التفسير الحديث لدروزة - دروزة  
{وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (80)

{ ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين( 80 ) إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون1( 81 ) وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون( 82 ) فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين( 83 )2 وأمطرنا عليهم مطر فانظر كيف كان عاقبة المجرمين( 84 ) } [ 80-84 ] .

وهذه حلقة رابعة من السلسلة احتوت قصة لوط عليه السلام وقومه ، وقد ذكرت في سور سابقة وعلقنا عليها بما اقتضى . والجديد فيها صراحة إقبال قوم لوط على إتيان الذكور وخبر إهلاك زوجته مع الهالكين . وقد تكرر ذلك في السور التي ذكرت القصة بعد هذه السورة . ولقد ذكرت القصة بما فيها الخبران في سفر التكوين على ما نبهنا عليه في المناسبات السابقة . والمتبادر أن سامعي القرآن يعرفون ذلك عن طريق اليهود . وعبارة السفر المذكور عن زوجة لوط أنها التفتت إلى ورائها فصارت قضيب ملح . وفي آية سورة هود عبارة { إنه مصيبها ما أصابهم } [ 81 ] وفي آية سورة النمل عبارة : { إلا امرأته قدرناها من الغابرين57 } وفي آية سورة التحريم [ 10 ] نسبت إليها خيانة زوجها . وليس بين ما ورد في القرآن وفي سفر التكوين تعارض أو تغاير في المدى العام . ونعتقد أن ما ذكر في القرآن كان متداولا بين اليهود وواردا في بعض قراطيسهم . وفي ذكر هلاك هذه الزوجة مع الهالكين الذين استحقوا الهلاك بسبب بغيهم وانحرافهم عظة قرآنية بليغة ومستمرة التلقين ، وهي أن القرابة وصلة الدم مهما اشتدت لا يمكن أن تغني الإنسان شيئا إذا كان سيئ العمل والتصرف ، وأن أحدا لا يغني عن أحد وكل نفس رهينة بما كسبت . وهذا المعنى قد تكرر في آيات كثيرة مرت أمثلة عديدة منها بحيث يصح أن يقال : إنه من المبادئ القرآنية المحكمة . وفي آية سورة التحريم المذكورة آنفا صراحة بالنسبة لزوجة لوط . وقد نزلت لتكون مثلا وهذا نصها : { ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين10 } .

وعذاب قوم لوط المعبر عنه هنا بجملة { وأمطرنا عليهم مطرا } عبر عنه في سورة القمر التي مر تفسيرها بجملة { إنا أرسلنا عليهم حاصبا } وفي سورة هود بهذه الآية : { فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود82 } وقد ورد في الإصحاح [ 19 ] من سفر التكوين هذه العبارة : [ وأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتا ونارا من السماء وقلب تلك المدن وكل البقعة وجميع سكان المدن ونبت الأرض ] مما فيه تساوق وتوافق .

استطراد إلى جريمة اللواط

ولقد استطرد المفسرون{[980]} إلى جريمة اللواط في الإسلام في سياق هذه الآيات التي يشار فيها إليها لأول مرة بصراحة ، فذكروا أن العلماء مجمعون على تحريمها ، وأوجبوا عقوبة الزنا على الفاعل والمفعول به وأوردوا أحاديث نبوية في ذلك منها حديث رواه أصحاب السنن عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من وجدتموه يعمل علم قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ){[981]} . وحديث رواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط ){[982]} . ويلحظ أن الحديث الأول رتب العقوبة متساوية على الفاعل والمفعول به بدون تفريق بين محصن وغير محصن للفاعل الذي يكون هذا واردا بالنسبة إليه . وقد يكون مرد الحكمة النبوية في ذلك إلى بشاعة الجريمة وغير طبيعتها وإنسانيتها والله أعلم .

على أن هناك أقوالا أخرى في صدد هذه الجريمة وعقوبتها وردت في كتب التفسير . من ذلك عن علي أن اللوطي يقتل ثم يحرق لعظم المعصية . وعن عمرو بن عثمان : أنه يلقى عليه حائط . وعن ابن عباس أنه يلقى من أعلى بناء في البلد . وهذه الأقوال في معنى القتل الوارد في الحديث النبوي . ومن ذلك قول يروى عن الشافعي وآخرين : أن عقوبة اللواط هي نفس عقوبة الزنا ، فإن كان الفاعل محصنا رجم ، وإن كان غير محصن جلد مائة جلدة على ما سوف يأتي شرحه مسهبا في سياق تفسير الآية الثانية من سورة النور . ولم يذكر الراوي رأي هؤلاء في عقوبة المفعول به إذا لم يكن مكرها . والمتبادر أنه يجلد لأن مسألة الإحصان وغير الإحصان لا ترد بالنسبة إليه . ولقد ذكر رشيد رضا في تفسيره : أن الحديث النبوي الذي يحدد عقوبة اللواط بقتل الفاعل والمفعول به ضعيف الإسناد ؛ حيث يبدو أن الشافعي وغيره الذين رتبوا عقوبة الزنا على اللواط لم يثبت الحديث عندهم .

هذا ، وهناك أحاديث أخرى في صدد إتيان النساء من أدبارهن مما هو في مدى جريمة اللواط . وقد أوردها المفسرون وعلقوا عليها في سياق آية البقرة [ 223 ] { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } وقد أرجأنا بدورنا الكلام على ذلك إلى هذه الآية .


[980]:- انظر تفسير ابن كثير ورشيد رضا مثلا.
[981]:- التاج جـ3 ص 25.
[982]:- المصدر نفسه.