أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{مَا يُجَٰدِلُ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغۡرُرۡكَ تَقَلُّبُهُمۡ فِي ٱلۡبِلَٰدِ} (4)

{ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا } لما حقق أمر التنزيل سجل بالكفر على المجادلين فيه بالطعن وإدحاض الحق لقوله : { وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق } وأما الجدال فيه لحل عقده واستنباط حقائقه وقطع تشبث أهل الزيغ به وقطع مطاعنهم فيه فمن أعظم الطاعات ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم " إن جدالا في القرآن كفر " بالتنكير مع أنه ليس جدالا فيه على الحقيقة . { فلا يغررك تقلبهم في البلاد } فلا يغررك إمهالهم وإقبالهم في دنياهم وتقلبهم في بلاد الشام واليمن بالتجارات المربحة فإنهم مأخوذون عما قريب بكفرهم أخذ من قبلهم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{مَا يُجَٰدِلُ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغۡرُرۡكَ تَقَلُّبُهُمۡ فِي ٱلۡبِلَٰدِ} (4)

1

المفردات :

ما يجادل : ما يخاصم .

فلا يغررك : فلا يخدعك عيشهم سالمين .

تقلبهم في البلاد : التصرُّف والتنقل في بلاد الشام واليمن بالتجارات الرابحة ، فإن عاقبتهم النار والهلاك .

التفسير :

4- { ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد } .

سبب النزول :

أخرج ابن أبي حاتم ، قال : نزلت هذه الآية في الحارث بن قيس السهمي .

وتفيد آيات القرآن الكريم ، والسيرة المطهرة أن الجدال نوعان :

جدال بالحق لتبيّن آيات القرآن وتفهم معناها ، وهو نقاش محمود .

وجدال بالباطل ، مثل قولهم : إن القرآن سحر وشعر وكهانة ، وأساطير الأولين وافتراء من عند محمد ، محاولة من كفار مكة وأغنيائها لتقرر الباطل ، ودحض الحق ، وإبطال الإيمان ، بالاعتماد على الشبهات بعد وضوح الحق ، وسطوع حجة البيان القرآني ، والإعجاز لكتاب الله ، وقد كان كفار مكة يسخرون من المؤمنين ، ويحاولون تشكيك المسلمين في عقيدتهم ، ويوجّهون التهم الكاذبة إلى الإسلام والقرآن والرسول محمد صلى الله عليه وسلم .

ومعنى الآية :

ما يخاصم في دفع آيات الله وتكذيبها إلا الذين كفروا ، فلا يخدعك أيها الرسول الأمين تقلبهم في البلاد ، بين الشام واليمن في تجارة رابحة ، مع تمتعهم بالغنى والجاه والأمن والرفعة في الدنيا ، لأن ذلك إمهال لهم وليس إهمالا ، فسوف يرون الهلاك في الدنيا ، والعذاب في الآخرة .

وفي هذا المعنى يقول الله تعالى : { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد * متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد } ( آل عمران 196 ، 197 ) .

ويقول سبحانه : { نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ } . ( لقمان : 24 ) .

وفي الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " . {[615]}

ولقد كان القرآن يحاور المشركين بالحق ، فيلفت أنظارهم إلى الكون وما فيه ، ويستحضر أمامهم حقائق التاريخ ، ومشاهد القيامة ، رجاء هدايتهم ، وأحيانا يدفعهم الكبر عن قبول الحق ، وبيّن أن تكذيب المترفين وعناد المتكبرين أمر عرفته البشرية في تاريخها الطويل ، فليس تكذيب أهل مكة بدعا أو غريبا عن تكذيب الكافرين لرسلهم .


[615]:إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته: رواه البخاري في التفسير: باب قوله {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} (4409)، ومسلم في البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم (2583) وابن ماجة في الفتن باب العقوبات (4018) عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته". قال: ثم قرأ {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد}.
 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{مَا يُجَٰدِلُ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغۡرُرۡكَ تَقَلُّبُهُمۡ فِي ٱلۡبِلَٰدِ} (4)

{ مَا يجادل فِى ءايات الله إِلاَّ الذين كَفَرُواْ } نزلت على ما قال أبو العالية في الحرث بن قيس السلمي أحد المستهزئين ، والمراد بالجدال الجدال بالباطل من الطعن في الآيات والقصد إلى ادحاض الحق وإطفاء نور الله عز وجل لقوله تعالى بعد ، { وجادلوا بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق } فإنه مذكور تشبيهاً لحال كفار مكة بكفار الأحزاب من قبل وإلا فالجدال فيها لإيضاح ملتبسها وحل مشكلها ومقادحة أهل العلم في استنباط معانيها ورد أهل الزيغ عنها أعظم جهاد في سبيل الله تعالى ؛ وفي قوله صلى الله عليه وسلم وقد أخرجه عبد بن حميد عن أبي هريرة مرفوعاً : «إن جدالاً في القرآن كفر » إيماء إلى ذلك حيث ذكر فيه جدالاً منكراً للتنويع فأشعر أن نوعاً منه كفر وضلال ونوعاً آخر ليس كذلك .

