ولما ذكر سبحانه الحج في هذه السورة المدنية وكان سبيله إذ ذاك ممنوعاً عن أهل الإسلام بأهل الحرب{[8160]} الذين أخرجوهم من بلدهم ومنعوهم من المسجد الذي{[8161]} هم أحق به من غيرهم وكان الحج من{[8162]} الجهاد وكان كل من الصوم والجهاد تخلياً من الدنيا " سياحة أمتي الصوم ، ورهبانية أمتي الجهاد " وكانت أمهات العبادات موقتة{[8163]} وهي الصلاة والزكاة والصوم والحج ، وغير موقتة{[8164]} وهي : الذكر والجهاد وهو قتال أهل الحرب خلافاً لما{[8165]} كان عند أهل الجاهلية من توقيته مكاناً بغير الحرم وزماناً بغير الأشهر الحرم وكان القتال في الأشهر الحرم وفي الحرم في غاية المنع فكيف عند المسجد وكان سبحانه قد ذكر العبادات الموقتة أتبعها بغير الموقتة وهي الجهاد الذي هو حظيرة الموقتة الذي لا سلامة لها بدونه التفاتاً إلى الظالمين{[8166]} بالمنع عن المسجد الحرام والإخراج منه ، فأمر بأن يفعل معهم مثل ما فعلوا من القتال والإخراج فعل الحكيم الذي يوصي بالشيء العظيم ، فهو يلقيه بالتدريج في أساليب البلاغة وأفانين البيان تشويقاً إليه{[8167]} وتحريضاً عليه بعد أن{[8168]} أشار لأهل هذا الدين أولاً بأنه يخزي{[8169]} ظالميهم وثانياً بأن المقتول منهم حي يرزق وثالثاً بمدحهم{[8170]} على الصبر في مواطن البأس بأنهم الذين صدقوا وأنهم المتقون فلما شوقهم إلى جهاد أهل البغي{[8171]} والعناد ألزمهم القتال بصيغة الأمر لتيسير باب{[8172]} الحج الذي افترضه وسبيله ممنوع بأهل الحرب فقال تعالى وقيل : إنها أول آية نزلت في القتال ، قاله الأصبهاني{[8173]} : {[8174]}{ وقاتلوا في سبيل الله } {[8175]}أي الذي {[8176]}لا كفوء له{[8177]} إشعاراً{[8178]} بذكره على سبيل الإطلاق بعد الموقت{[8179]} بالهلال{[8180]} إلى أنه غير موقت به . قال الحرالي : من حيث إنه حظيرة على دين الإسلام المقيد بالمواقيت من حيث إن الإسلام عمل يقيده{[8181]} الوقت ، والدفع عنه أمر لا يقيده وقت بل أيان{[8182]} طرق{[8183]} الضر{[8184]} لبناء الإسلام دفع عنه كما هو حكم الدفع في الأمور الدينية ، فكانت الصلاة لمواقيت اليوم والليلة ، والصوم والحج لمواقيت الأهلة ، والزكاة لميقات الشمس ، والجهاد لمطلق الميقات حيث ما وقع من {[8185]}مكان وزمان ناظراً بوجه ما لما يقابله من عمود الإسلام الذي هو {[8186]}ذكر كلمة الإخلاص وهي لا إله إلا الله على الدوام{ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً{[8187]} }[ الأحزاب : 41 ]
{ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم{[8188]} }[ التوبة : 5 ] انتهى . {[8189]}وقال{[8190]} { الذين يقاتلونكم } أي من شأنهم{[8191]} قتالكم{[8192]} لا{[8193]} من ليس شأنه ذلك كالصبيان ؛ وفيه إشعار بأن القتال{[8194]} عن سبب المقاتلة{[8195]} فهو مما{[8196]} يفعل{[8197]} عن سبب لا مما يفعل لوقت ، وصيغة المضارع لم يقصد بها{[8198]} إلا صدور الفعل من غير نظر إلى زمان مخصوص كما قالوه في أمثاله .
ولما كان الله سبحانه وتعالى قد{[8199]} أوجب العدل{[8200]} في كل شيء حتى في حق أعدائه قال{[8201]} : { ولا تعتدوا{[8202]} } فنظم{[8203]} ذلك ابتداء القتال لمن{[8204]} لم يبح له{[8205]} ابتداءه{[8206]} به إما بعهد أو بغير دعوة لمن لم يبلغه أمر الدين أو بغير ذلك من أنواع الخيانة والغدر وقتل النساء والصبيان والشيوخ الفانين الذين لا منعة فيهم ولا رأي لهم ، ودوام القتال لمن ألقى السلم بعد الابتداء به ، {[8207]}فحذف المتعلق اختصاراً فأفاد زيادة المعنى وهو من غريب أفانين البلاغة{[8208]} وكأنه أفهم{[8209]} بصيغة الافتعال التقييد بالتعمد ، ثم علل ذلك بقوله : { إن الله } أي لما له من صفات الكمال { لا يحب المعتدين * } مطلقاً في هذا وغيره ، أي لا يفعل بهم من الخير فعل المحب .
قوله تعالى : ( وقاتلوا في سبيل اله الذي يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين )
كان القتال قبل الهجرة ممنوعا . وهو ما يدل عليه قوله تعالى : ( ادفع بالتي هي أحسن ) وقوله : ( فاعف عنهم ) وقوله : ( واهجرهم هجرا جميلا ) ولما هاجر النبي ( ص ) إلى المدينة أمره بالقتال بقوله : ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم ) فكان النبي يقاتل من قاتل ويكف عمن كف عنه حتى نزل قوله تعالى : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) وروي أن هذه أول آية نزلت في الأمر بالقتال . وقيل : أول آية في ذلك هي قوله تعالى : ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ) .
قوله : ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المفسدين ) فقد جاء في تأويل هذه الآية قولان :
القول الأول : إن الله يأمر عباده المؤمنين بمقاتلة أعدائهم الذين يقاتلونهم حتى إذا كف الأعداء عن مقاتلتهم ، كان على المؤمنين أن يكفوا كذلك بالمثل ؛ لأن قتالهم من لم يقاتلهم من الكافرين يعتبر عدوانا والله سبحانه ( لا يحب المعتدين ) .
وقيل أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) وبقوله تعالى : ( وقاتلوا المشركين كافة ) .
القول الثاني : إن هذه الآية ليست منسوخة بل هي محكمة . وتأويل ذلك أن الله يأمر المؤمنين بمقاتلة أعدائهم الكافرين الذين شأنهم وحالهم وهمهم قتال المسلمين . فكأن الكافرين على قتال دائم مع المؤمنين ، فمن كانت حالة هذه وجب قتاله .
أما الاعتداء الذي نهى الله عنه في هذه الآية فهو كما قاله الحسن البصري يتناول المنهيات من أمور الحرب مثل الغلول والمثلة وقتل النساء والصبيان والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم ثم الرهبان وأصحاب الصوامع ، وتحريق الأشجار وقتل الحيوان لغير مصلحة . ويصدق ذلك كله ما جاء في صحيح مسلم أن رسول الله ( ص ) كان يقول : " اغزوا في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ، اغزوا ، ولا تغلو ، ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا الوليد ولا أصحاب الصوامع " .
وعن ابن عباس قال : كان رسول الله ( ص ) إذا بعث جيوشه قال : " اخرجوا بسم الله ، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله ، ولا تعتدوا ، ولا تغلوا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا الوالدان ولا أصحاب الصوامع " .
وعن عبد الله بن عمر قال : وجدت امرأة في بعض مغازي النبي ( ص ) مقتولة فأنكر رسول الله ( ص ) قتل النساء والصبيان .
وقد ذكر القرطبي في تفسيره صورا ستا لأولئك الذين يتجنبهم المسلمون في الحرب فلا يقتلونهم وهم على التفصيل التالي :
أولا : النساء إن لم يقاتلن المسلمين فلا يؤذين ولا يقتلن ، أما إن قاتلن المسلمين أو عملن على تقوية الأعداء بتحريضهم على قتال المسلمين وإمدادهم بالمال والغذاء والعلاج وغير ذلك فإنهن بذلك يقتلن .
ثانيا : الصبيان فهم لا يقتلون ؛ لما ثبت من دليل في النهي عن قتلهم ؛ ولأنهم أصلا غير مكلفين ، لكنهم إن حملوا السلاح مع الأعداء وقاتلوا المسلمين فقد بات قتلهم واجبا .
ثالثا : الرهبان . وهم كذلك لا يقتلون ولا ينبغي إيذاؤهم وإنما يتركون وحالهم من عبادتهم ، لكنهم إذا شاركوا الأعداء في قتال المسلمين قتلوا . وفي يقول أبو بكر الصديق في وصية له ليزيد بن أبي سفيان حينما بعثه إلى الشام : وستجد أقواما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله ، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له ، فإن كانوا مع الكفار في الكنائس قتلوا .
رابعا : الزمنى . وهم ذوو الأمراض والعلل المزمنة فإنهم إذا لم يعينوا الكافرين على قتال المسلمين تركوا على الراجح .
خامسا : الشيوخ المسنون . فإن في حكم هؤلاء تفصيلا . فإن كان المسن كبيرا هرما لا يستطيع قتالا أو تقديم رأي أو مشورة للعدو فإنه لا يقتل . وقد ذهب إلى ذلك الإمامان مالك وأبو حنيفة- رضي الله عنهما- وهو قول الجمهور .
أما الإمام الشافعي فله في ذلك قولان . أحدهما : مثل قول الجمهور السابق .
وثانيهما : أنه يقتل . والصحيح ما ذاهب إليه الجمهور استنادا إلى وصية الصديق رضي الله عنه إلى يزيد بن أبي سفيان بعدم قتل أصناف من الناس وفيهم الشيوخ إلا إذا شاركوا في أذية المسلمين في قول أو رأي أو مشورة أو عمل .
سادسا : العسفاء . وهو جميع مفرده : عسيف وهو الأجير . وكذلك الفلاحون الذين ينقطعون لحراثة الأرض وزراعتها . ففي مثل هؤلاء خلاف من حيث الحكم . فقد قال الإمام مالك بعدم قتلهم . وقال الشافعي بقتلهم إلا أن يسلموا أو يؤدوا الجزية . والظاهر أن ما ذهب إليه مالك في هذه المسألة وهو الراجح ؛ وذلك لقول النبي ( ص ) : " الحق بخالد بن الوليد فلا يقتلن حراثا كما ذكر{[253]} .