نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡتُلُواْ ٱلصَّيۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمٞۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآءٞ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ هَدۡيَۢا بَٰلِغَ ٱلۡكَعۡبَةِ أَوۡ كَفَّـٰرَةٞ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوۡ عَدۡلُ ذَٰلِكَ صِيَامٗا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمۡرِهِۦۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ وَمَنۡ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنۡهُۚ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ} (95)

ولما أخبرهم بالابتلاء صرح لهم بما لوح إليه بذكر المخافة من تحريم التعرض لما ابتلاهم به{[27665]} ، فقال منوِّهاً بالوصف الناهي عن الاعتداء : { يا أيها الذين آمنوا } وذكر القتل الذي هو أعم من الذبح إشارة إلى أن الصيد - لما عنده من النفرة المانعة من التمكن من ذبحه - يحبس بأي وجه كان من أنواع القتل فقال : { لا تقتلوا الصيد } أي لا تصطادوا{[27666]} ما يحل أكله من الوحش ، وأما غير المأكول فيحل قتله ، فإنه لاحظ للنفس في قتله إلا الإراحة من أذاه المراد بالفسق في قوله صلى الله عليه وسلم : " خمس في الدواب فواسق ، لا جناح على من قتلها في حل ولا حرم " وذكر منهن السبع العادي ، فدل الحكم برفع الجناح عقب الوصف بالفسق على أنه علة الإباحة ، ولا معنى لفسقها إلا أذاها { وأنتم حرم } أي محرمون أو{[27667]} في الحرم .

ولما كان سبحانه عالماً{[27668]} بأنه لا بد أن يوافق موافق{[27669]} تبعاً لأمره ويخالف مخالف موافقة لمراده ، شرع لمن خالف كفارة تخفيفاً منه على هذه الأمة ورفعاً لما كان على من{[27670]} كان من قبلها{[27671]} من الآصار ، فقال عاطفاً على ما تقديره : فمن انتهى فله عند ربه أجر عظيم : { ومن قتله منكم متعمداً } أي قاصداً للصيد ذاكراً للإحرام إن كان محرماً ، والحرم إن كان فيه عالماً بالتحريم .

ولما كان هذا الفعل العمد موجباً للإثم والجزاء ، ومتى اختل وصف منه كان خطأ موجباً للجزاء فقط ، وكان سبحانه قد عفا عن الصحابة رضي الله عنهم العمد الذي كان سبباً لنزول الآية كما في آخرها ، {[27672]} لم يذكره{[27673]} واقتصر على ذكر الجزاء فقال : { فجزاء } أي فمكافأة { مثل ما قتل } أي أقرب الأشياء به شبهاً في الصورة{[27674]} لا النوع{[27675]} ، ووصف الجزاء بقوله : { من النعم } لما قتله{[27676]} عليه ، {[27677]} أي عليه{[27678]} أن يكافئ ما قتله بمثله ، وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل ، هذا على قراءة الجماعة بإضافة " جزاء " إلى " مثل " ، وأما على قراءة الكوفيين ويعقوب بتنوين " جزاء " ورفع " مثل " فالأمر واضح .

ولما كان كأنه قيل : بما{[27679]} تعرف المماثلة ؟ قال : { يحكم به } أي بالجزاء ؛ ولما كانت وجوه المشابهة بين الصيد وبين النعم كثيرة ، احتاج ذلك إلى زيادة التأمل فقال : { ذوا عدل منكم{[27680]} } أي المسلمين ، وعن الشافعي أن الذي له{[27681]} مثل ضربان : ما حكمت فيه الصحابة ، وما لم تحكم{[27682]} فيه ، فما حكمت فيه لا يعدل إلى غيره لأنه قد حكم به عدلان فدخل تحت الآية ، وهم أولى من غيرهم لأنهم شاهدوا التنزيل وحضروا التأويل ؛ وما لم يحكموا به يرجع فيه إلى اجتهاد عدلين ، فينظر إلى الأجناس الثلاثة{[27683]} من الأنعام ، {[27684]} فكل ما{[27685]} كان أقرب شبهاً به يوجبانه ؛ فإن كان القتل خطأ جاز أن يكون الفاعل{[27686]} أحد الحكمين ، وإن كان عمداً فلا ، لأنه يفسق به .

ولما كان هذا المثل يساق إلى مكة المشرفة على وجه الإكرام والنسك{[27687]} رفقاً بمساكينها ، قال{[27688]} مبيناً لحاله من الضمير في " به " : { هدياً } ولما كان الهدي هو ما تقدم تفسيره ، صرح به فقال : { بالغ الكعبة } أي الحرم المنسوب إليها ، وإنما صرح بها زيادة في التعظيم وإعلاماً بأنها هي المقصودة بالذات بالزيارة والعمارة لقيام ما يأتي ذكره ، تذبح الهدي بمكة المشرفة ويتصدق به على مساكين الحرم{[27689]} ، والإضافة لفظية لأن الوصف بشبه " يبلغ " فلذا وصف بها النكرة .

ولما كان سبحانه رحيماً بهذه الأمة ، خيرها بين ذلك وبين ما بعد فقال{[27690]} : { أو } عليه { كفارة } هي { طعام مساكين } في الحرم بمقدار قيمة الهدي ، لكل مسكين مد { أو عدل ذلك } أي قيمة المثل { صياماً } في أيّ موضع تيسر له ، عن{[27691]} كل مد يوم ، فأو للتخيير لأنه الأصل فيها ، والقول بأنها للترتيب يحتاج إلى دليل .

ولما كان الأمر مفروضاً في المتعمد قال معلقاً بالجزاء ، أي فعليه أن يجازي بما ينقص المال أو يؤلم الجسم { ليذوق وبال } أي ثقل{[27692]} { أمره } وسوء عاقبته ليحترز{[27693]} عن مثل ما وقع فيه ؛ ولما كان هذا الجزاء محكوماً به في دار العمل التي لا يطلع أهلها بمجرد عقولهم فيها على غيب ، ولا يعرفون عاقبة أمر إلاّ تخرصاً ، طرد الحكم في غير المتعمد{[27694]} لئلا يدعي المتعمد أنه مخطئ ، كل ذلك حمى لحرمة الدين وصوناً لحرمة الشرع وحفظاً لجانبه ورعاية لشأنه ، ولما كان قد مضى منهم قبل نزولها من هذا النوع أشياء ، كانوا كأنهم قالوا : فكيف نصنع بما أسلفنا ؟ قال جواباً : { عفا الله ) أي الغني عن كل شيء الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال ( عما سلف }{[27695]} أي تعمده{[27696]} ، أي لكم من ذلك ، فمن حفظ نفسه بعد هذا فاز { ومن عاد } إلى تعمد شيء من ذلك ولو قل ؛ ولما كان المبتدأ متضمناً معنى الشرط ، قرن الخبر بالفاء إعلاماً بالسببية{[27697]} فقال : { فينتقم الله } أي الذي له الأمر كله { منه } أي بسبب عوده بما يستحقه من الانتقام .

ولما كان فاعل ذلك منتهكاً لحرمة الإحرام والحرم{[27698]} ، وكان التقدير : فالله قادر عليه ، عطف على ذلك ما اقتضاه المقام من الإتيان بالاسم الأعظم ووصف العزة فقال : { والله } أي الملك الأعلى{[27699]} الذي لا تداني{[27700]} عظمتَه عظمةٌ { عزيز } لا يغلب{[27701]} { ذو انتقام * } ممن خالف أمره .


