{ أولئك هم المؤمنون حقا } لأنهم حققوا إيمانهم بأن ضموا إليه مكارم أعمال القلوب من الخشية والإخلاص والتوكل ، ومحاسن أفعال الجوارح التي هي العيار عليها من الصلاة والصدقة ، و{ حقا } صفة مصدر محذوف أو مصدر مؤكد كقوله : { وعد الله حقا } . { لهم درجات عند ربهم } كرامة وعلو منزلة . وقيل درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم . { ومغفرة } لما فرط منهم . { ورزق كريم } أعد لهم في الجنة لا ينقطع عدده ولا ينتهي أمده .
{ أولئك } أي المتصفون بما ذكر من الفات الحميدة من حيث إنهم كذلك { هُمُ المؤمنون حَقّاً } لأنهم حقوا إيمانهم بأن ضموا إليه ما فضل من أفاضل الأعمال .
وأخرج الطبراني عن الحرث بن مالك الأنصاري أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : " كيف أصبحت يا حارث قال : أصبحت مؤمناً حقاً فقال صلى الله عليه وسلم : انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك ؟ فقال : عزفت نفسي عن الدنيا فاسهرت ليلي وأظمأت نهاري وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأني أنظر إلى أهل النار يتصارخون فيها قال عليه الصلاة والسلام : يا حارث عرفت فالزم ثلاثاً " ونصب { حَقّاً } على أنه صفة مصدر محذوف فالعامل فيه المؤمنون أي إيماناً حقاً أو هو مؤكد لمضمون الجملة فالعامل فيه حق مقدر ، وقيل : إنه يجوز أن يكون مؤكداً لمضمون الجملة التي بعده فهو ابتداء كلام ، وهو مع أنه خلاف الظاهر إنما يتجه على القول بجواز تقديم المصدر المؤكد لمضمون الجملة عليها والظاهر منعه كالتأكيد ، واستدل بعضهم بالآية على أنه لا يجوز أن يصف أحد نفسه بكونه مؤمناً حقاً لأنه سبحانه وتعالى : إنما وصف بذلك أقواماً على أوصاف مخصوصة وكل أحد لا يتحقق وجود تلك الأوصاف فيه بل يلزمه أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله تعالى .
وقرر بعضهم وجه الاستدلال بما يشير إليه ما روى عن الثوري أنه قال : من زعم أنه مؤمن بالله تعالى حقاً ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة فقد آمن بنصف الآية ولم يؤمن بالنصف الآخر ، وهذا ظاهر في أن مذهبه الاستثناء ، وهو كما قال الإمام مذهب ابن مسعود وتبعه جمع عظيم من الصحابة والتابعين ، وبه قال الشافعي ونسب إلى مالك وأحمد ، ومنعه الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه ؛ وروى عنه أنه قال لقتادة : لم تستثني في إيمانك ؟ قال : اتباعاً لإبراهيم عليه السلام في قوله تعالى : { والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين } [ الشعراء : 82 ] فقال له : هلا اقتديت به في قوله بلى حين قيل له { أو لم تؤمن } [ البقرة : 260 ] ؟ فانقطع قتادة ؛ قال الرازي كان لقتادة أن يجيب أبا حنيفة عليهما الرحمة ويقول : قول إبراهيم عليه السلام { ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } بعد قوله بلى طلب لمزيد الطمأنينة وذلك يدل على جواز الاستثناء .
وفي «الكشف » أن الحق أن من جوز الاستثناء إنما جوز إذا سئل عن الايمان مطلقاً أما إذا قيل : هل أنت مؤمن بالقدر مثلاً فقال : أنا مؤمن إن شاء الله تعالى لا يجوز لا لأن التبرك لا معنى له بل للإبهام فيما ليس له فائدة ، وأما في الأول فلما كان الإطلاق يدل على الكمال وهو الايمان المنتفع به في الآخرة علق بالمشيئة تفاؤلاً وتيمناً ، وذلك لأن الكلمة خرجت عن موضوعها الأصلي إلى المعنى الذي ذكر في عرف الاستعمال تراهم يستعملونها في كل ما لهم اهتمام بحصوله شائعاً بين العرب والعجم فلا وجه لقول من قال : إن معنى التبرك أنا أشك في إيماني تبركاً وذلك لأن المشيئة عنده غير مشكوكة عنده بل هو تعليق بما لا بدمنه نظراً إلى أنه السبب الأصلي وأنه تفويض من العبد إلى الله تعالى ومن فوض كفي لا نظراً إلى أن المشيئة غيب غير معلوم فيكون شكا في الايمان ، وقد جاء «من شك في إيمانه فقد كفر » وما أحسن ما نقل عن الحسن أن رجلاً سأله أمؤمن أنت ؟ فقال : الايمان إمامان فإن كنت تسألني عن الايمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن وإن كنت تسألني عن قوله تعالى
{ إِنَّمَا المؤمنون } [ الأنفال : 2 ] الخ فوالله لا أدري أمنهم أنا أم لا ؟ وهذا ونحوه ما يجعل الخلاف لفظياً ، وقد صرح بذلك جمع من المحققين عليهم الرحمة .
