نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡقَصَصُ ٱلۡحَقُّۚ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (62)

ولما كان العلم الأزلي حاصلاً بأن المجادلين في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام يكفون عن المباهلة بعد المجادلة خوفاً من الاستئصال في العاجلة مع الخزي الدائم في الآجلة ، وكان كفهم{[17758]} عن ذلك موجباً للقطع بإبطالهم في دعواهم لكل من يشاهدهم أو يتصل به خبرهم ، حسن كل الحسن تعقيب{[17759]} ذلك بقوله : - تنبيهاً على ما فيه من العظمة - { إن هذا } أي الذي تقدم ذكره من أمر عيسى عليه السلام وغيره{[17760]} { لهو } أي خاصة دون غيره مما يضاده { القصص الحق } والقصص - كما قال الحرالي - تتبع الوقائع بالإخبار{[17761]} عنها شيئاً بعد شيء على ترتيبها ، في معنى قص{[17762]} الأثر ، وهو اتباعه حتى ينتهي إلى محل ذي الأثر - انتهى .

ولما بدأ سبحانه وتعالى القصة أول السورة بالإخبار بوحدانيته مستدلاً على ذلك بأنه الحي القيوم صريحاً{[17763]} ختمها بمثل ذلك إشارة{[17764]} وتلويحاً فقال - عاطفاً على ما أنتجه ما تقدم من أن عيسى صلى الله عليه وسلم عبد الله ورسوله معمماً للحكم معرقاً{[17765]} بزيادة الجار{[17766]} في النفي : { وما من إله } أي معبود بحق ، لأن له صفات الكمال ، فهو{[17767]} بحيث يضر وينفع { إلا الله } أي المحيط بصفات الكمال ، لأنه الحي القيوم - كما مضى التصريح به ، فاندرج في ذلك عيسى عليه الصلاة والسلام وغيره ، وقد علم من هذا السياق أنهم لما علموا{[17768]} تفرده{[17769]} تركوا المباهلة رهبة منه سبحانه وتعالى علماً منهم بأنهم له عاصون ولحقّه مضيعون وأن ما يدعون إلهيته لا شيء في يده من الدفع عنهم ولا من النفع لهم ، فلا برهان أقطع من هذا .

ولما كان في{[17770]} نفي العزة والحكمة عن غيره تعالى نوع خفاء{[17771]} أتى بالوصفين على طريق الحصر فقال - عاطفاً على ما قدّرته مما{[17772]} أرشد السياق إلى أنه علة ما قبله من نفي : { وإن الله } أي الملك الأعظم { لهو } أي وحده { العزيز الحكيم * } وهذا بخلاف الحياة والقيومية فإنه لم يؤت بهما على طريق الحصر لظهورهما ، وقد علم بلا شبهة بما علم من أنه لا عزيز ولا حكيم إلا هو أنه لا إله إلا هو .


[17758]:في مد: يفهم.
[17759]:من ظ ومد، وفي الأصل: تعقبت.
[17760]:ما بين الحاجزين زيد من ومد.
[17761]:من ظ ومد، وفي الأصل: الاخبار.
[17762]:في ظ: أقص.
[17763]:في ظ: ختم ذلك إشارة.
[17764]:في ظ: ختم ذلك إشارة.
[17765]:في ظ: مغرقا.
[17766]:في ظ: المجاز.
[17767]:في ظ: وهو.
[17768]:في ظ: قالوا ـ كذا.
[17769]:من ظ ومد، وفي الأصل: انفراده.
[17770]:زيد من ظ ومد.
[17771]:في ظ: خفى.
[17772]:زيد في الأصل: الحياة و القومية فإنه لم يوت بهما على طريق الحصر، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها، وستأتي بعد اختتام الآية.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡقَصَصُ ٱلۡحَقُّۚ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (62)

قوله تعالى : ( إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين ) هذا إشارة إلى ما تقدم من أخبار نبأ الله بها نبيه محمدا صلى الله عليه و سلم من أمر عيسى على أنه عبد الله ورسوله وأنه كلمة الله ألقاها إلى مريم وهو روح من الله ، ذلك كله لهو القصص الحق ، والقصص في اللغة هو اتباع الأثر ، قص أثره ، تتبعه . يقال للقاص إنه قاص ؛ لأنه يتبع الخبر بعد الخبر أو يسوق الكلام سوقا ، فالمراد بالقصص تتابع المعاني في خبر من الأخبار{[484]} .

قوله : ( وما من إله إلا الله ) هذا تأكيد ومبالغة في أنه لا إله إلا الله الواحد الحق سبحانه وتعالى .

قوله : ( وإن الله لهو العزيز الحكيم ) العزيز الذي لا يُغلب . وهو القادر على كل شيء كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من المعجزات . وهو الحكيم . أي العالم بكل شيء وبكل ما تفضي إليه الأمور من عواقب .


[484]:- القاموس المحيط جـ 2 ص 325 ومختار الصحاح ص 538 وتفسير الرازي جـ 8 ص 93.