ولما علم أهل الكتاب ما جبل{[17826]} عليه العرب{[17827]} من محبة أبيهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأن محمداً صلى الله عليه وسلم أتى بدينه كما تقدم في قوله سبحانه وتعالى { بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين{[17828]} } [ البقرة : 135 ] اجتمع ملأ من قرابتهم{[17829]} بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وضلل كل منهم الآخر وادعى كل{[17830]} منهم قصداً لاجتذاب{[17831]} المسلمين إلى ضلالهم {[17832]}بكيدهم ومحالهم اتباع إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأنه صلى الله عليه وسلم كان{[17833]} على دينهم ، ولم يكن لذلك ذكر في كتابهم ، مع أن العقل يرده بأدنى التفات ، لأن دين كل منهم إنما قرر بكتابهم ، وكتابهم إنما نزل{[17834]} على نبيهم ، ونبيهم إنما كان بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام بدهور متطاولة ، واليهود ينسبون إلى يهوذا{[17835]} بن يعقوب عليه السلام ، لأخذه البكورية عن أخيه بنيامين لأمر مذكور في كتابهم ، والنصارى ينسبون إلى الناصرة{[17836]} مخرج عيسى عليه الصلاة والسلام في جبل الجليل ، ولا يعقل أن يكون المتقدم على دين{[17837]} ما حدث إلا بعده وعلى نسبة متأخرة عنه ، وكان دينه صلى الله عليه وسلم إنما هو الإسلام ، وهو الحنيفية السمحة فقال سبحانه وتعالى مبكتاً{[17838]} لهم : { يا أهل الكتاب } كالمعلل لتبكيتهم ، لأن الزلة من العالم أشنع { لم تحآجون في إبراهيم } فيدعيه{[17839]} كل من فريقكم { و{[17840]} } الحال أنه { ما{[17841]} أنزلت{[17842]} التوراة والإنجيل } المقرر كل{[17843]} منهما لأصل دين متجدد{[17844]} منكم { إلا } ولما كان إنزال{[17845]} كتاب كل{[17846]} منهم غير مستغرق للزمان الآتي بعده أدخل الجار فقال : { من بعده } وأعظم ما يتمسك به كل فرقة منهما السبت والأحد ، ولم يكن ما يدعونه فيهما في شريعة إبراهيم عليه السلام ، لا يقدرون على إنكار ذلك ، ولا يأتي مثل ذلك في دعوى أنه مسلم لأن الإسلام الذي هو الإذعان للدليل معنى قديم موجود من حين خلق الله العقل ، والدليل أنه لا يقدر أحد أن يدعي أنه ما حدث إلا بعد إبراهيم عليه السلام كما قيل في الدينين المذكورين{[17847]} .
ولما كان الدليل العقلي واضحاً في ذلك ختم الآية بقوله منكراً عليهم { أفلا تعقلون * } أي هب أنكم لبستم وادعيتم أن ذلك في كتابكم زوراً وبهتاناً ، وظننتم أن ذلك يخفى{[17848]} على من لا إلمام له بكتابكم ، فكيف غفلتم عن البرهان العقلي !
قوله تعالى : ( يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) .
جاء في سبب نزول هذه الآية عن ابن عباس رضي الله عنه قال : اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعوا عنده . فقالت الأحبار : ما كان إبراهيم إلا يهوديا . وقالت النصارى : ما كان إبراهيم إلا نصرانيا ، فأنزل الله هذه الآية ( يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم ) أي أن اليهود كانوا يقولون إن إبراهيم كان على ديننا ، وكذلك النصارى كانوا يقولون : إن إبراهيم كان على ديننا ، فأبطل الله مقالتهم بأن التوراة والإنجيل إنما أنزلا من بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وذلك برهان ساطع على كذب دعواهم وفساد خصامهم{[486]} .
قوله : ( أفلا تعقلون ) أي أفلا تفقهون خطأ ما زعمتم وفساد ما ادعيتم وقد علمتم أن اليهودية والنصرانية إنما حدثنا بعد موت إبراهيم بحين من الدهر ، وفي ذلك من التقريع الشديد ما لا يخفى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.