{ لَّهُمْ درجات عِندَ رَبّهِمْ } أي كرامة وعلو مكانة على أن يراد بالدرجات العلو المعنوي وقد يراد بها العلو الحسي ، وفي الخبر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : «في الجنة مائة درجة لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم » وعن الربيع بن أنس «سبعون درجة ما بين كل درجتين حضر الفرس المضمر سبعين سنة » ووجه الجمع على الوجهين ظاهر ، والتنوين للتفخيم والظرف ، إما متعلق بمحذوف وقع صفة لها مؤكدة لما أفاده التنوين أو بما تعلق به الخبر أعني لهم من الاستقرار .
وجوز أبو البقاء أن يكون العامل فيه { درجات } لأن المراد بها الأجور ، وفي إضافته إلى الرب المضاف إلى ضميرهم مزيد تشريف لهم ولطف بهم وإيذان بأن ما وعدهم متيقن الثبوت مأمون الفوات ، والجملة جوز أن تكون خبراً ثانياً لأولئك وأن تكون مبتدأة مبنية على سؤال نشأ من تعدد مناقبهم كأنه قيل : ما لهم بمقابلة هذه الخصال ؟ فقيل : لهم درجات { وَمَغْفِرَةٌ } عظيمة لما فرط منهم { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } وهو ما أعط لهم من نعيم الجنة . وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد القرظي قال : إذا سمعت الله تعالى يقول رزق كريم فهو الجنة . والكرم كما نقل الواحدي اسم جامع لكل ما يحمد ويستحسن في بابه فلعل وصف الرزق به هنا حقيقة .
/ وقال بعض المحققين : معنى كون الرزق كريماً أن رازقه كريم ، ومن هنا وصفوه بالكثرة وعدم الانقطاع إذ من عادة الكريم أن يجزل العطاء ولا يقعه فكيف بأكرم الأكرمين تبارك وتعالى ، وجعله نفسه كريماً على الإسناد المجازي للمبالغة ، ولم يذكروا لتوسيط المغفرة ، والظاهر كما قيل تقديمها هنا نكتة ، وربما يقال في وجه ذكر هذه الأشياء الثلاثة على هذا الوجه أن الدرجات في مقابلة الأوصاف الثلاثة أعني الوجل والإخلاص والتوكل ، ويستأنس له بالجمع والمغفرة في مقابلة إقامة الصلاة ويستأنس له بما ورد في غير ما خبر أن الصلوات مكفرات لما بينها من الخطايا وأنها تنقى الشخص من الذنوب كما ينقى الماء من الدنس ، والرزق الكريم بمقابلة الأنفاق ، والمناسبة في ذلك ظاهرة ، وإلى هذا يشير كلام أبي حيان أو يقال : قدم سبحانه الدرجات لأنها بمحض الفضل ، وذكر بعدها المغفرة لأنها أهم عندهم من الرزق مع اشتراكهما في كونهما في مقابلة شيء ، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن أبي حاتم . وأبو الشيخ عن ابن زيد أنه قال في الآية : المغفرة بترك الذنوب والرزق الكريم بالأعمال الصالحة فتدبر والله تعالى أعلم بأسرار كلامه .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً } لأنهم الذي ظهرت فيهم الصفات الحقة وغدوا مرايا لها ومن هنا قيل : المؤمن مرآة المؤمن { لَّهُمْ درجات عِندَ رَبّهِمْ } من مراتب الصفات وروضات جنات القلب { وَمَغْفِرَةٌ } لذنوب الأفعال { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } [ الأنفال : 4 ] من ثمرات أشعار التجليات الصفاتية ، وق لبعض العارفين : المغفرة إزالة الظلمات الحاصلة من الاشتغال بغير الله تعالى والرزق الكريم الأنوار الحاصلة بسبب الاستغراق في معرفته ومحبته وهو قريب مما ذكرنا .
أُولَئِكَ الذين اتصفوا بتلك الصفات هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لأنهم جمعوا بين الإسلام والإيمان ، بين الأعمال الباطنة والأعمال الظاهرة ، بين العلم والعمل ، بين أداء حقوق اللّه وحقوق عباده . وقدم تعالى أعمال القلوب ، لأنها أصل لأعمال الجوارح وأفضل منها ، . وفيها دليل على أن الإيمان ، يزيد وينقص ، فيزيد بفعل الطاعة وينقص بضدها .
وأنه ينبغي للعبد أن يتعاهد إيمانه وينميه ، . وأن أولى ما يحصل به ذلك تدبر كتاب اللّه تعالى والتأمل لمعانيه . ثم ذكر ثواب المؤمنين حقا فقال : لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي : عالية بحسب علو أعمالهم . وَمَغْفِرَةٌ لذنوبهم وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وهو ما أعد اللّه لهم في دار كرامته ، مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .
ودل هذا على أن من يصل إلى درجتهم في الإيمان - وإن دخل الجنة - فلن ينال ما نالوا من كرامة اللّه التامة .
5 - 8 كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ .
{ أولائك هُمُ المؤمنون حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } .
أى : أولئك المتصفون بتلك الصفات الكريمة هم المؤمنون إيمانا حقا { لَّهُمْ دَرَجَاتٌ } عالية ، ومكانة سامية { عِندَ رَبِّهِمْ } ولهم { وَمَغْفِرَةٌ } شاملة لما فرط منهم من ذنوب ، ولهم { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } في الجنة ، يجعلهم يحيون فيها حياة طيبة
{ لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ } وقوله { حَقّاً } منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف ، أى : أولئك هم المؤمنون إيماناً حقاً .
والتنوين في قوله { دَرَجَاتٌ } للتعظيم والتهويل أى : لهم درجات رفيعة ، ومنازل عظيمة ، وفى وصف هذه الدرجات بأنها { عِندَ رَبِّهِمْ } مزيد تشريف لهم ، ولطف بهم ، وإيذان بأن ما وعدهم به متيقن الوقوع ، لأنه وعد من كريم لا يخلف وعده - سبحانه - .
وفى وصف الرزق الذي أعده لهم بالكرم ، زيادة في إدخال السرور على قلوبهم ؛ لأن لفظ الكريم يصف به العرب كل شئ حسن في بابه ، بحيث يكون لا قبح فيه ولا شكوى معه .
وبذلك نرى أن أصحاب تلك الصفات الحميدة قد مدحهم الله - تعالى - مدحاً عظيما ، وكأفأهم على إيمانهم الحق بالدرجات العالية ، والمغفرة الشاملة ، والرزق الكريم : { ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ والله ذُو الفضل العظيم } هذا ، وقد استنبط العلماء من تلك الآيات جملة من الأحكام والآداب منها :
1- حرص الصحابة على سؤال النبى - صلى الله عليه وسلم - عما يهمهم من أمور دينهم ودنياهم .
فإن قيل : كيف تأتى لأصحابه الذين شهدوا برداً - وهم من هم في عفتهم وزهدهم - أن يختلفوا في شأن الغنائم .
فالجواب ، ، أن بعض الصحابة المشتركين في هذه الغزوة هم الذين حدث بينهم الخلاف في شأنها ؛ لأنهم لم يكن لهم عهد سابق بكيفية تقسيمها ، أما أكثر الصحابة فإنهم لم يلتفتوا إلى هذه الغنائم ، بل تركوا أمرها إلى رسول الله - يضعها كيف يشاء .
وأيضاً فإن هؤلاء الذين حدث بينهم الخلاف في شأن الغنائم ، كان من الدوافع التي دفعتهم إلى هذا الخلاف ، ما فهموه من أن حيازة الغنائم تدل على حسن البلاء ، وشدة القتال في سبيل الله ، فكان كل واحد منهم يحرص على أن يظهر بهذا المظهر المشرف وهم في أول لقاء لهم مع أعدائهم .
