نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعۡتَدَوۡاْ مِنكُمۡ فِي ٱلسَّبۡتِ فَقُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ} (65)

ثم جاءت قصة المعتدين في السبت مؤكدة لذلك إذ كان حاصلها أنهم لما ضيعوا أمراً واحداً من أوامره واستخفوا به وهو تحريم السبت عذبهم بعذاب لم يعذب به أحداً من العالمين فقال : ولقد وأقرب من ذلك أن يقال إنه سبحانه لما ذكرهم بنعمة العفو الحافظ لهم من الخسران قرعهم بجلافة أخرى لهم خذل بها فريقاً منهم حتى غلبهم الخسران {[3026]}فما ضروا{[3027]} إلاّ أنفسهم مقسماً على أنهم بها عالمون ولها مستحضرون ، فقال تعالى{[3028]} عاطفاً على ما تقديره : لقد علمتم جميع ذلك من عهودنا وما ذكرنا من الإيقاع بمن نقض{[3029]} من شديد وعيدنا ومن التهديد على ذلك بضرب الذلة وما تبعها من أنواع النكال . و { لقد } أي وعزتي لقد { علمتم الذين اعتدوا } أي تعمدوا العدوان { منكم في السبت } بأن{[3030]} استحلوه وأصل السبت القطع للعمل ونحوه .

{ فقلنا }{[3031]} أي فتسبب عن اعتدائهم أن قلنا{[3032]} بما لنا من العظمة{[3033]} . " لهم{[3034]} كونوا " بإرادتنا{[3035]} { قردة خاسئين * } أي صاغرين مطرودين جمع خاسىء من الخسىء وهو طرد بكره واستخباث{[3036]} ، وسبب ذلك{[3037]} أن الله تعالى أمرهم بيوم الجمعة فأبوا{[3038]} إلا السبت ، فألزمهم الله إياه وجعله لهم محنة وحرم عليهم فيه العمل ، فاصطادوا على تهيب وخوف من العقوبة ، فلما طال زمن{[3039]} عفوه عنهم وحلمه سبحانه فتجاهروا بالمعصية مسخ منهم من عصى بالمباشرة ومن سكت عن النهي عن المنكر .


[3026]:في م: لم يصلح.
[3027]:في م: فاضروا وفي مد: فما ضرا – كذا.
[3028]:العبارة من هنا إلى "النكال" ليست في ظ.
[3029]:في م: نقص.
[3030]:في م: أي.
[3031]:زيد في م: لهم.
[3032]:ليست في ظ.
[3033]:ليست في ظ.
[3034]:ليس في م.
[3035]:ليس في ظ.
[3036]:العبارة من هنا إلى "عن المنكر" ليست في ظ.
[3037]:قال أبو حيان: والاعتداء كان على ما نقل من أن موسى أمره الله بصوم يوم الجمعة وعرفه فضله كما أمر به سائر الأنبياء فذكر ذلك لبني إسرائيل وأمرهم بالتشرع فيه فأبوه وتعدوه إلى يوم السبت فأوحى الله إلى موسى أن دعهم وما اختاروه وامتحنهم فيه بأن أمرهم بترك العمل وحرم عليهم فيه صيد الحيتان فلم يظهر واللسبت الآخر فبقوا على ذلك زمانا حتى اشتهوا الحوت، فعمد رجل يوم السبت فربط حوتا بخزمة وضرب له وتدا بالساحل فلما ذهب السبت جاء فأخذه فكان هذا من أعظم الاعتداء
[3038]:ليس في م
[3039]:ليس في م.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعۡتَدَوۡاْ مِنكُمۡ فِي ٱلسَّبۡتِ فَقُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ} (65)

قوله تعالى : ( ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين ) ذلك خطاب من الله لليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يذكرهم بقصة العدوان والتحدي اللذين مارسهما آباؤهم من بني إسرائيل يوم تحيلوا على دينهم بطريقة مفضوحة تقوم على الكذب والخديعة فاصطادوا السمك والحيتان يوم السبت ، وقوله سبحانه : ( ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم يوم السبت ) ولم يقل عرفتم ، فإن المعرفة متعلقة بذات الإنسان وعينه لكن العلم متعلق بأوصافه وأحواله . فاليهود الذين عاصروا النبي عليه السلام يعلمون عن حال آبائهم وأجدادهم من بني إسرائيل الذين اعتدوا في السبت .

والمعلوم أن السبت لدى اليهود هو يوم عبادة ينقطعون فيه عن جميع الأعمال والممارسات سوى العبادة وما لها من مقتضيات ، فأحست الأسماك والحيتان بغريزتها أن هذا اليوم بات يوم أمن وسلام لها ، فلا يصيبها فيه أذى أو اعتداء ، فكانت بذلك تفيض صوب الشاطىء بأعداد كثيفة كاثرة مما ألهب في نفوس بني إسرائيل غريزة الطمع وجمع المال فجعلوا يصنعون الحفر والحبائل والبرك لتلجأ إليها الأسماك يوم السبت دون أن تتمكن بعد ذلك من الخروج أو التخلص فتظل حبيسة محشورة على هذه الحال إلى أن ينقضي السبت ، ثم تأتي جماعات يهود فتأخذ ما وقع من هذه الأسماك والحيتان متذرعين بأنهمن أخذوها الأحد ، وتلك طريقة المعتدين الخونة الذين ألهبهم الطمع واستفز أعصابهم ونفوسهم لتجهد لاهثة وراء المال والحطام الزائل ، وقد كان ذلك من خلال أسباب خسيسة في الاحتيال والغش والخداع الأثيم .

وقوله : ( السبت ) وهو مفرد مصدر جمعه أسبت وسبوت ، ومعناه : الراحة والقطع ، والانقطاع عن المعيشة والاكتساب ، {[73]} ليتسنى لهم أن يعبدوا الله غير منشغلين بما يعيق .

وقوله : ( فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) كان ذلك جزاء لهم على فعلتهم الماكرة بالتحايل على أوامر الله بأسلوب رخيص ينم على سوء في النية وفساد في الطبع والسجية ، فقد أمر الله بقدرته المطلقة التي تتحقق فيما بين الكاف والنون ( كن ) أن يتحول هذا الفريق الفاسد المتجاوز المحتال الى قردة ، لكن هل انقلبوا إلى قردة من حيث الحكم والمعنى أو من حيث الحقيقة والصورة فوق الحكم والمعنى .

ثمة قولان في هذه المسألة أحدهما : أن الذين اعتدوا في السبت قد نسخ الله نفوسهم وطبائعهم فحولها من هذه الناحية إلى ما يشبه القردة من حيث الطبائع والنفوس من غير أن يؤثر ذلك على ظاهر الخلقة في شكلها الآدمي .

والقول الثاني : أن الله قد مسخهم إلى قردة من حيث الحقيقة والصورة والمعنى فاستحالوا بذلك إلى قردة حقيقيين لا يفرقهم عنهم أي فارق ، لا في الصورة ولا في المعنى وذلك ما ذهب إليه أكثر العلماء وهو الذي نرجحه أخذا بظاهر الآية الحقيقي ، إذ لا تعويل على المجاز ما دامت الحقيقة للتعبير القرآني بارزة ومكشوفة والله تعالى أعلم .

على أن الأخذ بالقول الثاني يغني عن الأول أو هو يشمله فظاهر الآية يدل على تحويل هؤلاء المعتدين إلى قردة ، وذلك من حيث الحقيقة والصورة ، وكذلك من حيث المعنى وهو قد بات مندرجا في تركيبة القرود ، ذلك أن من تحصيل الحاصل أن نقول أن القرد ينطوي على خلقة شكلية ومعنوية واضحة ومفهومة ، وبعبارة أخرى فإن من المستحيل أن نتصور قردا في طبع يختلف عن طبائع القرود ، فما دام هؤلاء قد تحولوا إلى قردة ، فإن عملية التحويل باتت كاملة تماما ليكونوا قردة حقيقيين ، وذلك من حيث الصورة والمعنى كلاهما .

وقوله : ( خاسئين ( أي مبعدين منزجرين ، من الفعل خسأ وانخسأ أي بعد وطرد وانزجر والخاسىء هو القميىء الصاغر المطرود الذي لا يترك فيدنو من طارده . {[74]}

ومثل ذلك قوله تعالى : ( قال اخشوا فيها ولا تكلمون ( يقال ذلك لأهل النار الذين يتصايحون راجين فيقال لهم : ( اخشوا ( أي امكثوا مبعدين صاغرين مطرودين .


[73]:مختار الصحاح ص 281.
[74]:مختار الصحاح ص 175.