أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ} (3)

{ ولقد فتنا الذين من قبلهم } متصل ب { أحسب } أو ب { لا يفتنون } ، والمعنى أن ذلك سنة قديمة جارية في الأمم كلها فلا ينبغي أن يتوقع خلافه . { فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } فليتعلقن علمه بالامتحان تعلقا حاليا يتميز به الذين صدقوا في الإيمان والذين كانوا فيه ، وينوط به ثوابهم وعقابهم ولذلك قيل المعنى وليميزن أو ليجازين ، وقرئ " وليعلمن " من الإعلام أي وليعرفنهم الله الناس أو ليسمنهم بسمة يعرفون بها يوم القيامة كبياض الوجوه وسوادها .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ} (3)

قوله : { وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } { فتناّ } من الفتنة وهي الاختبار والامتحان{[3539]} ، أي ابتلينا السابقين من المؤمنين وامتحناهم بمختلف الوجوه من البلاء ، كإبراهيم الخليل ، إذ ألقاه الظالمون في النار .

وكذلك غيره من المؤمنين الذين نُشّروا بالمناشير وقطعت أطرافهم وأعضاؤهم تقطيعا وما صدهم ذلك كله عن دينهم . وقد روى البخاري عن خباب بن الأرث قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا له : ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا ؟ فقال : " قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد لحمهُ وعظمه فما يصرفه ذلك عن دينه . والله ليتمنّ هذا الأمر حتى يسير الراكبُ من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللهَ والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون " .

قوله : { فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } { فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ } : أي ليرين اللهُ الذين صدقوا في إيمانهم وليرين الكاذبين . وقيل : ليُظهرن الله الذين صدقوا وليُظهرن الكاذبين . وقيل : ليُميزنّ الله الصادقين من الكاذبين . والمقصود : أن الله عالم بالصادق والكاذب قبل الامتحان ، وقبل أن يخلق الصادق أو الكاذب نفسه .

وإنما المراد إظهار الصادق والكاذب في قولهما والتمييز بينهما بما يصيبهما من بلاء .


[3539]:مختار الصحاح ص 490.