ولما بين سبحانه وتعالى حال المكرة المتمردين عليه في الدنيا ، أخذ يذكر حالهم في الآخرة تقريراً للآخرة وبياناً لأن عذابهم غير مقصور على الدنيوي ، فقال تعالى : { ثم يوم القيامة يخزيهم } أي الله تعالى الذي فعل بهم في الدنيا ما تقدم ، خزياً يشهده جميع الخلائق الوقوف في ذلك اليوم ، فيحصل لهم من الذل - جزاء على تكبرهم - ما يجل عن الوصف ، وعطفه ب " ثم " لاستبعادهم له ولما له من الهول والعظمة التي يستصغر لها كل هول { ويقول } أي لهم في ذلك الجمع تبكيتاً وتوبيخاً : { أين شركاءي } على ما كنتم تزعمون ، وأضاف سبحانه إلى نفسه المقدس لأنه أقطع في توبيخهم وأدل على تناهي الغضب { الذين كنتم } أي كوناً لا تنفكون عنه { تشاقون فيهم } أوليائي ، فتكونون بمخالفتهم في شق غير شقهم ، فتخضعون لما لا ينبغي الخضوع له ، وتتكبرون على من لا ينبغي الإعراض عنه ، ما لهم لا يحضرونكم ويدفعون عنكم في هذا اليوم ؟ وقرىء بكسر النون لأن مشاققة المأمور مشاققة الآمر .
ولما كان المقام للجلال والعظمة المستلزم لزيادة الهيبة التي يلزم عنها غالباً خرس المخزي عن جوابه لو كان له جواب ، وكان من أجل المقاصد في تعذيبهم العدل بتفريح الأولياء وإشماتهم بهم ، جزاء لما كانوا يعملون بهم في الدنيا ، وكانت الشماتة أعلى محبوب للشامت وأعظم مرهوب للمشموت فيه ، وأعظم مسلّ للمظلوم ، دل على سكوتهم رغباً عن المبادرة بالجواب بتأخير الخبر عنه وتقديم الخبر عن شماتة أعدائهم فيهم في سياق الجواب عن سؤال من قال : هل علم بذلك المؤمنون ؟ فقيل : { قال الذين } ولما كان العلم شرفاً للعالم مطلقاً ، بني للمفعول قوله : { أوتوا العلم } أي انتفعوا به في سلوك سبيل النجاة من الأنبياء عليهم السلام ومن أطاعهم من أممهم ، إشارة إلى أن الهالك يصح سلب العلم عنه وإن كان أعلم الناس ، وعدل عن أن يقول : أعداؤهم أو المؤمنون ونحوه ، إجلالاً لهم بوصفهم بالعلم الذي هو أشرف الصفات لكونه منشأ كل فضيلة ، وتعريضاً بأن الحامل للكفار على الاستكبار الجهل الذي هو سبب كل رذيلة { إن الخزي } أي البلاء المذل { اليوم } أي يوم الفصل الذي يكون للفائز فيه العاقبة المأمونة { والسوء } أي كل ما يسوء { على الكافرين * } أي العريقين في الكفر الذين تكبروا في غير موضع التكبر ، لا على غيرهم ؛
قوله : ( ثم يوم القيامة يخزيهم ) فوق العذاب الذي يحل بالظالمين الخاسرين في الدنيا ، أعد الله لهم يوم القيامة من سوء العذاب والنكال ما هو أشد وأخزى .
قوله : ( ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم ) يسأل الله المشركين الضالين يوم القيامة سؤال توبيخ وتقريع : أين الآلهة التي كنتم تزعمون في الدنيا أنهم شركائي والذين كنتم ( تشاقون فيهم ) أي تعادون المؤمنين وتخاصمونهم من أجلهم – أي أجل الشركاء . والمشاقة هي أن يكون أحد الخصمين في شق ، والآخر في الشق الآخر . فما لهؤلاء الشركاء لا يحضرون اليوم ولا يدفعون عنكم شيئا من العذاب والخزي .
قوله : ( قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ) المراد بالذين أوتوا العلم ، العلماء الذين كانوا يدعون الناس إلى دين الله ؛ فهم يقولون للخاسرين الذين باءوا بالعذاب والخزي يوم القيامة : إن الذل والهوان والويل اليوم على الذين كفروا بربهم وشاقوا الله ورسله والمؤمنين . لا جرم أن إظهار الشماتة بالخاسرين يوم القيامة يزيد في إيلامهم والتنكيل بهم{[2519]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.