البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{لَقَالُوٓاْ إِنَّمَا سُكِّرَتۡ أَبۡصَٰرُنَا بَلۡ نَحۡنُ قَوۡمٞ مَّسۡحُورُونَ} (15)

وجاء لفظ إنما مشعراً بالحصر ، كأنه قال : ليس ذلك إلا تسكيراً للأبصار .

وقرأ الحسن ، ومجاهد ، وابن كثير : سكرت بتخفيف الكاف مبنياً للمفعول ، وقرأ باقي السبعة : بشدها مبنياً للمفعول .

وقرأ الزهري : بفتح السين وكسر الكاف مخففة مبنياً للفاعل ، شبهوا رؤية أبصارهم برؤية السكران لقلة تصوره ما يراه .

فأما قراءة التشديد فعن ابن عباس وقتادة منعت عن رؤية الحقيقة من السكر ، بكسر السين وهو الشد والحبس .

وعن الضحاك شدّت ، وعن جوهر جدعت ، وعن مجاهد حبست ، وعن الكلبي عميت ، وعن أبي عمرو غطيت ، وعن قتادة أيضاً أخذت ، وعن أبي عبيد غشيت .

وأما قراءة التخفيف فقيل : بالتشديد ، إلا أنه للتكثير ، والتخفيف يؤدي عن معناه .

وقيل : معنى التشديد أخذت ، ومعنى التخفيف سحرت .

والمشهور أن سكر لا يتعدى .

قال أبو علي : ويجوز أن يكون سمع متعدياً في البصر .

وحكى أبو عبيد عن أبي عبيدة أنه يقال : سكرت أبصارهم إذا غشيها سهاد حتى لا يبصروا .

وقيل : التشديد من سكر الماء ، والتخفيف من سكر الشراب ، وتقول العرب : سكرت الريح تسكر سكراً إذا ركدت ولم تنفذ لما انتفت بسبيله ، أولاً وسكراً الرجل من الشراب سكراً إذا تغيرت حاله وركد ولم ينفذ فيما كان للإنسان أن ينفذ فيه .

ومن هذا المعنى سكران لا يبت أي : لا يقطع أمراً .

وتقول العرب : سكرت في مجاري الماء إذا طمست ، وصرفت الماء فلم ينفذ لوجهه .

فإن كان من سكر الشراب ، أو من سكر الريح ، فالتضعيف للتعدية .

أو من سكر مجاري الماء فللتكثير ، لأنّ مخففة متعد .

وأما سكرت بالتخفيف فإن كان من سكر الماء ففعله متعد ، أو من سكر الشراب أو الريح فيكون من باب وجع زيد ووجعه غيره ، فتقول : سكر الرجل وسكره غيره ، وسكرت الريح وسكرها غيرها ، كما جاء سعد زيد وسعده غيره .

ولخص الزمخشري في هذا فقال : وسكرت خيرت أو حبست من السكر ، أو السكر .

وقرىء بالتخفيف أي : حبست كما يحبس النهر عن الجري انتهى .

وقرأ أبان بن ثعلب : سحرت أبصارنا .

ويجيء قوله : بل نحن قوم مسحورون ، انتقالاً إلى درجة عظمى من سحر العقل .

وينبغي أن تجعل هذه القراءة تفسير معنى لا تلاوة ، لمخالفتها سواد المصحف .

وجاء جواب ولو ، قوله : لقالوا أي أنهم يشاهدون ما يشاهدون ، ولا يشكون في رؤية المحسوس ، ولكنهم يقولون ما لا يعتقدون مواطأة على العناد ، ودفع الحجة ، ومكابرة وإيثاراً للغلبة كما قال تعالى : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوًّا }