نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{لَا تَقُمۡ فِيهِ أَبَدٗاۚ لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ} (108)

ثم قال ناهياً عن إجابتهم إلى ما أرادوا به من التلبيس إنتاجاً عن هذا الكلام الذي هو أمضى من السهام : { لا تقم فيه } أي مسجد الضرار { أبداً } أي سواء تابوا أو لا ، وأراد بعض المخلصين أن يأخذه{[37204]} أولاً ، أي لا بد من إخرابه ومحو أثره عن وجه الأرض .

ولما ذمه وذم أهله ، مدح مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، إما الذي بالمدينة الشريفة وإما الذي ببني عمرو بن عوف بقباء على الخلاف في ذلك . وهو الذي اتخذ في أول الإسلام مسجداً إحساناً وإيماناً وجمعاً بين المؤمنين وإعداداً لمن صادق الله ورسوله ، ومدح أهله إرشاداً لكل من كان مال إليه من المؤمنين لقرب أو غيره إلى العوض عنه ، ولعله أبهم تعيينه وذكر وصفه ليكون صالحاً لكل من المسجدين .

ولما اتصف بهذا الوصف من غيرهما فقال مؤكداً تعريفاً بما له من الحق ولما للمنافقين من التكذيب : { لمسجد أُسس } أي وقع تأسيسه { على التقوى } أي فأحاطت التقوى به لأنها إذا أحاطت بأوله أحاطت بآخره ؛ ولما كان التأسيس قد تطول مدة أيامه فيكون أوله مخالفاً لآخره ، قال : { من أول يوم } أي من أيام تأسيسه ، وفيه إشارة إلى ما تقدم من احتمال أن يريد أحد من أهل الإخلاص أن يتخذه مصلى ، فبين أنه لايصلح لذلك لأن تأسيسه كان لما هو مباعد له { أحق أن تقوم فيه } أي بالصلاة والوعظ وغيره من مسجد لم يقصد{[37205]} به التقوى على التقدير فرض محال إلا في{[37206]} ثاني الحال .

ولما مدحه مدح أهله بقوله : { فيه رجال } أي لهم كمال الرجولية { يحبون أن يتطهروا } أي في أبدانهم وقلوبهم كمال الطهارة - بما أشار إليه الإظهار ، فهم دائماً في جهاد أنفسهم في ذلك فأحبهم الله{[37207]} { والله } أي الذي له صفات الكمال { يحب } أي يفعل ما يفعل المحب من الإكرام بالفضل والإحسان ، ولإثبات ما أفهم الاجتهاد حصل الغنى عن إظهار تاء التفعل أو للندب إلى الطهارة ولو على أدنى الوجوه المجزئة فقال : { المطهرين* } أي قاطبة منهم ومن غيرهم .


[37204]:في ظ: يأخذوه.
[37205]:في ظ: لم تقصد.
[37206]:من ظ، وفي الأصل: إلى.
[37207]:زيد بعده في الأصل: ولا ثبات ما أفهم الاجتهاد حصل الغنى عن إظهار تاء التفعل فقال، ولم تكن الزيادة هنا في ظ فحذفناها وسيأتي.