أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ} (4)

{ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب } عما كانوا عليه بأن آمن بعضهم أو تردد في دينه ، أو عن وعدهم بالإصرار على الكفر { إلا من بعد ما جاءتهم البينة } فيكون كقوله { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } وإفراد أهل الكتاب بعد الجمع بينهم وبين المشركين للدلالة على شناعة حالهم ، وأنهم لما تفرقوا مع علمهم كان غيرهم بذلك أولى .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ} (4)

1

المفردات :

وما تفرق : اختلفوا إلى طوائف في الدين .

ما جاءتهم البينة : يتحقق الموعود برسالة محمد صلى الله عليه وسلم .

التفسير :

4- وما تفرّق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البيّنة .

كان اليهود والنصارى يقرأون في كتبهم أن نبيا أظلّ زمانه ، بشّرت بذلك التوراة والإنجيل ، كما قال تعالى : الذين يتّبعون الرسول النبيّ الأميّ الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر . . . ( الأعراف : 157 ) .

وكما قال تعالى : وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله مصدّقا لما بين يديّ من التوراة ومبشّرا يأتي من بعدي اسمه أحمد . . . ( الصف : 6 ) .

وفي الحديث الشريف يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو كان موسى بن عمران حيّا ما وسعه إلا اتّباعي )iii .

لقد كانوا قبل البعثة المحمدية متفقين على انتظار نبيّ آخر الزمان ، وأنه النبي الخاتم ، وكان اليهود يقولون لإخوانهم من العرب من الأوس والخزرج : لقد أظل زمان نبيّ نعرف صفاته ، فسنتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم ، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به . . . ( البقرة : 89 ) .

لقد آمن بعض أهل الكتاب ودخلوا في الإسلام ، مثل عبد الله بن سلام من اليهود ، وكفر آخرون زاعمين أن محمدا ليس هو النبي الذي بشرت به التوراة والإنجيل ، وأن هذا النبي سيأتي فيما بعد ، لكن القرآن قد صدق في أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان ، رسول الله وخاتم النبيّين . . . ( الأحزاب : 40 ) . ولن يأتي رسول بعد محمد ، فإن من أسمائه العاقب ، أي الذي يأتي في آخر الزمان .

قال صلى الله عليه وسلم : ( أنا العاقب فلا نبي بعدي ) . iv

والخلاصة : أن محمدا صلى الله عليه وسلم لما جاءهم بالرسالة الواضحة البيّنة ، والكتاب الواضح المبين ، اختلفوا : فمنهم من آمن به ، ومنهم من كفر ، مع وجود البينة أي الحجة الواضحة أمامه ، وهي محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه المبين .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ} (4)

ثم بين - سبحانه - ما كان عليه أهل الكتاب من جحودهم للحق ، ومن إنكارهم له مع علمهم به ، فقال - تعالى - { وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينة } . أى : إن الجاحدين والمعاندين والحاسدين لك - أيها الرسول الكريم - من أهل الكتاب ، ما تفرقوا فى أمره ، وما اختلفوا فى شأن نبوتك . . إلأ من بعد أن جئتهم أنت بما يدل على صدقك ، دلالة لا يجحدها إلا جهول ، ولا ينكرها إلا حسود ، ولا يعرض عنها إلا من طغى وآثر الحياة الدنيا .

فالآية الكريمة كلام مستأنف ، المقصود به تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من هؤلاء الجاحدين ، فكأنه - سبحانه - يقول له : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لإِعراض من أعرض عن دعوتك من أهل الكتاب ، فإن إعراضهم لم يكن عن جهل ، وإنما عن عناد وجحود وحسد لك على ما آتاك الله من فضله .

وإنما خص - سبحانه - هنا أهل الكتاب بالذكر ، مع أن الكلام فى أول السورة كان فيهم وفى المشركين ، للدلالة على شناعة حالهم ، وقبح فعالهم ، لأن الإِعراض عن الحق ممن له كتاب ، أشد قبحا ونكرا ، ممن ليس له كتاب وهم المشركون .

والاستثناء فى الآية مفرغ ، والمستثنى منه عموم الأوقات . والمعنى : لم يتفرق الجاحدون من الذين أوتوا الكتاب فى وقت من الأوقات ، إلا فى الوقت الكائن بعد مجيء البينة لهم .

ومن الآيات القرآنية الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - { وَمَا تفرقوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ }