{ وإذا فعلوا فاحشة } فعلة متناهية في القبح كعبادة الصنم وكشف العورة في الطواف . { قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها } اعتذروا واحتجوا بأمرين تقليد الآباء والافتراء على الله سبحانه وتعالى ، فأعرض عن الأول لظهور فساده ورد الثاني بقوله : { قل إن الله لا يأمر بالفحشاء } لأن عادته سبحانه وتعالى جرت على الأمر بمحاسن الأفعال ، والحث على مكارم الخصال . ولا دلالة عليه على أن أقبح الفعل بمعنى ترتب الذم عليه آجلا عقلي ، فإن المراد بالفاحشة ما ينفر عنه الطبع السليم ويستنقصه العقل المستقيم . وقيل هما جوابا سؤالين مترتبين كأنه قيل لهم لما فعلوها : لم فعلتم ؟ فقالوا : وجدنا عليها آباءنا . فقيل ومن أين أخذ آباؤكم ؟ فقالوا : الله أمرنا بها . وعلى الوجهين يمتنع التقليد إذا قام الدليل على خلافه لا مطلقا . { أتقولون على الله ما لا تعلمون } إنكار يتضمن النهي عن الافتراء على الله تعالى .
قوله تعالى : { وإذا فعلوا فاحشةً } قال ابن عباس ومجاهد : هي طوافهم بالبيت عراة ، وقال عطاء : الشرك ، والفاحشة : اسم لكل فعل قبيح بلغ النهاية في القبح .
قوله تعالى : { قالوا وجدنا عليها آباءنا } ، وفيه إضمار معناه : وإذا فعلوا فاحشة فنهوا عنها قالوا وجدنا عليها آباءنا . وإذا قيل : ومن أين أخذ آباؤكم به ؟ قالوا { والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون } .
ثم حكى القرآن بعض القبائح التي كان يفعلها المشركون ، ورد عل أكاذيبهم بما يدحضها فقال : { وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً . . . } .
الفاحشة : هى كل فعل قبيح يتنافى مع تعاليم الشريعة مثل الإشراك بالله ، والطواف بالبيت الحرام بدون لباس يستر العورة .
قال الإمام ابن كثير : " كانت العرب - ما عدا قريشا - لا يطوفون بالبيت الحرام في ثيابهم التي لبسوها ، يتأولون في لك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها ، وكانت قريش - وهم الحمس - يطوفون في ثيابهم ، ومن أعاره أحمسى ثوبا طاف فيه ، ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه فلا يتملكه أحد ، ومن لم يجد ثوبا جديداً ولا أعاره أحمسى ثوبا طاف عريانا ، وربما كانت المرأة تطوف عريانة ، فتجعل على فرجها شيئا ليستره بعض الستر ، وأكثر ما كان النساء يطفن عراة ليلا ، وكان هذا شيئا قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم واتبعوا فيه آباءهم ، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله فأنكر الله عليهم ذلك وقال : { وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا والله أَمَرَنَا بِهَا } .
فالآية الكريمة تحكى عن هؤلاء المشركين أنهم كانوا يرتكبون القبائح التي نهى الله عنها كالطواف بالكعبة عرايا ، وكالإشراك بالله ، ثم بعد ذلك يحتجون بأنهم قد وجدوا آباءهم كذلك يفعلون ، وبأن الله قد أمرهم بذلكن ولا شك أن احتجاجهم هذا من الأكاذيب التي ما أنزل الله بها من سلطان ، ولذا عاجلهم القرآن بالرد المفحم ، فقال : { قُلْ إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشآء أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } .
أى : قل يا محمد لهؤلاء المفترين على الله الكذب : إن كلامكم هذا يناقضه العقل والنقل . أما أن العقل يناقضه ويكذبه . فلأنه لا خلاف بيننا وبينكم في أن ما تفعلونه هو من أقبح القبائح بدليل أن بعضكم قد تنزه عن فعله ، وأما أن النقل يناقضه ويكذبه فلأنه لم يثبت عن طريق الوحى أن الله أمر بهذا ، بل الثابت أن الله لا يأمر به ، لأن الفاحشة في ذاتها تجاوز لحدود الله ، وانتهاك لحرماته ، فهل من المعقول أن يأمر الله بانتهاك حدوده وحرماته ؟ والاستفهام في قوله - تعالى - : { أَتَقُولُونَ } للإنكار والتوبيخ وفيه معنى النهى .
قوله تعالى : { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون 28 قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون 29 فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون } .
