليكم وناصركم وحافظكم ، { فنعم المولى ونعم النصير } الناصر لكم .
قوله تعالى : " وجاهدوا في الله حق جهاده " قيل : عنى به جهاد الكفار . وقيل : هو إشارة إلى امتثال جميع ما أمر الله به ، والانتهاء عن كل ما نهى الله عنه ، أي جاهدوا أنفسكم في طاعة الله وردوها عن الهوى ، وجاهدوا الشيطان في رد وسوسته ، والظلمة في رد ظلمهم ، والكافرين في رد كفرهم . قال ابن عطية : وقال مقاتل : وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى : " فاتقوا الله ما استطعتم " {[11599]} [ التغابن : 16 ] . وكذا قال هبة الله : إن قول " حق جهاده " وقوله في الآية الأخرى . " حق تقاته " {[11600]}[ آل عمران : 102 ] منسوخ بالتخفيف إلى الاستطاعة في هذه الأوامر . ولا حاجة إلى تقدير النسخ ، فإن هذا هو المراد من أول الحكم ؛ لأن " حق جهاده " ما ارتفع عنه الحرج . وقد روى سعيد بن المسيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خير دينكم أيسره ) . وقال أبو جعفر النحاس . وهذا مما لا يجوز أن يقع فيه نسخ ، لأنه واجب على الإنسان ، كما روى حيوة بن شريح يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( المجاهد من جاهد نفسه لله عز وجل ) . وكما روى أبو غالب عن أبي أمامة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الجهاد أفضل ؟ عند الجمرة الأولى فلم يجبه ، ثم سأله عند الجمرة الثانية فلم يجبه ، ثم سأله عند جمرة العقبة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أين السائل ؟ فقال : أنا ذا ، فقال عليه السلام : ( كلمة عدل عند سلطان جائر ) .
قوله تعالى : " هو اجتباكم " أي اختاركم للذب عن دينه والتزام أمره ، وهذا تأكيد للأمر بالمجاهدة ، أي وجب عليكم أن تجاهدوا لأن الله اختاركم له .
الأولى-قوله تعالى : " من حرج " أي من ضيق . وقد تقدم في " الأنعام " {[11601]} . وهذه الآية تدخل في كثير من الأحكام ، وهي مما خص الله بها هذه الأمة . روى معمر عن قتادة قال : أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم يعطها إلا نبي : كان يقال للنبي اذهب فلا حرج عليك ، وقيل لهذه الأمة : " وما جعل عليكم في الدين من حرج " . والنبي شهيد على أمته ، وقيل لهذه الأمة : " لتكونوا شهداء على الناس " . ويقال للنبي : سل تعطه ، وقيل لهذه الأمة : " ادعوني أستجب لكم " {[11602]} . الثانية-واختلف العلماء في هذا الحرج الذي رفعه الله تعالى ، فقال عكرمة : هو ما أحل من النساء مثنى وثلاث ورباع ، وما ملكت يمينك . وقيل : المراد قصر الصلاة ، والإفطار للمسافر ، وصلاة الإيماء لمن لا يقدر على غيره ، وحط الجهاد عن الأعمى والأعرج والمريض والعديم الذي لا يجد ما ينفق في غزوه ، والغريم ومن له والدان ، وحط الإصر الذي كان على بني إسرائيل . وقد مضى تفصيل أكثر هذه الأشياء{[11603]} . وروي عن ابن عباس والحسن البصري ( أن هذا في تقديم الأهلة وتأخيرها في الفطر والأضحى والصوم ، فإذا أخطأت الجماعة هلال ذي الحجة فوقفوا قبل يوم عرفة بيوم أو وقفوا يوم النحر أجزأهم ) ، على خلاف فيه بيناه في كتاب المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس رضي الله عنه . وما ذكرناه هو الصحيح في الباب . وكذلك الفطر والأضحى ؛ لما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن المنكدر عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون ) . خرجه أبو داود والدارقطني ، ولفظه ما ذكرناه . والمعنى : باجتهادكم من غير حرج يلحقكم . وقد روى الأئمة أنه عليه السلام سئل يوم النحر عن أشياء ، فما يسأل عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم الأمور بعضها قبل بعض وأشباهها إلا قال فيها : ( افعل ولا حرج ) .
الثالثة-قال العلماء : رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع ، وأما السَّلاَّبَة والسُّرَّاق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج ، وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين ، وليس في الشرع أعظم حرجا من إلزام ثبوت رجل لاثنين في سبيل الله تعالى ، ومع صحة اليقين وجودة العزم ليس بحرج .
قوله تعالى : " ملة أبيكم " قال الزجاج : المعنى اتبعوا ملة أبيكم . الفراء : انتصب على تقدير حذف الكاف ، كأنه قال كملة . وقيل : المعنى وافعلوا الخير فعل أبيكم ، فأقام الفعل مقام الملة . وإبراهيم هو أبو العرب قاطبة . وقيل : الخطاب لجميع المسلمين ، وإن لم يكن الكل من ولده ؛ لأن حرمة إبراهيم على المسلمين كحرمة الوالد على الولد . " هو سماكم المسلمين من قبل " قال ابن زيد والحسن : " هو " راجع إلى إبراهيم ، والمعنى : هو سماكم المسلمين من قبل النبي صلى الله عليه وسلم . " وفي هذا " أي وفي حكمه أن من اتبع محمدا صلى الله عليه وسلم فهو مسلم . قال ابن زيد : وهو معنى قوله : " ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك " {[11604]}[ البقرة : 128 ] . قال النحاس : وهذا القول مخالف لقول عظماء{[11605]} الأمة . روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : ( سماكم الله عز وجل المسلمين من قبل ، أي في الكتب المتقدمة وفي هذا القرآن ) ، قاله مجاهد وغيره .
" ليكون الرسول شهيدا عليكم " أي بتبليغه إياكم . " وتكونوا شهداء على الناس " أن رسلهم قد بلغتهم ، كما تقدم في " البقرة " {[11606]} . " فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير " تقدم مستوفى والحمد لله [ رب العالمين ]{[11607]} .