أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{لَمۡ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ} (1)

مقدمة السورة:

سورة البينة مختلف فيها ، وآيها ثماني آيات .

بسم الله الرحمن الرحيم{ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب } اليهود والنصارى فإنهم كفروا بالإلحاد في صفات الله سبحانه وتعالى ، و{ من } للتبيين ، والمشركين وعبدة الأصنام منفكين عما كانوا عليه من دينهم ، أو الوعد باتباع الحق إذ جاءهم الرسول صلى الله عليه وسلم { حتى تأتيهم البينة } الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو القرآن ؛ فإنه مبين للحق ، أو معجزة الرسول بأخلاقه ، والقرآن بإفحامه من تحدى به .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَمۡ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة البينة

أهداف سورة البينة

( سورة البينة مدنية ، وآياتها 8 آيات ، نزلت بعد سورة الطلاق )

وتعرض السورة أربع حقائق تاريخية وإيمانية :

الحقيقة الأولى : هي أن بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت ضرورية لتحويل الذين كفروا من أهل الكتاب ومن المشركين عما كانوا قد انتهوا إليه من الضلال والاختلاف ، وما كانوا ليتحولوا عنه بغير هذه البعثة .

قال تعالى : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكّين حتى تأتيهم البيّنة* رسول من الله يتلوا صحفا مطهّرة* فيها كتب قيّمة . ( البينة : 1-3 ) .

الحقيقة الثانية : إن أهل الكتاب لم يختلفوا في دينهم عن جهل ، ولا عن غموض فيه ، وإنما اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم ، وجاءتهم البينة : وما تفرّق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البيّنة . ( البينة : 4 ) .

الحقيقة الثالثة : إن الدّين في أصله واحد ، وقواعده بسيطة واضحة ، لا تدعو إلى التفرق والاختلاف في ذاتها وطبيعتها البسيطة اليسيرة : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيّمة . ( البينة : 5 ) .

الحقيقة الرابعة : إن الذين كفروا من بعد ما جاءتهم البينة هم شر البرية ، وإن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم خير البرية ، ومن ثم يختلف جزاء هؤلاء عن هؤلاء اختلافا بيّنا .

مع آيات السورة

1-لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكّين حتى تأتيهم البيّنة .

كانت الأرض فهي حاجة ماسة إلى رسالة جديدة ، كان الفساد قد عمّ أرجاءها كلها ، بحيث لا يرتجى لها صلاح إلا برسالة جديدة ، ومنهج جديدة ، وحركة جديدة ، وكان الكفر قد تطرق إلى عقائد أهلها جميعا ، سواء أهل الكتاب الذين عرفوا الديانات السماوية من قبل ثم حرّفوها ، أو المشركون في الجزيرة العربية وفي خارجها .

وما كانوا لينفكوا ويتحلوا عن هذا الكفر الذي صاروا إليه إلا بهذه الرسالة الجديدة ، وإلا على يد رسول يكون هو ذاته واضحة ، فارقة فاصلة .

2- رسول من الله يتلوا صحفا مطهّرة . أي : محمد صلى الله عليه وسلم –وهو بدل من البينة- يقرأ عليهم من صفحات كتابه المطهرة ، وآياته المقدسة ، ما يشتمل على المضمون الصحيح لكتبهم المنزلة على أنبيائهم ، موسى وعيسى وغيرهما ، عليهم جميعا الصلاة والسلام .

3- فيها كتب قيّمة . يطلق الكتاب على الموضوع ، كما تقول : كتاب الطهارة ، كتاب الصلاة ، كتاب الزكاة… أي : يشمل القرآن على موضوعات وحقائق قيمة ، تحتاج إليها البشرية ، ولا تصلح إلا بها .

لقد كان الفساد قد استشرى في الأرض قبل رسالة محمدا صلى الله عليه وسلم ، وطمست معالم الحق ، وبهتت حقائق الأديان ، وانسحب رجال الدين من ميدان الحياة ، واستبد الحكام والملوك ، وعظمت نكايات اليهود بالنصارى ، واشتد تدبير الكيد من النصارى لليهود ، واختلف النصارى حول طبيعة المسيح ، وعذّب الحكام طوائف المخالفين .

4-وما تفرّق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البيّنة . فلم يكن ينقصهم العلم والبيان ، وإنما كان يجرفهم الهوى والانحراف .

5-وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدّين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيّمة .

وهذه هي قاعدة دين الله على الإطلاق : عبادة الله وحده ، وإخلاص الدين له ، والميل عن الشرك وأهله ، وإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وذلك دين القيّمة . وهذا هو الدين الذي جاء في الكتب القيمة ، ( وقصارى ما سلف ، أن أهل الكتاب افترقوا في أصول الدين وفروعه ، مع أنهم ما أمروا إلا أن يعبدوا الله ، ويخلصوا له في عقائدهم وأعمالهم ، وألا يقلدوا فيها أبا ولا رئيسا ، وأن يردوا إلى ربهم وحده كل ما يعرض لهم من خلاف )i .

6- إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البريّة .

لقد كانت الرسل تتوالى كلما فسدت الأرض ، لتردّ الناس إلى الإصلاح ، فأما وقد شاء الله أن يختم الرسالات إلى الأرض بهذه الرسالة الأخيرة الجامعة ، الشاملة الكاملة ، فقد تحدد الموقف أمام الجميع بصفة قاطعة . فمن كفر بهذه الرسالة أو أشرك بالله فهو في نار جهنم يصلى نارها ، وهو من شرار الخلق ، جزاء إعراضه عن دعوة الحق ، وعن رسالة الله .

7- إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البريّة . أما من اهتدى قلبه للإيمان ، وكان إيمانه عن يقين وصدق ، فأتبع الإيمان بالأعمال الصالحات ، من عبادة وخلق ، وعمل وتعامل ، والتزام بشريعة الله والحفاظ عليها ، أولئك هم خير البريّة . وهم صفوة الله من خلقه ، حيث منحهم الهدى ، ويسر لهم العمل بأحكام هذا الدين .

قال تعالى : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده… ( الأنعام : 90 ) .

8- جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه . لقد أحسن الله جزاءهم في جنات إقامة دائمة ، تجري من تحتها الأنهار ، في جمال ونعمة ولذة دائمة ، وأسمى من ذلك سعادتهم برضا الله عنهم ، ومحبته لهم ، ثم اطمئنانهم ورضاهم العميق عن ربهم ، وثوابه ونعيمه . وذلك كله متوقف على خشية الله ، والخوف منه والالتزام بأمره .

ملخص السورة

لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ، تغير حال اليهود والنصارى والمشركين ، فمنهم من آمن به ، ومنهم من تردد في صحة الدين ، ومنهم من عاند وتكبر ، مع أن الله تعالى ما أمرهم إلا ليعبدوه مخلصين له الدين ، ولكن الفساد كان قد استشرى بين أرباب الديانات السابقة ، وكانت البينة الواضحة والنور الهادي هو بعثة محمد صلى الله عليه وسلم . وقد أوضح الله تعالى أن من كفر به سيصلى نار جهنم ، وأن من آمن به سيتمتع برضوان الله في جنات النعيم .

من فضائل السورة

أخرج أحمد ، والبخاري ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبيّ بن كعب : ( إن الله أمرني أن أقرأ عليك : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب… ) قال : وسمّاني لك يا رسول الله ؟ قال : ( نعم ) . قال : فبكى أبيّii .

أحوال الناس قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمان الرحيم

{ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكّين حتى تأتيهم البيّنة 1 رسول من الله يتلوا صحفا مطهّرة 2 فيها كتب قيّمة 3 وما تفرّق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البيّنة 4 وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيّمة 5 }

المفردات :

من أهل الكتاب : اليهود والنصارى .

المشركين : عبدة الأصنام .

منفكين : منتهين عما هم عليه .

البينة : الحجة الواضحة ، أو محمد الموعود به في كتبهم .

التفسير :

1

التفسير :

1- لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكّين حتى تأتيهم البيّنة .

أي : كان الفساد قد عمّ أرجاء الأرض ، وأقصى الدين عن الدنيا ، وانكمش رجال الدين في الصوامع والمعابد ، وكان الكفر قد تطرق إلى العقائد ، بسبب تحريف الكتب السماوية ، وحذف أجزاء منها أو إضافة أشياء إليها ليست منها ، وما كان أهل الكتاب والمشركون لينفكّوا ويتحوّلوا عن هذا الكفر الذي صاروا إليه ، إلا بهذه الرسالة الجديدة ، وإلا على يد رسول يكون هو ذاته بيّنة واضحة فارقة فاصلة .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{لَمۡ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ} (1)

مقدمة السورة:

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير سورة البينة

مقدمة وتمهيد

1- سورة " البينة " ، تسمى –أيضا- سورة " لم يكن . . " وسورة " المنفكين " وسورة " القيمة " وسورة " البرية " ، وعدد آياتها ثماني آيات عند الجمهور ، وعدها قراء البصرة تسع آيات .

2- وقد اختلف المفسرون في كونها مدنية أو مكية ، وقد لخص الإمام الآلوسي هذا الخلاف فقال : قال في البحر : هي مكية . . وقال ابن الزبير وعطاء بن يسار : مدنية . . وجزم ابن كثير بأنها مدنية ، واستدل على ذلك بما أخرجه الإمام أحمد عن أبي خيثمة البدري قال : لما نزلت هذه السورة ، قال جبريل : يا رسول الله ، إن ربك يأمرك أن تقرئها " أُبَيّاً " . فقال صلى الله عليه وسلم لأُبَيِّ بن كعب –رضي الله عنه- : " إن جبريل أمرني أن أقرئك هذه السورة " ، فقال أُبَيّ : أو قد ذكرت ثَمَّ يا رسول الله ؟ قال : " نعم " فبكى أُبَيّ .

وقد رجع الإمام الآلوسي كونها مدنية ، فقال : وهذا هو الأصح( {[1]} ) .

وهذا الذي رجحه الإمام الآلوسي هو الذي نميل إليه ، لأن حديثها عن أهل الكتاب ، وعن تفرقهم في شأن دينهم ، يرجح أنها مدنية ، كما أن الإمام السيوطي قد ذكرها ضمن السور المدنية ، وجعل نزولها بعد سورة " الطلاق " وقبل سورة " الحشر " ( {[2]} ) .

" مِنْ " فى قوله - تعالى - { مِنْ أَهْلِ الكتاب } للبيان ، وقوله - سبحانه - { مُنفَكِّينَ } : للعلماء فى معنى هذا اللفظ أقوال متعددة ، منها : أنه اسم فاعل من انفك بمعنى انفصل ، يقال : فككت الشيء فانفك إذا افترق ما كان ملتحما منه .

والبينة : الحجة الظاهرة التى يتميز بها الحق من الباطل ، وأصلها من البيان بمعنى الظهور والوضوح ، لأن بها تتضح الأمور ، أو من البينونة بمعنى الانفصال ، لأن بها ينفصل الحق عن الباطل بعد التباسهما .

والمراد بها هنا : رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لقوله - تعالى - بعد ذلك : { رَسُولٌ مِّنَ الله يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً } ، ولأنه صلى الله عليه وسلم كان فى ذاته برهانا على صحة ما ادعاه من النبوة ، لتحليه بكمال العقل وبمكارم الأخلاق ، ولإِتيانه بالمعجزات التى تؤيد أنه صادق فيما يبلغه عن ربه .

والمعنى : لم يكن الذين كفورا من أهل الكتاب ، وهم اليهود والنصارى ، ولم يكن - أيضاً - الذين كذبوا الحق من المشركين ، ولم يكن الجميع بمفارقين وبمنفصلين عن كفرهم وشركهم ، { حتى تَأْتِيَهُمُ البينة } التى هي الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلما أتتهم هذه البينة ، منهم من آمن ومنهم من استمر على كفره وشركه وضلاله ، وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : " كان الكفار من الفريقين ، أهل الكتاب ، وعبدة الأصنام ، يقولون قبل مبعث النبى صلى الله عليه وسلم : لا ننفك عما نحن عليه من ديننا ، ولا نتركه حتى يبعث النبى المكتوب فى التوراة والإنجيل ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، فحكى الله - تعالى - ما كانوا يقولونه ، ثم قال : { وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب } ، يعنى أنهم كانوا يَعِدُون باجتماع الكلمة ، والاتفاق على الحق ، إذا جاءهم الرسول ، ثم ما فرقهم عن الحق ، ولا أقرهم على الكفر ، إلا مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم ، ونظيره فى الكلام أن يقول الفقير الفاسق لمن يعظه : لست بمنفك عما أنا فيه حتى يرزقني الله - تعالى - الغنى ، فيرزقه الله الغنى فيزداد فسقا ، فيقول له واعظه : لم تكن منفكا عن الفسق حتى توسر ، وما غمست رأسك فى الفسق إلا بعد اليسار ، يذكره ما كان يقوله توبيخا وإلزاما .

وانفكاك الشيء من الشيء أن يزايله بعد التحامه به . كالعظم إذا انفك من مفصله .

والمعنى : أنهم متشبثون بدينهم لا يتركونه إلا عند مجيء البينة .

ومنهم من يرى : أن { مُنفَكِّينَ } بمعنى متروكين ، لا بمعنى تاركين ، أي : لم يكونوا جميعا متروكين على ما هم عليه من الكفر والشرك ، حتى تأتيهم البينة ، على معنى قوله - تعالى - : { أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى } أو المعنى : لم يكن هؤلاء القوم منفكين من أمر الله - تعالى - وقدرته ونظره لهم ، حتى يبعث الله - تعالى - إليهم رسولا منذرا ، تقوم عليهم به الحجة ، ويتم على من آمن النعمة ، فكأنه - تعالى - قال : ما كانوا ليتركوا سدى .

وهناك أقوال أخرى فى معنى الآية رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها .

وقد قدم الله - تعالى - ذكر أهل الكتاب فى البيان ، لأن كفرهم أشنع وأقبح . إذ كانوا يقرأون الكتب ، ويعرفون أوصاف النبى صلى الله عليه وسلم ، فكانت قدرتهم على معرفة صدقه أكبر وأتم . وفي التعبير عنهم بأهل الكتاب دون اليهود والنصارى ، تسجيل للغفلة وسوء النية عليهم . حيث علموا الكتاب ، وعرفوا عن طريقه أن هناك رسولا كريما قد أرسله الله - تعالى - لهدايتهم ، ومع ذلك كفروا به ، كما قال - تعالى - : { فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين }


[1]:- سورة إبراهيم: الآية 1.
[2]:- سورة الإسراء. الآية 9.