الفاحشة ، كل ما عظم قبحه . والفاحش كل شيء جاوز حده{[1370]} . والمراد بالفاحشة هنا كل فعل قبيح بلغ في مراتب القبح النهاية ، والمراد بالفاحشة التي كان يفعلها الجاهلون طوافهم بالبيت عراة . وقيل ، معناها الشرك .
والحقيقة أن الفاحشة تصدق على عموم الذنوب والخطايا الكبيرة التي كان الجاهليون يتلبسون بها معتذرين بأنهم فعلوا ذلك اقتداء بآبائهم ؛ إذ وجدوهم يفعلونه فهم على آثارهم سائرون . وزعموا أيضا أن الله أمرهم بذلك . وكلا الاعتذارين داحضين . لا جرم أنهما زعمان في غاية الافتراء والبطلان أما الأول ، فغن ما فعله آباؤهم من ضلالات ما كان يليق بذي عقل وبصر أن يتشبث به أو يفعله ؛ لأن آباءهم كانوا سادرين في الغي والجهالة ، وأنهم في جل حياتهم وأهوائهم وسلوكم وتصوراتهم إنما كانوا يتيهون في العمالة والضلالة . فأنى لأمثال هؤلاء الضالين السفهاء أن يقلدهم الناس ويعتبروا آثارهم .
وأما الثاني ، فإن الله برئ من هؤلاء المشركين وضلالاتهم وافتراءهم . إن الله ما أمر بالفحشاء ولا يرضي لعباده الكفر والعصيان والباطل . وفي ذلك قاله سبحانه : { قل إن الله لا يأمر بالفحشاء } ثم قال سبحانه موبخا هؤلاء الكاذبين السفهاء الذين زعموا أن الله أمرهم بالفحشاء ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا : فقد رد الله فعالتهم ردا شديدا فيه التعنيف لهم والاستنكار { أتقولون على الله ما لا تعلمون } استفهام توبيخ وإنكار ؛ فقد عنفهم الله على كذبهم وافترائهم تعنيفا .
ولا يفوتنا ونحن نتكلم في هذه الخصلة الذميمة وهي تقليد الآباء واتباع آثارهم ومعتقداتهم وإن كانوا على العماية والضلالة ، أن ننبه إلى فداحة هذه الخصلة الذميمة ومبلغ خطورتها ؛ فلقد ضل أكثر الناس من مشركين وملحدين وأهل كتاب ووثنين تحت وطأة التقليد الفاسد للآباء الضالين والجاهلين والسفهاء . لقد غرر الآباء المضلون بالأحفاد المغرورين بما تركوه لهم من ركام الضلالة الموروث سواء في العقيدة أو التشريع أو التصور . إنهم ما تركوا سوى الإشراك والركام المضطرب من ضلالات العقيدة المقلوبة المشوهة . ومن أشتات الأحكام والأقوال والتصورات الخارجة عن دائرة العقل السليم ، والمجاوزة لكتب الله الحقيقية الأصلية كل مجاوزة ، والتي خالطها من التحريف والتزييف والتغيير ما قبلها رأسا على عقب أو جعلها ضربا من عقائد التخريف والهذيان والهوس المحموم .
ومن شديد الخطورة التي تبعث على الأسى والمضاضة أن نجد هذه الظاهرة متلبسة بأهل الكتاب من اليهود والنصارى . أولئك الذين لم يبرحوا تقليد آبائهم وأجدادهم من غير تمحيص أو استبصار أو تدبر ، إلا الاتباع الأعمى والانقياد المضلل ، لما ورثوه من ملل باهتة مشوهة محرفة ، ومن تصور جانح شاطح مجانب للتفكير السليم ومخالف لحقيقة ما جاء به النبيون من بني إسرائيل . لقد اتبعوا ما ورثوه من ركام الضلالات والأخبار المزيفة فزعوا زيغا عظيما . زيغا أفضى بهم إلى الاصطفاء في معسكر العداء والبغضاء والتربص بالإسلام والمسلمين . فها هم أهل الكتاب من يهود ونصارى ما فتئوا يكيدون للإسلام وأهله كل المكائد . ويفتنون في براعة واستباق في التآمر والتأليب على هذا الدين العظيم ؛ ليصطلموه اصطلاما{[1371]} ؛ وليجتثوه من الأرض اجتثاثا أو يذروه مشوها ممزقا مضطربا كالذي ورثوه عن آبائهم وأجدادهم . لكن الله لكل الظالمين والمجرمين والخائنين والمتربصين بالمرصاد ؛ ليرد كيدهم في نحورهم ويذيقهم بأس الخزي والافتضاح ، ثم ينصر الله جنده المؤمنين المخلصين { يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون } .