{ مُسوّمةً } معلمة للعذاب . وقيل معلمة ببياض وحمرةً . أو بسيما تتميز به عن حجارة الأرض ، أو باسم من يرمى بها . { عند ربك } في خزائنه . { وما هي من الظالمين ببعيد } فإنهم بظلمهم حقيق بأن تمطر عليهم ، وفيه وعيد لكل ظالم . وعنه عليه الصلاة والسلام " أنه سأل جبريل عليه السلام فقال : يعني ظالمي أمتك ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة " . وقيل الضمير للقرى أي هي قريبة من ظالمي مكة يمرون بها في أسفارهم إلى الشام ، وتذكير البعيد على تأويل الحجر أو المكان .
مسومة : أي : لها " سومة " أو علامة خاصة في علم ربك أو في خزائنه .
83 { مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ َمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ } .
أي : معلمة بعلامات من عند ربك ، ومعدة إعدادا خاصا ؛ لإهلاك هؤلاء القوم ، بحيث لا تصيب غير أهلها ، فمن لم يمت بالخسف أو الزلازل ، أمطر الله عليه وهو تحت الأرض هذه الحجارة المعينة التي سخرها الله عليهم ، وحكمها في إهلاكهم بحيث لا يمنعها شيء ؛ فهذه الحجارة قدر الله الذي لا يرد .
{ وما هي من الظالمين ببعيد } . أي : هذا العذاب وذلك الخسف قريب من كل ظالم ، حيث يصيبه الله تعالى على نحو ما ، وفي الحديث الشريف : " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " . 51
وبعض المفسرين يرى أن معنى الآية على النحو الآتي : " وما هذه القرى التي حل بها العذاب بمكان بعيد عنكم ، أيها المشركون من أهل مكة ، الظالمون لأنفسهم بالكفر والتكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم ؛ بل هي قريبة منكم ، على طريقتكم في رحلة الصيف إلى الشام ، وإنكم لتمرون عليها في أسفاركم نهارا أو ليلا أفلا تعقلون ، وتتدبرون ما نزل بهم ؟ ! " . قال تعالى : { وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون } . ( الصافات : 137 ، 138 ) .
{ مُّسَوَّمَةً } أي عليها سيما يعلم بها أنها ليست من حجارة الأرض قاله ابن جريح ، وقيل : معلمة ببياض وحمرة ، وروي ذلك عن ابن عباس . والحسن ، وجاء في رواية أخرى عن ابن عباس أنه كان بعضها أسود فيه نقطة بيضاء وبعضها أبيض فيه نقطة سوداء .
وعن الربيع أنها كانت معلمة باسم من يرمي بها ، وكان بعضها كما قيل : مثل رؤوس الإبل . وبعضها مثل مباركها . وبعضها مثل قبضة الرجل { عِندَ رَبّكَ } أي في خزائنه التي لا يملكها غيره سبحانه ولا يتصرف بها سواه عز وجل ، والظرف قيل : منصوب بمسومة أو متعلق بمحذوف وقع صفة له ، والمروى عن مقاتل أن المعنى أنها جاءت من عن ربك ، وعن أبي بكر الهذلي أنها معدة عنده سبحانه .
وقال ابن الأنباري : المراد ألزم هذا التسويم للحجارة عنده تعالى إيذاناً بقدرته وشدة عذابه فليفهم .
{ وَمَا هِىَ } أي الحجارة الموصوفة بما ذكر { مِنَ الظالمين } من كل ظالم { بِبَعِيدٍ } فانهم بسبب ظلمهم مستحقون لها ، وفيه وعيد لأهل الظلم كافة ، وروي هذا عن الربيع .
وأخرج ابن جيرير . وغيره عن قتادة أن المراد من الظالمين ظالمو هذه الأمة ، وجاء في خبر ذكره الثعلبي ، وقال فيه العراقي : لم أقف له على إسناد أنه صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عليه السلام عن ذلك فقال : يعني ظالمي أمتك ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة ، وقيل : المراد بالظالمين قوم لوط عليه السلام ، والمعنى لم تكن الحجارة لتخطئهم .
وعن ابن عباس أن المعنى وما عقوبتهم ممن يعمل عملهم ببعيد ، وظاهره أن الضمير للعقوبة المفهومة من الكلام ، و { الظالمين } من يشبههم من الناس ، ويمكن أن يقال : إن مراده بيان حاصل المعنى لا مرجع الضمير .
وذهب أبو حيان إلى أن الظاهر أن يكون ضمير { هِىَ } للقرى التي جعل { عاليها سَافِلَهَا } والمراد من { الظالمين } ظالمو مكة ، وقد كانت قريبة إليهم يمرون عليها في أسفارهم إلى الشام ، وتذكير البعيد يحتمل أن يكون على تأويل الحجارة بالحجر المراد به الجنس ، أو إجرائه على موصوف مذكر أي بشيء بعيد ، أو بمكان بعيد فإنها وإن كانت في السماء وهي في غاية البعد من الأرض ءلا أنها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقاً بهم فكأنها بمكان قريب منهم ، أو لأنه على زنة المصدر كالزفير . والصهيل والمصادر يستوي في الوصف بها المذكر والمؤنث .
