نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ} (66)

ولما حقق استهزاءهم ، أنتج قوله : { لا تعتذروا } أي لا تبالغوا في إثبات العذر ، وهو ما ينفي{[36653]} الملام ، فإن ذلك لا يغنيكم وإن اجتهدتم لأن القطع حاصل بأنكم { قد كفرتم } أي بقولكم هذا ، ودل - على أن كفرهم أحبط ما كان لهم من عمل - بنزع الخافض تشديداً على من نكث{[36654]} منهم تخويفاً له وتحقيقاً{[36655]} بحال من أصر فقال{[36656]} : { بعد إيمانكم } أي الذي ادعيتموه بألسنتكم صدقاً من بعضكم ونفاقاً من غيره .

ولما كان الحال مقتضياً لبيان ما صاروا إليه بعد إكفارهم من توبتهم أو إصرارهم ، بين أنهم قسمان : أحدهما{[36657]} مطبوع على قلبه ومقضي{[36658]} توبته وحبه ، وهذا الأشرف{[36659]} هو المراد بقوله بانياً للمفعول إعلاماً بأن المقصود الأعظم هو الفعل ، لا بالنظر إلى فاعل معين : { إن نعف } لأن كلام الملك وإن جري في مضمار الشرط فهو مرشد إلى تحققه ليحصل الفرق بين كلام الأعلى والأدنى { عن طائفة منكم }{[36660]} أي لصلاحيتها للتوبة { نعذب طائفة } أي قوم ذوو عدد فيهم أهلية الاستدارة{[36661]} ، وقرأ عاصم ببناء الفعلين للفاعل على العظمة { بأنهم } أي بسبب أنهم { كانوا مجرمين* } أي كسبهم للذنوب القاطعة عن الخير صفة لهم ثابتة{[36662]} لا تنفك ، فهم غير متأهلين للعفو ، وشرح هذه القصة أنه كان يسير بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ثلاثة{[36663]} نفر من المنافقين : اثنان يستهزئان بالقرآن والرسول ، والآخر يضحك ، قيل : كانوا يقولون : إن محمداً يزعم أنه يغلب الروم ويفتح مدائنهم ، ما أبعده من ذلك ! وقيل : كانوا يقولون : إن محمداً يزعم أنه نزل في أصحابنا المقيمين في المدينة قرآن ، وإنما هو قوله وكلامه ، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك فقال : احسبوا الركب عليّ ، فدعاهم وقال لهم : قلتم كذا وكذا ؟ فقالوا : { إنما كنا نخوض ونلعب } أي كنا{[36664]} نتحدث ونخوض في الكلام كما يفعل الركب لقطع{[36665]} الطريق بالحديث واللعب ، قال ابن إسحاق : والذي عفا عنه رجل واحد وهو مخشي{[36666]} بن حمير الأشجعي ، يقال : هو الذي كان يضحك ، ولا يخوض وكان يمشي مجانباً لهم وينكر بعض مايسمع ، فلما نزلت هذه{[36667]} الآية تاب{[36668]} .

قال : اللهم ! لا أزال أسمع آية تقرأ ، تقشعر منها الجلود ، وتجب منها القلوب ، اللهم اجعل وفاتي قتلاً في سبيلك ! لا يقول أحد : أنا غسلت أنا{[36669]} كفنت أنا دفنت ، فأصيب يوم{[36670]} اليمامة ، فما أحد من المسلمين إلا عرف مصرعه غيره رضي الله عنه . ولعل إطلاقً الطائفة عليه تعظيماً له وستراً عليه وتبشيراً بتوبة غيره ، ولعل مخشياً كان مؤمناً ولكن كان إيمانه مزلزلاً فلذا عبر هنا بقوله { أكفرتم بعد إيمانكم } والتعبير بذلك أشنع{[36671]} في الذم ولا سيما عند العرب لأنهم يتمادحون بالثبات على أيّ أمر اختاروه ويتذامون بالطيش ، ولعل الجلاس المعنيّ بالقصة الآتية وحده أو مع غيره لم يكن آمن كغيره{[36672]} ممن عني بها ، وما آمن إلا حين تاب ، فلذا عبر هناك بقوله : { وكفروا بعد إسلامهم } ؛ قال أبو حيان : قال ابن{[36673]} عمر : " رأيت وديعة بن ثابت متعلقاً بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يماشيها والحجارة تنكته وهو يقول { إنما كنا نخوض ونلعب } والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : " أبالله وآياته " - الآية .


[36653]:من ظ، وفي الأصل: نفي.
[36654]:في ظ: تاب.
[36655]:زيد من ظ.
[36656]:زيد من ظ.
[36657]:سقط من ظ.
[36658]:في ظ: مقتضي.
[36659]:من ظ، وفي الأصل: الأشراف.
[36660]:في ظ: منهم.
[36661]:في ظ: الاستداد.
[36662]:في ظ: نابتة.
[36663]:من ظ ومعالم التنزيل ومعظم السياق له ـ راجع لباب التأويل 3/96، وفي الأصل: ثلاثون.
[36664]:زيد من المعالم.
[36665]:من المعالم، وفي الأصل: يقطع، وفي ظ: تقطع.
[36666]:من المعالم، وفي الأصل وظ: مخشن.
[36667]:زيد من المعالم.
[36668]:زيد من ظ والمعالم.
[36669]:سقط من ظ.
[36670]:زيد بعده في الأصل: بدر، ولم تكن الزيادة في ظ ولا في المعالم فحذفناها.
[36671]:في ظ: أبشع.
[36672]:في ظ: لغيره.
[36673]:من ظ والبحر المحيط 5/67، وفي الأصل: أبو.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ} (66)

قوله : { لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } أي لا تعتذروا بالباطل فتقولوا : كما نخوض ونعلب ، أو لا تذكروا هذا العذر الباطل في دفع ذلك الجرم الفظيع . وبذلك نهاهم عن الاعتذار ؛ لأن قولهم { إنما كنا نخوض ونلعب } لي عذرا حقيقيا في الذين فعلوه من الاستهزاء والتهكم .

وقوله : { قد كفرتم بهد إيمانكم } أي إيمانكم الذي أظهرتموه للمسلمين ؛ فقد ظهر لكم كفركم بعد أن كنتم في ظنهم مسلمين .

ويستفاد من ذلك أن الاستهزاء بالدين كفر بالله ؛ لأن الاستهزاء ضرب من الاستخفاف وهو خلاف ما يستوجبه الله على العباد من تعظيمه . والجمع بين الاستخفاف والتعظيم محال . ويستفاد أيضا أن الكفر يقع بالأفعال والأقوال من غير اشتراط لنوايا القلوب ، وهذا يدل على بطلان قول من يقول إن الكفر لا يدخل إلا في أفعال القلوب{[1842]} .

قوله : { إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين } يتبين من هذه الآية أن ثمة طائفتين ، إحداهما ، المعفو عنها ، والثانية المعذبة . وقد ذكر المسفرون أن الطائفتين كانوا ثلاثة . استهزأ اثنان وضحك واحد ، فالطائفة الأولى الضاحك ، والطائفة الثانية الهازئان . ولما كان ذنب الضاحك أخف ؛ فقد عفا الله عنه ، وذنب الهازئين أعظم فما عفا الله عنهما .

قوله : { بأنهم كانوا مجرمين } أي نعذب الطائفة المستهزئة بما اكتسبوه من الجرم وهو الكفر بالله وطعنهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم{[1843]} .


[1842]:تفسير الرازي جـ 16 ص 127.
[1843]:تفسير الطبري جـ 10 ص 120 وتفسير الرازي جـ 16 ص 128.