الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{لِّلۡكَٰفِرِينَ لَيۡسَ لَهُۥ دَافِعٞ} (2)

قوله : { لِلْكَافِرِينَ } : فيه أوجهٌ ، أحدُها : أَنْ يتعلَّقَ ب " سأل " مضمَّناً معنى " دَعا " كما تقدَّم ، أي : دعا لهم بعذابٍ واقع . الثاني : أَنْ يتعلَّقَ ب " واقعٍ " واللامُ للعلةِ ، أي : نازلٌ لأجلِهم . الثالث : أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ صفةً ثانيةً ل " عذابٍ " ، أي : كائنٍ للكافرين . الرابع : أَنْ يكونَ جواباً للسائلِ ، فيكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ ، أي : هو للكافرين . الخامس : أَنْ تكونَ اللامُ بمعنى على ، أي : واقعٍ على الكافرين ، ويؤيِّده قراءةُ أُبَيّ " على الكافرين " ، وعلى هذا فهي متعلِّقةٌ ب " واقعٍ " لا على الوجهِ الذي تقدَّم قبلَه .

وقال الزمخشريُّ : " فإنْ قلتَ : بم يتصِلُ قولُه " للكافرين " ؟ قلت : هو على القولِ الأولِ متصلٌ بعذاب صفةً له ، أي : بعذابٍ واقعٍ كائنٍ للكافرين ، أو بالفعل ، أي : دعا للكافرين بعذابٍ واقعٍ ، أو بواقع ، أي : بعذابٍ نازلٍ لأَجْلِهم . وعلى الثاني : هو كلامٌ مبتدأٌ ، جواباً للسائل ، أي : هو للكافرين " انتهى .

قال الشيخ : " وقال الزمشخريُّ : " أو بالفعلِ ، أي : دعا للكافرين ، ثم قال : وعلى الثاني وهو ثاني ما ذَكَرَ في توجيهِه للكافرين قال : هو كلامٌ مبتدأٌ جواباً للسائلِ ، أي : هو للكافرين . وكان قد قَرَّر أنَّ " سَأَلَ " ضُمِّن معنى " دعا " فعُدِّيَ تعديتَه ، كأنه قال : دعا داعٍ بعذابٍ ، مِنْ قولِك : دعا بكذا إذا استدعاه وطَلَبه ، ومنه قولُه تعالى : { يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ }

[ الدخان : 55 ] انتهى . فعلى ما قَرَّره أنه متعلِّقٌ ب " دعا " يعني ب " سأل " ، فكيف يكونُ كلاماً مبتدأ جواباً للسائلِ ، أي : هو للكافرين ؟ هذا لا يَصِحُّ " .

هذا كلامُ الشيخِ برُمَّتِه ، وقد غَلِط على أبي القاسم في فَهْمِه عنه قولَه : " وعلى الثاني إلى آخره " فمِنْ ثَمَّ جاء التَّخْبيطُ الذي ذكرَه . والزمخشريُّ إنما عنى بالثاني قولَه : " وعن قتادةَ سأل سائلٌ عن عذابِ الله على مَنْ يَنْزِلُ وبمَنْ يقع ، فنزلَتْ ، وسأَلَ على هذا الوجهِ مُضَمَّنٌ معنى عُنِيَ واهتم " فهذا هو الوجهُ الثاني المقابِلُ للوجهِ الأولِ : وهو أنَّ " سأَلَ " مضمَّنٌ معنى " دعا " ، ولا أدري كيف تَخَبَّط على الشيخِ حتى وقع فيما وَقَعَ ، ونَسَبَ الزمخشريَّ إلى الغَلَطِ ، وأنه أخذ قولَ قتادةَ والحسنِ وأفسَده ؟ والترتيبُ الذي رتَّبه الزمخشريُّ في تعلُّقِ اللامِ مِنْ أحسنِ ما يكونُ صناعةً ومعنى .

قوله : { لَيْسَ لهُ دافِعٌ } يجوزُ أَنْ يكونَ نعتاً آخر ل " عذابٍ " ، وأَنْ يكونَ مستأنفاً ، والأولُ أظهرُ ، وأَنْ يكونَ حالاً مِنْ " عذاب " لتخصُّصه : إمَّا بالعملِ ، وإمَّا بالصفة ، وأَنْ يكونَ حالاً من الضميرِ في " للكافرين " إنْ جَعَلْناه نعتاً ل " عذابٍ " .