قوله : { مسومة عند ربك } أي معلمة ، من السيما وهي العلامة . وقد ذكر أن جبريل عليه السلام لما أصبح نشر جناحه فانتسف بها أرضيهم بما فيها من قصورها ودوابها وحجارتها وشجرها وجميع ما فيها ، فضما في جناحه فحواها وطواها في جناحه ، ثم صعد بها إلى السماء الدنيا حتى سمع سكان السماء أصوات الناس والكلاب . وكانوا أربعة آلاف ألف . ثم قلبها فأرسلها إلى الأرض منكوسة ، ودمدم بعضها على بعض فجعل عاليها سافلها ، ثم أتبعها حجارة من سجيل{[2154]} .
قوله : { وما هي من الظالمين ببعيد } يعني ما الحجارة والتدمير من الظالمين في هذه الأمة ببعيد . وذلك ترهيب للذين يقارفون هذه الفاحشة الكريهة . فما تنزلق نفوس الشذاذ من الفساق إلى هذا المستنقع من الرجس حتى يوشك أن يحيق بهم ما حاق بقوم لوط . وقيل : الضمير { هي } للقرى التي أتى عليها التدمير والقلب وهي المؤتفكات أو قرى قوم لوط . فلم تكن هذه القرى ببعيد من كفار مكة ؛ إذ كانت في الشام وكان كفار مكة يمرون بها في أسفارهم .
وقد ذكر خبراء الآثار أن قرى وآثارا لسكان وأناسي غائرة في عمق البحر الميت ، وهي بحيرة لوط ، تسمية باسم القوم الذين انكفأت بهم الأرض ، فصار عاليهم سافلهم . وذلك ما تشهد به دراسة الآثار في بحيرة لوط عن هذه المسألة .
يثبت حد اللواط بما ثبت به حد الزنا . وذلك بالإقرار أو البينة ؛ وهي أن يشهد أربعة من العدول على حصول تمام الزنا .
على أن عقوبة اللواط موضع خلاف بين الفقهاء ؛ فقد ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه ليس من حد في اللواط بل فيه التعزير على كل من الفاعل والمفعول به . واستدل على ذلك بالمعقول والنظر ، وهو أن اللواط ليس زنا لاختلاف الصحابة في عقوبته ؛ فقد روي عن أبي بكر الصديق أن عقوبته الإحراق بالنار . وهو قول علي . وقيل : عقوبته التنكيس من مكان مرتفع وإلحاقه بالحجارة زيادة في التنكيل . وقيل غير ذلك في عقوبته .
وقال أيضا إن اللواط ليس في معنى الزنا ؛ لأنه ليس سببا لإضاعة الولد واشتباه النساب كالحال في الزنا . ومن جهة أخرى فإن حصول اللواط نادر ؛ لأن النفوس تنفر منه وتشمئز . لكنه مع ذلك يجب فيه التعزير{[2155]} .
وذهب جمهور الشافعية والمالكية والحنبلية وصاحبا أبي حنيفة إلى وجوب الحد في اللواط إن تحقق فيه شرط من عقل وبلوغ . فإن كان أحدهما صغيرا أو مجنونا وجب الحد على العاقل أو البالغ منهما . وفي ذلك أخرج البيهقي بإسناده عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أتى الرجل الرجل ، فهما زانيان ، وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان ، ) وهذا يدل على أن اللواط ضرب من الزنا فيجب فيه من الحد ما يجب على الزنا . وهذا الصحيح الذي ينبغي اعتباره والأخذ به . وما ينبغي أن يعارض هذا باحتجاج أبي حنيفة المبني على النظر .
أما ماهية حد اللواط وكيفيته فثمة قولان في ذلك :
القول الأول : وهو أن حد اللواط كحد الزنا في المرأة من غير فرق ؛ فيجب فيه الجلد على البكر ، والرجم على المحصن ، وهو قول الشافعية في المعتمد من مذهبهم ، وكذلك الحنبلية في إحدى الروايتين عنهم . وقال بذلك صاحبا أبي حنيفة . واستدلوا على ذلك بالخبر : ( إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان } .
القول الثاني : وهو وجوب قتل الفاعل والمفعول به سواء كانا بكرين أو ثيبين وهو قول المالكية والشافعية في قولهم الثاني . وهي الرواية الثانية للحنبلية وذلك لخبر : ( من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ) أخرج أبو داود عن ابن عباس . وكذلك ما أخرجه البيهقي بإسناده عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من وقع على الرجل فاقتلوه ) وسئل ابن عباس : ما حد اللواطي ؟ قال : ( ينظر أعلى البناء في القرية فيرمى به منكسا ثم يتبع الحجارة ) .
وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال : ( السنة أن يرجم اللواطي أحصن أو لم يحصن ) .
أما لو كان الملتبسان غير مكلفين ، كأن يكونا صغيرين ؛ فإنه لا حد عليهما ، ولكنهما يؤدبان بمختلف وجوه التأديب ممل يكون لهما زاجرا ورادعا . ولو كان أحد مكلفا دون الأخر ، فإن كان المكلف هو الفاعل فقد وجب حده رجما أما لو كان المفعول به مكلفا دون الفاعل فلا رجم عليه ( المفعول به ) بل يؤدب الصغير غير المكلف ويعزز الكبير البالغ{[2156]} .