وعندما جاوز هذا الحرص حده ، بأن غطى على ما يجب أن يسود بينهم من سماحة وصفاء ، نزل القرآن ليربيهم بتربيته الحكيمة ، وليؤدبهم السامى ، وليخبرهم بحكم الله في شأن هذه الأنفال . . وبعد ان عرفوا حكم الله في شأنها ، قابلوه بالرضا والإِذعان والتسليم .
2- أن القرآن في ترتيبه للحوادث ، لا يلزم سردها على حسب زمن وقوعها ، وإنما يرتبها بأسلوبه الخاص الذي يراعى فيه مقتضى حال المخاطب .
فلقد افتتحت السورة التي معنا بالحديث عن الغنائم التي غنمها المسلمون في بدر - مع أن ذلك كان بعد انتهاء الغزوة - ليشعر المخاطبين من أول الأمر أن النصر في هذه الغزوة كان للمسلمين ، وأن الإِسلام قد صرع الكفر منذ أول معرفكة نازله فيها .
وهذا اللون من الافتتاح هو ما يعبر عنه البلغاء ببراعة الاستهلال .
ولقد أفاض بعض العلماء في شرح هذا المعنى فقال ما ملخصه .
وقد بدأت السورة بموضوع الأنفال واختلافهم في قسمتها وسؤالهم عنها ، فساقت في ذلك أربع آيات ، هن : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول فاتقوا الله } إلى قوله - { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } .
وقد عالجت هذه الآيات نفوس المؤمنين ، وعملت على تطهيرها من الاختلاف الذي ينشأ عن حب المال والتطلع إلى المادة ، ولا ريب أن حب المال والتطلع إلى المادة من أكبر أسباب الفشل .
ولأهمية هذا الموضوع في حياة المؤمنين بدأت به السورة ، وإن كان اختلافهم في قسمة الأنفال متأخراً في الوجود عن اختلافهم في الخروج إلى بدر ، وقتال الأعداء .
وقد عرفنا من سنة القرآن في ذكر القصص والوقائع أنه لا يعرض لها مرتبة حسب وقوعها ، وذلك لأنه لا يذكرها على أنها تاريخ يعين لها الوقت والمكان ، وإنما يذكرها لما فيها من العبر والمواعظ ، ولما تطلبه من الأحكام والحكم .
وقد بدأت السورة بالحديث عن الأنفال للمسارعة من أول الأمر بنتائج النصر الذي كفله الله للمؤمنين .
وليس من تربية النفوس أن نبدأ الكلام معا بما يدل على الاضطراب والفزع والتردد أمام وسائل العزة والشرف ، متى وجد لهم بجانب هذا التردد ما يدل على مواقف الشرف والكرامة . .
ولا كذلك يكون الأمر إذا بدئت ببيان تثاقلهم في الخروج إلى الغزوة ، وانظر كيف يكون وقع المطلع إذا جاء على هذا الوجه { كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين لَكَارِهُونَ . . } إلخ .
لا ريب أنه مطلع شديد الوقع على النفوس ، يصور علاقة المؤمنين بنبيهم في صورة يأباها إيمانهم به وامتثالهم لأمره . يصورهم في شقاق واختلاف مع قائدهم ورسولهم ويصوره في ثوب الكراهية الشديدة لمعالى الأمور وعز الحياة .
لهذا كله جاء الأسلوب في سرد الوقائع غير مكترث بمخالفة ترتبيها في الوجود الخارجى .
3- استدل جمهور العلماء بقوله - تعالى - { وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً } على أن الإِيمان يزيد وينقص . . .
ومن المفسرين الذين بسطوا القول في هذه المسألة الإِمام الآلوسى ، فقد قال ما ملخصه :
قوله - تعالى - { وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ } أى : القرآن { زَادَتْهُمْ إِيمَاناً } أى : تصديقا كما هو المتبادر ، فإن تظاهر الأدلة وتعاضد الحجج مما لا ريب في كونه موجبا لذلك .
وهذا أحد أدلة من ذهب إلى أن الإِيمان يقبل الزيادة والنقص ، وهو مذهب الجم الغفير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين ، وبه أقول لكثرة الظواهر الدالة على ذلك من الكتاب والسنة من غير معارض لها عقلا .