[27665]:سقط من ظ.
[27666]:في ظ: لا تصادوا.
[27667]:من ظ، وفي الأصل: أي.
[27668]:زيد من ظ.
[27669]:سقط من ظ.
[27670]:في ظ: قتلها.
[27671]:في ظ: قتلها.
[27672]:في ظ: لو بذكره.
[27673]:في ظ: لو بذكره.
[27674]:من ظ، وفي الصل: كالنوع.
[27675]:من ظ، وفي الأصل: كالنوع.
[27676]:من ظ، وفي الأصل: قتل.
[27677]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27678]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27679]:في ظ: بم.
[27680]:تأخر في ظ عن " الضمير في به".
[27681]:سقط من ظ.
[27682]:في ظ: لم يحكم.
[27683]:من ظ، و البحر المحيط 4/2، وفي الأص: الثلاث.
[27684]:من ظ والبحر، وفي الأصل: فما.
[27685]:من ظ والبحر، وفي الأصل: فما.
[27686]:زيد من ظ.
[27687]:في ظ: فقال بمساكنها- كذا.
[27688]:في ظ: فقال بمساكنها- كذا.
[27689]:سقط من ظ.
[27690]:سقط من ظ.
[27691]:سقط من ظ.
[27692]:في ظ: يقل- كذا.
[27693]:من ظ، وفي الأصل: ليحرز.
[27694]:في ظ: المعتمد، والعبارة من بعده على " المعتمد" الآتي ساقطة منه.
[27695]:من ظ، وفي الأصل: إلى تعمدها، وهو متخلل في الأصل بين " عما و " سلف".
[27696]:من ظ، وفي الأصل: إلى تعمدها، وهو متخلل في الأصل بين " عما و " سلف".
[27697]:في ظ: بالسنة- كذا.
[27698]:سقط من ظ.
[27699]:زيد من ظ.
[27700]:في ظ: لا يداني.
[27701]:في ظ: لا يغالب.
 
تفسير الجلالين للمحلي والسيوطي - تفسير الجلالين [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡتُلُواْ ٱلصَّيۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمٞۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآءٞ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ هَدۡيَۢا بَٰلِغَ ٱلۡكَعۡبَةِ أَوۡ كَفَّـٰرَةٞ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوۡ عَدۡلُ ذَٰلِكَ صِيَامٗا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمۡرِهِۦۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ وَمَنۡ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنۡهُۚ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ} (95)

يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام

[ يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ] محرمون بحج أو عمرة [ ومن قتله منكم متعمدا فجزاء ] بالتنوين ورفع ما بعده أي فعليه جزاء هو [ مثل ما قتل من النعم ] أي شبهه في الخلقة وفي قراءة بإضافة جزاء [ يحكم به ] أي بالمثل رجلان [ ذوا عدل منكم ] لهم فطنة يميزان بها أشبه الأشياء به وقد حكم ابن عباس وعمر وعلي رضي الله عنهم في النعامة ببدنة وابن عباس وأبو عبيدة في بقر الوحش وحماره ببقرة وابن عمر وابن عوف في الظبي بشاة وحكم بها ابن عباس وعمر وغيرهما في الحمام لأنه يشبهها في العب [ هديا ] حال من جزاء [ بالغ الكعبة ] أي يبلغ به الحرم فيذبح فيه ويتصدق به على مساكينه ولا يجوز أن يذبح حيث كان ونصبه نعتا لما قبله وإن أضيف لأن إضافته لفظية لا تفيد تعريفا فإن لم يكن للصيد مثل من النعم كالعصفور والجراد فعليه قيمته [ أو ] عليه [ كفارة ] غير الجزاء وإن وجده هي [ طعام مساكين ] من غالب قوت البلد ما يساوي قيمة الجزاء لكل مسكين مد ، وفي قراءة بإضافة كفارة لما بعده وهي للبيان [ أو ] عليه [ عدل ] مثل [ ذلك ] الطعام [ صياما ] يصومه عن كل مد يوم وإن وجده وجب ذلك عليه [ ليذوق وبال ] ثقل جزاء [ أمره ] الذي فعله [ عفا الله عما سلف ] من قتل الصيد قبل تحريمه [ ومن عاد ] إليه [ فينتقم الله منه والله عزيز ] غالب على أمره [ ذو انتقام ] ممن عصاه ، وألحق بقتله متعمدا فيما ذكر الخطأ