{ قالت فذلكُنّ الذي لُمتنّني فيه } أي فهو ذلك العبد الكنعاني الذي لمتنني في الافتنان به قبل أن تتصورنه حق تصوره ، ولو تصورتنه بما عاينتن لعذرتنني أو فهذا هو الذي لمتنني فيه فوضع ذلك موضع هذا رفعا لمنزلة المشار إليه . { ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } فامتنع طلبا للعصمة ، أقرت لهن حين عرفت أنهن يعذرنها كي يعاونها على إلانه عريكته . { ولئن لم يفعل ما آمره } أي ما آمر به ، فحذف الجار أو أمري إياه بمعنى موجب أمري فيكون الضمير ليوسف . { ليُسجننّ وليكونا من الصاغرين } من الأذلاء وهو من صغر بالكسر يصغر صغرا وصغارا والصغير من صغر بالضم صغرا . وقرئ " ليكونن " وهو يخالف خط المصحف لأن النون كتبت فيه بالألف ك " نسفعاً " على حكم الوقف وذلك في الخفيفة لشبهها بالتنوين .
لمتنني فيه : أي : هذا الذي غبتنّني فيه وعيرتنّني .
فاستعصم : فامتنع ؛ طلبا للعصمة ، وبالغ في ذلك .
32 { قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ . . . }
أحست زليخا أنها انتصرت على بنات جنسها ؛ فقد كن يلمنها ، ويتصورن يوسف بصورة أدنى ، فلما شاهدنه ؛ بهرهن جماله ، وشهدن له بأن حسنه ليس لبشر ، بل هو حسن الملاك . أي : أن حسنه خارج عن صفات البشر ، والمراد : الإعجاب والدهشة والانبهار بما يملك يوسف من جمال بارع ، فائق ، خارج عن حد البشر .
وفي صحيح البخاري : أن النبي صلى الله عليه وسلم شاهد في السماء الثالثة يوسف . وقد أعطى شطر الحسن .
ثم وجهت امرأة العزيز الخطاب إلى جمع النسوة فقالت : إن هذا الفتى العبراني ، هو الذي لمتنّني في الافتتان به ، والوقوع في حبه ، وقد فتنكن ؛ فقطعتن أيديكن ، وأنا أعيش معه ليل نهار ، وأشاهده صباح مساء ، ولقد راودته عن نفسه ، وطلبت منه الجماع فامتنع امتناعا كاملا .
وجاء في تفسير الكشاف للزمخشري :
أي : أردت أن أنال وطري منه ، وأن أقضي شهوتي معه ، فامتنع امتناعا شديدا ، وأبى إباء عنيفا . والاستعصام بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ و التحفظ الشديد .
{ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ } .
وجهت زليخا تهديدا إلى يوسف أمام النسوة ، وقد كان أمرها معه سرا لكنها صرحت برغبتها فيه ، وأوعزت إلى النسوة بمعاونتها . ولعل لهذه النسوة من حركاتهن المثيرة ؛ وملابسهن الكاشفة عن مفاتنهن ؛ ما يثير الرغبة ويزلزل كيان المستعصم .
كان يوسف قد امتنع عن مضاجعة المرأة ، فذاقت آلام الهجر ، وسهر الليل ، والحرمان والإحباط ؛ فهددته بأنه إذا أصر على إبائه ، ولم يفعل ما آمره به من المضاجعة ؛ ليوضعن في السجن مع السرّاق والمجرمين والقتلة ، وليذوقن الصغار والذل بينهم ، فقد زهد في أميرة تلبس الحرير والديباج ، متهيأة لتلبية طلبه ، فليذق مثلها سهر الليالي مع المجرمين العتاة ، وليجلس على الأماكن الخشنة ، وليعاني آلاما مبرحة ؛ عقابا له على إهانتي ، وعدم تلبية أمري !
وهكذا نشاهد تعنت المرأة وتبجحها ؛ فهي تجاهر بالمعصية ، وتهدد المستعصم المستقيم ، وتستعين بالنسوة على إغرائه ، وتيسير أمره ؛ حتى يلبي دعوة الفاحشة .
ومن كل ما سبق نشاهد كمال يوسف ، وزهده في هذه المرأة وفي أمثالها ، بل واتجاهه إلى الله تعالى ؛ ليحفظه من هذا الإغراء المتتابع .
فلما تقرر عندهن جمال يوسف الظاهر ، وأعجبهن غاية ، وظهر منهن من العذر لامرأة العزيز ، شيء كثير - أرادت أن تريهن جماله الباطن بالعفة التامة فقالت معلنة لذلك ومبينة لحبه الشديد غير مبالية ، ولأن اللوم انقطع عنها من النسوة : { وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ } أي : امتنع وهي مقيمة على مراودته ، لم تزدها مرور الأوقات إلا قلقا ومحبة وشوقا لوصاله وتوقا .
ولهذا قالت له بحضرتهن : { وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ } لتلجئه بهذا الوعيد إلى حصول مقصودها منه ، فعند ذلك اعتصم يوسف بربه ، واستعان به على كيدهن
{ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ( 32 ) }
قالت امرأة العزيز للنسوة اللاتي قطَّعن أيديهن : فهذا الذي أصابكن في رؤيتكن إياه ما أصابكن هو الفتى الذي لُمتُنَّني في الافتتان به ، ولقد طلبته وحاولت إغراءه ؛ ليستجيب لي فامتنع وأبى ، ولئن لم يفعل ما آمره به مستقبلا لَيعاقَبَنَّ بدخول السجن ، ولَيكونن من الأذلاء .
قوله تعالى : { قالت } ، يعني : راعيل ، { فذلكن الذي لمتنني فيه } ، أي : في حبه ، ثم صرحت بما فعلت ، فقالت : { ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } ، أي : فامتنع ، وإنما صرحت به لأنها علمت أنه لا ملامة عليها منهم وقد أصابهن ما أصابها من رؤيته ، فقلن له : أطع مولاتك . فقالت راعيل : { ولئن لم يفعل ما آمره } ، ولئن لم يطاوعني فيما دعوته إليه ، { ليسجنن } ، أي : ليعاقبن بالحبس ، { وليكونا من الصاغرين } ، من الأذلاء . ونون التوكيد تثقل وتخفف ، والوقف على قوله : { ليسجنن } بالنون لأنها مشددة ، وعلى قوله { وليكونا } بالألف لأنها مخففة ، وهي شبيهة بنون الإعراب في الأسماء ، كقوله تعالى : رأيت رجلا ، وإذا وقفت ، قلت : رأيت رجلان بالألف ، ومثله : { لنسفعا بالناصية * ناصية } [ العلق-15 ، 16 ] . فاختار يوسف عليه السلام السجن على المعصية حين توعدته المرأة .
قوله : { قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ } أي هذا هو الذي لمتني في حبي إياه وافتتاني به ، وهو الذي شغفكن الآن حبا حتى شغل قلوبكن فقطعن أيديكن لفرط ما أصابكن من إعجاب وافتتان { وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ } راودته امرأة العزيز ، أي طلبت منه أن يفعل بها الفاحشة ، لكنه عليه السلام استعصم ، أي طلب العصمة ، فإنها تمنع من ارتكاب المعصية ؛ فهو بذلك قد استعصى وامتنع{[2234]} . وذلك إقرار كامل من امرأة العزيز ببراءة يوسف عليه السلام وأنه منزه مما قذفته به في أول الأمر وأن افتراءها عليه كان محض ظلم وبهتان .
قوله : { وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ } ذلك وعيد فاضح من امرأة العزيز بعد أن خلعت عن نفسها شيمة الحياء والاحتشام وهاجت في قلبها ووجدانها سورة الحب المتأجج الأعمى فراحت تهدد يوسف قائلة : لئن لم يفعل ما آمره به من الفاحشة ؛ فلسوف يكون جزاؤه السجن حيث الصغار والمذلة ؛ فيكون فيه مع الأذلة من السارقين والآبقين{[2235]} .