نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَأَنۡهَٰرٗا وَسُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ} (15)

ولما ذكر الأغوار ، الهابطة الضابطة للبحار ، أتبعها الأنجاد الشداد ، التي هي كالأوتاد ، تذكيراً بما فيها من النعم فقال : { وألقى في الأرض } أي وضع فيها وضعاً ، كأنه قذفه فيها قذفاً ، جبالاً { رواسي } مماسة لها ومزينة لنواحيها ، كراهة { أن تميد } أي تميل مضطربة يميناً وشمالاً ، أي فيحصل لكم الميد ، وهو دوار يعتري راكب البحر { بكم } فهي ثابتة لأجل ذلك الإلقاء ، ثابتة مع اقتضائها بالكرية التحرك .

ولما ذكر الأوهاد ، وأتبعها الأوتاد ، تلاها بما تفجره غالباً منها ، عاطفاً على { رواسي } لما تضمنه العامل من معنى " جعل " فقال : { وأنهاراً } وأدل دليل على ثبات الأرض ما سبقها من ذكر البحار ، ولحقها من الحديث عن الأنهار ، فإنها لو تحركت ولو بمقدار شعرة في كل يوم لأغرقت البحارُ من إلى جانب الانخفاض ، وتعاكست مجاري الأنهار ، فعادت منافعها أشد المضار ، ولو زادت البحار ، بما تصب فيها الأنهار ، على مر الليل وكر النهار ، لأغرقت الأرض ، ولكنه تعالى دبر الأمر بحكمته تدبيراً تعجز عن الاطلاع على كنهه أفكار الحكماء ، بأن سلط حرارة الشمس على الأرض في جميع مدة الصيف وبعض غيره من الفصول ، فسرت في أغوارها ، وحميت في أعماقها في الشتاء ، فأسخنت مياه البحار وغيرها فتصاعدت منها بخارات كما يتصاعد من القدر المغلي بقدر ما صبت فيها الأنهار ، فانعقدت تلك البخارات في الجو مياهاً لما بردت ، فنزل منها المطر ، فأحيى الأرض بعد موتها ، وتخلل أعماقها منه ما شاء الله ، فأمد الأنهار ، ولذلك تزيد بزيادة المطر وتنقص بنقصه ، وهكذا في كل عام ، فأوجب ذلك بقاء البحر على حاله من غير زيادة ، فسبحان المدبر الحكيم العزيز العليم ! ولما ذكر ذلك ، أتبعه ما يتوصل به إلى منافع كل منه فقال تعالى : { وسبلاً } .

ولما كانت الجبال والبحار والأنهار أدلة على السبل الحسية والمعنوية ، قال تعالى : { لعلكم تهتدون * } أي يحصل لكم الاهتداء فتهتدوا إلى مقاصدكم .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَأَنۡهَٰرٗا وَسُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ} (15)

قوله : ( وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ) الرواسي ، جمع راسية ، وهي الجبل العالي الثابت .

قوله : ( أن تميد بكم ) ( أن تميد ) في موضع نصب على المفعول له ؛ أي كراهة أن تميد بكم . وكراهة منصوب على أنه مفعول له . أو لئلا تميد بكم{[2506]} ؛ أي لئلا تضطرب بكم . و ( تميد ) ، من الميد وهو الميل يمينا وشمالا وهو الاضطراب . ماد يميد ميدا وهو مائد . ماء الشيء أي تحرك . ومادت الأغصان ؛ أي تمايلت{[2507]} .

والمعنى : أن الله عز وعلا قد رسّخ الجبال الشامخات الثقال في الأرض لتستقر بثقلها فلا تتحرك أو تتمايل وتضطرب .

قوله : ( وأنهار وسبلا لعلكم تهتدون ) عطف ( أنهارا ) على ( رواسي ) وعطف ( سبلا ) على ( أنهار ) أي جعل الله في الأرض أنهارا . وذلك دليل يضاف إلى الأدلة الكثيرة على قدرة الصانع العظيم . وكذلك جعل ( سبلا ) أي طرقا تسلكونها ( لعلكم تهتدون ) أي تهتدون بهذه السبل إلى مقاصدكم وانتقالكم من أجل أغراضكم وحاجاتكم .


[2506]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 76.
[2507]:- مختار الصحاح ص 640.