والتحقيق كما في الكشف إن المجادلة في الشيء تقتضي أن يكون ذلك الشيء إما مشكوكاً عند المجادلين أو أحدهما أو منكراً كذلك ، وأياً ما كان فهو مذموم اللهم إلا إذا كان من موحد لخارج عن الملة أو من محقق لزائغ إلى البدعة فهو محمود بالنسبة إلى أحد الطرفين ، وأما ما قيل : إن البحث فيها لإيضاح الملتبس ونحوه جدال عنها لا فيها فإن الجدال يتعدى بعن إذا كان للمنع والذب عن الشيء وبفي لخلافه كما ذكره الإمام وبالباء أيضاً كما في قوله تعالى : { وجادلهم بالتي هِىَ أَحْسَنُ } [ النحل : 125 ] ففيه بحث ، وفي قوله تعالى : { في آيات الله } دون فيه بالضمير العائد إلى { الكتاب } [ غافر : 2 ] دلالة على أن كل آية منه يكفي كفراً لمجادلة فكيف بمن ينكره كله ويقول فيه ما يقول ، وفيه أن كل آية منه آية أنه من الله تعالى الموصوف بتلك الصفات فيدل على شدة شكيمة المجادلة في الكفر وانه جادل في الواضح الذي لا خفاء به ، ومما ذكر يظهر اتصال هذه الآية بما قبلها وارتباط قوله تعالى : { فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى البلاد } بها أي إذا علمت ان هؤلاء شديدو الشكائم في الكفر قد خسروا الدنيا والآخرة حيث جادلوا في آيات الله العزيز العليم وأصروا على ذلك فلا تلتفت لاستدراجهم بتوسعة الرزق عليهم وإمهالهم فإن عاقبتهم الهلاك كما فعل بمن قبلهم من أمثالهم مما أشير إليه بقوله سبحانه :

{ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ } الخ ، والتقلب الخروج من أرض إلى أخرى . والمراد بالبلاد بلاد الشام واليمن فإن الآية في كفار قريش وهم كانوا يتقلبون بالتجارة في هاتيك البلاد ولهم رحلة الشتاء لليمن ورحلة الصيف للشام ، ولا بأس في إرادة ما يعم ذلك وغيره ، وقرأ زيد بن علي . وعبيدة بن عمير { فَلا } بالادغام مفتوح الراء وهي لغة تميم والفك لغة الحجازين ، وبدأ بقوم نوح لأنه عليه الصلاة والسلام على ما في البحر أول رسول في الأرض أو لأنهم أول قوم كذبوا رسولهم وعتوا عتواً شديداً

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{مَا يُجَٰدِلُ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغۡرُرۡكَ تَقَلُّبُهُمۡ فِي ٱلۡبِلَٰدِ} (4)

قوله تعالى : { ما يجادل في آيات الله } في دفع آيات الله بالتكذيب والإنكار { إلا الذين كفروا } قال أبو العالية : آيتان ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن { ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا } { إن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد } . ( البقرة-176 ) .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أنبأنا أبو إسحاق الثعلبي ، أنبأنا عبد الله بن أحمد ، حدثنا محمد بن خالد ، أنبأنا داود بن سليمان ، أنبأنا عبد الله بن حميد ، حدثنا الحسين ابن علي الجعفي ، عن زائدة ، عن ليث ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن جدالاً في القرآن كفر " .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنبأنا أبو الحسين بن بشران ، أنبأنا إسماعيل ابن محمد الصفار ، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي ، حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن الزهري ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : " سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً يتمارون في القرآن ، فقال : إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله عز وجل بعضه ببعض ، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً ، فلا تكذبوا بعضه ببعض ، فما علمتم منه فقولوه ، وما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه " . قوله تعالى :{ فلا يغررك تقلبهم في البلاد } تصرفهم في البلاد للتجارات ، وسلامتهم فيها مع كفرهم ، فإن عاقبة أمرهم العذاب . نظيره قوله عز وجل :{ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد } ( آل عمران-196 ) .