البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{كَذَٰلِكَ نَسۡلُكُهُۥ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ} (12)

سلك الخيط في الإبرة وأسلكها أدخله فيها ونظمه . قال الشاعر :

حتى إذا سلكوهم في قتائدة -***-شلا كما تطرد الحمالة الشردا

وقال الآخر :

وكنت لزاز خصمك لم أعود -***-وقد سلكوك في يوم عصيب

والضمير في نسلكه عائد على الذكر قاله الزمخشري ، قال : والضمير للذكر أي : مثل ذلك السلك .

ونحوه : نسلك الذكر في قلوب المجرمين على معنى أنه يلقيه في قلوبهم مكذباً مستهزأ به غير مقبول ، كما لو أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها فقلت : كذلك أنزلها باللئام يعني : مثل هذا الإنزال أنزلها بهم ، مردودة غير مقصية .

ومحل قوله : لا يؤمنون النصب على الحال أي : غير مؤمن به ، أو هو بيان لقوله : كذلك نسلكه انتهى .

وما ذهب إليه من أنّ الضمير عائد على الذكر ذكره الغرنوي عن الحسن .

قال الحسن : معناه نسلك الذكر إلزاماً للحجة .

وقال ابن عطية : الضمير في نسلكه عائد على الاستهزاء والشرك ونحوه ، وهو قول : الحسن ، وقتادة ، وابن جريج ، وابن زيد .

ويكون الضمير في به يعود أيضاً على ذلك نفسه ، وتكون باء السبب أي : لا يؤمنون بسبب شركهم واستهزائهم ، ويكون قوله : لا يؤمنون به في موضع الحال ، ويحتمل أن يكون الضمير في نسلكه عائداً على الذكر المحفوظ المتقدم الذكر وهو القرآن أي : مكذباً به مردوداً مستهزأ به ، يدخله في قلوب المجرمين .

ويكون الضمير في به عائداً عليه ، ويحتمل أن يكون الضمير في نسلكه عائداً على الاستهزاء والشرك ، والضمير في به يعود على القرآن ، فيختلف على هذا عود الضميرين انتهى .

وروى ابن جريج عن مجاهد بذلك التكذيب ، فعلى هذا تكون الباء في به للسبب .

والذي يظهر عوده على الاستهزاء المفهوم من قوله : يستهزؤون ، والباء في به للسبب .

والمجرمون هنا كفار قريش ، ومن دعاهم الرسول إلى الإيمان .

ولا يؤمنون إن كان إخباراً مستأنفاً فهو من العام المراد به الخصوص فيمن ختم عليه ، إذ قد آمن عالم ممن كذب الرسول .