{ ما عندكم } ، من أعراض الدنيا . { ينفذ } ، ينقضي ويفنى . { وما عند الله } ، من خزائن رحمته ، { باقٍ } لا ينفذ ، وهو تعليل للحكم السابق ودليل على أن نعيم أهل الجنة باق . { وليجزينّ الذين صبروا أجرهم } ، على الفاقة وأذى الكفار ، أو على مشاق التكاليف . وقرأ ابن كثير وعاصم بالنون . { بأحسن ما كانوا يعملون } ، بما يرجع فعله من أعمالهم كالواجبات والمندوبات ، أو بجزاء أحسن من أعمالهم .
الذي عندكم عَرَضٌ حادث فانٍ ، والذي عند الله من ثوابكم في مآلِكُم نِعَمٌ مجموعةٌ ، لا مقطعوعةٌ ولا ممنوعة .
ويقال : ما عندكم أو ما منكم أو مالكم : أفعالٌ معلولة وأحوالٌ مدخولة ، وما عند الله : فثوابٌ مقيمٌ ونعيمٌ عظيمٌ .
ويقال : ما منكم من معارفكم ومحابكم آثارٌ متعاقبةٌ ، وأصناف متناوبة ، أعيانُها غيرُ باقية ، وإنكات أحكامُها غير باطلة والذي يتصف الحقُّ به من رحمته بكم ، ومحبته لكم ، وثباته عليكم ، فصفاتُ أزلية ونعوتٌ سرمدية .
ويقال : ما عندكم من اشتياقكم إلى لقائنا فَمُعرَّضُ للزوال ، وقابلٌ للانقضاء ، وما وَصَفْنَا به أَنْفُسَا من الإقبال لا يتناهي وأفضال لا تفْنى ، كما قيل :
ألا طال شوقُ الأبرار إلى لقائي *** وإني للقائهم لأَشَدُّ شوقا
قوله : { وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا . . . } : جزاءُ الصبر الفوزُ بالطِّلْبَةِ ، والظَّفَرُ بالبُغية . ومآلهم في الطلبات يختلف : فَمَنْ صَبَرَ على مقاساة مشقةٍ في الله . فعِوضُه وثوابُه عظيمٌ من قِبَل الله ، قال تعالى : { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيرِ حِسَابٍ } [ الزمر :10 ] .
ومَنْ صبر عن اتباع شهوةٍ لأَِجْل الله ، وعن ارتكاب هفوةٍ مخافةً لله ، فجزاؤه كما قال تعالى : { أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الغرفة بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقًّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً } [ الفرقان :57 ] .
ومَنْ صبر تحت جريان حُكْمِ الله ، متحققاً بأنه بِمَرْآةٍ من الله فقد قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ البقرة :153 ] .
ثم أضاف - سبحانه - إلى ترغيبهم في العمل بما يرضيه ترغيبا آخر فقال : { مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ } .
أي : ما عندكم من متاع الدنيا وزهرتها يفنى وينقضي ويزول ، وما عند الله - تعالى - في الآخرة من عطاء باق لا يفنى ولا يزول ، فآثروا ما يبقى على ماينفد . يقال : نفد الشيء ، بكسر الفاء ، - ينفد - بفتحها - نفادا ونفودا ، إذا ذهب وفني .
ثم بشر - سبحانه - الصابرين على طاعته بأعظم البشارات فقال : { وَلَنَجْزِيَنَّ الذين صبروا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } .
أي : ولنجزين الذين صبروا على طاعتنا ، واجتنبوا معصيتنا ، ووفوا بعهودنا ، بجزاء أفضل وأكرم مما كانوا يعملونه في الدنيا من خيرات وطاعات .
وأكد - سبحانه - هذه البشارة بلام القسم ، ونون التوكيد ، لترغيبهم في الثبات على فضيلة الصبر ، وعلى الوفاء بالعهد .
قال الجمل ما ملخصه : وقوله : { أجرهم } : مفعول ثان لنجزي . وقوله : { بأحسن } : نعت لمحذوف ، أي : بجزاء أحسن من عملهم الذي كانوا يعملونه في الدنيا ، والباء بمعنى على .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.