بل قد احتج عليه بعضهم بالعقل - أيضا - وذلك أنه لو لم تتفاوت حقيقة الإِيمان لكان إيمان آحاد الأمة بل المنهمكين في الفسق والمعاصى ، مساويا لإِيمان الأنبياء والملائكة ، واللازم باطل فكذا الملزوم .
وقال النووى : إن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى يكون في بعض الأحيان أعظم يقينا وإخلاصا منه في بعضها ، فكذا التصديق والمعرفة يتفاضلان بحسب ظهور البراهين وكثرتها .
وذهب الإِمام أبو حنيفة وكثير من المتكلمين إلى أن الإِيمان لا يزيد ولا ينقص ، واختاره إمام الحرمين ، محتجين بأنه اسم للتصديق البالغ حد الجزم والإِذعان ، وذلك لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان فالمصدق إذا اتى أو ارتكب المعاصى فتصديقه بحاله لم يتغير أصلا ، وإنما يتفاوت إذا كان اسما للطاعات المتفاوتة قلة وكثرة .
وذهب جماعة منهم الإِمام الرازى إلى أن الخلاف في زيادة الإِيمان ونقصانه وعدمها لفظى ، وهو فرع تفسير الإِيمان ، فمن فسره بالتصديق قال : إنه لا ينقص ، ومن فسره بالأعمال مع التصديق قال : إنه يزيد وينقص ، وعلى هذا قول البخارى " لقيت اكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار ، فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الإِيمان قول وعمل ويزيد وينقص ، وهو المعنى بما روى " عن ابن عمر أنه قال . قلنا يا رسول الله إن الإِيمان يزيد وينقص ، قال ، نعم ، يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة ، وينقص حتى يدخل صاحبه النار " .
ويبدو لنا أن رأى جمهور العلماء في هذه المسألة ، أولى بالقبول ؛ لأنه من الواضح أن إيمان الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ارسخ وأقوى من إيمان آحاد الناس ، ولأنه كلما تكاثرت الأدلة كان الإِيمان أشد رسوخا في النفس وأعمق أثراً في القلب ، فلا تزلزله الشهبات ولا تزعزعه العوارض والفتن .
ومن أوضح الأدلة على أن الإِيمان يقوى بقوة البرهان إلى درجة الاطمئنان ، ما حكاه الله - تعالى - عن إبراهيم في قوله : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } فهذه الآية تدل دلالة واضحة على أن مقام الطمأنينة في الإِيمان ، يزيد على ما دونه من الإِيمان المطلق قوة وكمالا . إن إبراهيم - عليه السلام - لا شك أنه كان مؤمنا عندما سأل ربه هذا السؤال ، سأله ذلك لينتقل من مرتبة علم اليقين إلى مرتبة أعلى : وهى مرتبة عين اليقين . .
هذا ، وشبيه بهذه الآية في الدلالة على قبول الإِيمان للزيادة والنقصان قوله - تعالى : { الذين قَالَ لَهُمُ الناس إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فاخشوهم فَزَادَهُمْ إِيمَاناً } وقوله - تعالى - : { هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة فِي قُلُوبِ المؤمنين ليزدادوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ } وقوله - تعالى - : { وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إِيمَاناً فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ } وقوله - تعالى - : { وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الأحزاب قَالُواْ هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً } إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي وردت في هذا المعنى .
4- في هذه الآيات الكريمة تربية ربانية للمؤمنين ، وتوجيه لهم إلى ما يسعدهم ، وإرشاد لهم إلى أن المؤمن الصادق في إيمانه ، هو الذي يجمع بين سلامة العقيدة ، وسلامة الخلق ، وصلاح العمل ، وأن المؤمن متى جمع بين هذه الصفات ارتفع إلى أعلى الدرجات ، وأحسن بحلاوة الإِيمان في قلبه .
روى الحافظ الطبرانى " عن الحارث بن مالك الأنصارى أنه مر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له : " كيف أصبحت يا حارث " ؟ قال : أصبحت مؤمنا حقا ، فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم - " انظر ما تقول فإن لكل شئ حقيقة ، فما حقيقة إيمانك " ؟ فقال الحارث : عزفت عن الدنيا فأسهرت ليلى ، وأظمأت نهارى . وكأنى أنظر إلى عرش ربى بارزاً ، وكأنى أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، وكأنى أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : " يا حارث عرفت فالزم " ثلاثا " .