نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (67)

ولما وبخهم{[17871]} على ذلك من جهلهم نفى سبحانه وتعالى عن إبراهيم عليه{[17872]} الصلاة والسلام ما ادعاه عليه كل منهم طبق ما برهنت{[17873]} عليه الآية الأولى ، ونفى عنه كل شرك أيضاً ، وأثبت أنه كان مائلاً عن كل باطل{[17874]} منقاداً مع الدليل إلى كل حق بقوله سبحانه وتعالى : { ما كان إبراهيم يهودياً } أي كما ادعى اليهود { ولا نصرانياً } كما ادعى النصارى - لما تقدم من الدليل { ولكن كان حنيفاً{[17875]} مسلماً } وقد بين معنى الحنيف عند قوله تعالى :{ قل بل ملة إبراهيم حنيفاً }[ البقرة : 135 ] بما يصدق على المسلم ، وقال الإمام العارف ولي الدين الملوي في كتابه حصن النفوس في السؤال في القبر : واليهودي{[17876]} أصله من آمن بموسى عليه الصلاة والسلام والتزم أحكام التوراة ، والنصراني من آمن بعيسى عليه الصلاة والسلام{[17877]} والتزم أحكام الإنجيل ، ثم صار{[17878]} اليهودي{[17879]} من كفر بما أنزل بعد موسى عليه الصلاة والسلام ، والنصراني{[17880]} من كفر بما أنزل بعد عيسى عليه الصلاة والسلام ، والحنيف المائل عن كل دين باطل ، والمسلم المطيع لأوامر الله سبحانه وتعالى في أي كتاب أنزلت{[17881]} مع أي رسول أوردت{[17882]} ، وإن شئت قلت : هو المنقاد لله سبحانه وتعالى وحده بقلبه ولسانه وجميع جوارحه المخلص عمله لله عزّ وجلّ ، قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال له : قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً {[17883]}غيرك " قل : آمنت بالله ثم استقم " انتهى .

ثم خص بالنفي{[17884]} من عرفوا بالشرك مع الصلاح{[17885]} لكل من داخله شرك من غيرهم كمن أشرك{[17886]} بعزير و{[17887]}المسيح عليهما الصلاة والسلام فقال : { وما كان من المشركين * } وفي ذكر{[17888]} وصفي الإسلام والحنف تعريض{[17889]} لهم بأنهم في غاية العناد والجلافة{[17890]} واليبس{[17891]} في التمسك بالمألوفات وترك ما أتاهم من واضح الأدلة وقاطع الحجج البينات .


[17871]:في الأصل: ومحهم، وفي ظ: نوبخهم، وفي مد: ونحهم.
[17872]:من ظ ومد، وفي الأصل: على.
[17873]:من ظ ومد، وفي الأصل: هبت.
[17874]:من مد، وفي الأصل وظ: باطلة.
[17875]:سورة 2 آية 135.
[17876]:من ظ ومد، وفي الأصل: واليهود.
[17877]:تكرر في ظ.
[17878]:تكرر في ظ.
[17879]:في ظ: اليهود.
[17880]:في ظ: النصارى.
[17881]:في ظ: أنزل.
[17882]:من مد، وفي الأصل: أورد، وفي ظ: وردت.
[17883]:في ظ: أحد.
[17884]:من مد، وفي الأصل: بالشرك لنفي، وفي ظ: بالنهي.
[17885]:في ظ: الصلاحية.
[17886]:وقع في ظ: بعد نزول ـ كذا مصحفا.
[17887]:وقع في ظ: بعد نزول ـ كذا مصحفا.
[17888]:من ظ، وفي الأصل ومد: ذلك.
[17889]:من ظ، وفي الأصل: تفريطها، وفي مد: بقولهم ـ كذا.
[17890]:في ظ: الخلافة، وفي مد: الجلافة.
[17891]:من مد، وفي الأصل: التبس، وفي ظ: من البيس.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (67)

قوله تعالى : ( ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين ) هذا إعلان مجاهر وتصريح مجلجل وظاهر لا شك فيه ولا غموض عن نفي اليهودية والنصرانية عن خليل الله إبراهيم ، فما كان هذا النبي عليه الصلاة والسلام تابعا لكلا الفريقين ؛ لأنهم كانوا وما زالوا أهل شرك ، وهم بعيدون كل البعد عن الحنيفية المسلمة . الحنيفية القائمة على التوحيد الخالص لله . الحينفية التي تبرأ كل البراءة من وثنية اليهود والنصارى ، أما اليهود فقد عبدوا عزيرا فضلا عن عبادتهم للشهوات ، شهوة المال ، وشهوة التسلط وشهوة الكيد ، وشهوة الهوى بكل صوره وألوانه .

وكذلك النصارى فقد عبدوا المسيح وقالوا فيه من فرط المغالاة والشذوذ ما يثير النكر والاشمئزاز .

وقوله : ( ولكن كان حنيفا مسلما ) لكن حرف استدراك . والحنيف هو المائل عن العقائد الزائغة المنحرفة . أو المتحنف عن الشرك القاصد إلى التوحيد وهو من الحنف بالتحريك وهو يعني الاستقامة واعتزال عبادة الأصنام . ومنه الحنيفية وهي اتباع أمر الله والاستقامة على محجة الهدى{[487]} .

أما قوله : ( مسلما ) أي خاشعا لله بقليه متذللا له بجوارحه ، مذعنا لما فرض عليه . وهو من الاستسلام ، أي الانقياد لأوامر الله والامتثال له بالطاعة والخضوع{[488]} .

هكذا كان خليل الرحمن إبراهيم ، هذا النبي الأواه الحليم لا جرم أنه غاية في الحنيفية المستقيمة البعيدة أشد البعد عن كل صور الإشراك بالله ، ما بين عبادة لصنم أو بشر أو غيرهما من الكائنات وأشكال الهوى والشهوات . ولهذا قال سبحانه : ( وما كان من المشركين ) .

وربما يهرف حانق مارق أو مجادل خصيم بأن ما اعترضتم به على مقالة اليهود والنصارى في دعواهم أن إبراهيم كان منهم- ينسحب كذلك على الإسلام القائل ( ولكن كان حنيفا مسلما ) مع أن إبراهيم سابق لنبوة محمد صلى الله عليه و سلم بزمن بعيد !

والجواب عن ذلك أن المراد بالحنيف المسلم ما بيناه آنفا . وجملته أن إبراهيم كان على الحنيفية السمحة المبرأة من كل أدران الوثنية والشرك ، الحنيفية التي تعني الميل عن الشرك إلى الإسلام والثبات عليه . وأساس ذلك كله الإقرار الكامل لله بالعبودية وأنه وحده الإله المعبود الديان .


[487]:- القاموس المحيط جـ 3 ص 143.
[488]:- القاموس المحيط جـ 3 ص 132 ومختار الصحاح ص 311 وتفسير البيضاوي ص 77 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 372