أي إنْ لَبَّسُوا عليك ، وراموا خِداعَك بطلب الصُّلح منك - وهم يستبطنون لك بخلاف ما يظهرونه - فإنَّ اللهَ كافِيكَ ، فلا تَشْغلْ قلبَك بغفلتك عن شرِّ ما يكيدونك ؛ فإني أعْلَمُ ما لا تعلم ، وأقْدِر على ما لا تقدر .
هو الذي بنصره أفْردَكَ ، وبلطفِه أيَّدَكَ ، وعن كل سوءٍ ونصيبٍ طَهَّرَك ، وعن رقِّ الأشياء جَرَّدَكَ ، وفي جميع الأحوال كان لك .
هو الذي أيَّدك بمن آمن بك من المؤمنين ، وهو الذي ألَّف بين قلوبهم المختلفة فجَمَعَها على الدَّينِ ، وإيثارِ رضاء الحق . ولو كان ذلك بِحَيلِ الخلْق ما انتَظمَتْ هذه الجملة ، ولو أبلغتَ بكلِّ ميسورٍ من الأفعال ، وبذلتَ كُلَّ مُستطاعٍ من المال - لَمَا وَصَلَتْ إليه .
ثم أمن الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - من خداع أعدائه ، إن هم أرادوا خيانته ، ويبتوا له الغدر من وراء الجنوح إلى السلم فقال - تعالى - : { وَإِن يريدوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ الله هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبالمؤمنين } .
أى : وإن يرد هؤلاء الأعداء الذين جنحوا إلى السلم في الظاهر أو يخدعوك - يا محمد - لتكف عنهم حتى يستعدوا لمقاتلتك فلا تبال بخداعهم ، بل صالحهم مع ذلك إن كان في الصلح مصلحة للإِسلام وأهله ، ولا تخف منهم ، فإن الله كافيك بنصره ومعونته ، فهو - سبحانه - الذي أمدك بما أمدك به من وسائل النصر الظاهرة والخافية ، وهو - سبحانه - الذي أيدك بالمؤمنين الذين هانت عليهم أنفسهم وأموالهم في سبيل إعزاز هذا الدين ، وإعلاء كلمته . .
فالآية الكريمة تشجيع للنبى - صلى الله عليه وسلم - على السير في طريق الصلح ما دام فيه مصلحة للإِسلام وأهله ، وتبشير له بأن النصر سيكون له حتى ولو أراد الأعداء بإظهار الميل إلى السلم المخادعة والمراوغة . وقوله : { حَسْبَكَ } صفة مشبهة بمعنى اسم الفاعل . أى . بحسبك وكافيك .
قال الفخر الرازى : فإن قيل : أليس قد قال - تعالى - { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ . . . } أى : أظهر نقض ذلك العهد ، وهذا يناقض ما كذره في هذه الآية ؟
قلنا : قوله : { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً } محمول على ما إذا تأكد ذلك الخوف بأمارات قوية دالة عليها ، وتحمل هذه المخادعة على ما إذا حصل في قلوبهم بنوع نفاق وتزوير ، إلا أنه لم تظهر أمارات على كونهم قاصدين للشر وإثارة الفتنة ، بل كان الظهر من أحوالهم الثبات على المسالمة وترك المنازعة . .
فإن قيل : لما قال : { هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ } فأى حاجة مع نصره إلى المؤمنين حتى قال { وبالمؤمنين } ؟
قلنا : التأييد ليس إلا من الله لكنه على قسمين : أحدهما ما يحصل من غير واسطة أسباب معلومة معتادة والثانى ما يحصل بواسطة أسباب معلومة .
فالأول هو المراد من قوله { أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ } والثانى هو المراد من قوله : { وبالمؤمنين } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.