{ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم } عدد الله في جملة قبائحهم قولهم : { إنا قتلنا المسيح } لأنهم قالوها افتخارا وجرأة مع أنهم كذبوا في ذلك ، ولزمهم الذنب ، وهم لم يقتلوه لأنهم صلبوا الشخص الذي ألقى عليه شبهه ، وهم يعتقدون أنه عيسى ، وروي أن عيسى قال للحواريين : أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل ويكون رفيقي في الجنة ، فقال أحدهم : أنا فألقى عليه شبه عيسى فقتل على أنه عيسى ، وقيل : بل دل على عيسى يهودي ، فألقى الله شبه عيسى على اليهودي ، فقتل اليهودي ورفع عيسى إلى السماء حيا ، حتى ينزل إلى الأرض فيقتل الدجال .
{ رسول الله } إن قيل : كيف قالوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم يكفرون به ويسبونه ؟ فالجواب من ثلاثة أوجه :
أحدها : أنهم قالوا ذلك على وجه التهكم والاستهزاء .
والثاني : أنهم قالوه على حسب اعتقاد المسلمين فيه كأنهم قالوا رسول الله عندكم أو بزعمكم .
والثالث : أنه من قول الله لا من قولهم فيوقف قبله ، وفائدة تعظيم ذنبهم وتقبيح قولهم إنا قتلناه .
{ وما قتلوه وما صلبوه } رد عليهم وتكذيب لهم وللنصارى أيضا في قولهم إنه صلب حتى عبدوا الصليب من أجل ذلك والعجب كل العجب من تناقضهم في قوله إنه إله أو ابن إله ثم يقولون : إنه صلب .
{ ولكن شبه لهم } فيه تأويلان :
أحدهما : ما ذكرناه من إلقاء شبهه على الحواري أو على اليهودي .
والآخر : أن معناه : شبه لهم الأمر أي خلط لهم القوم الذين حاولوا قتله بأنهم قتلوا رجلا آخر وصلبوه ومنعوا الناس أن يقربوا منه ، حتى تغير بحيث لا يعرف ، وقالوا للناس هذا عيسى ، ولم يكن عيسى ، فاعتقد الناس صدقهم وكانوا متعمدين للكذب .
{ وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه } روى أنه لما رفع عيسى وألقي شبهه على غيره فقتلوه ، قالوا : إن كان هذا المقتول عيسى فأين صاحبنا وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى ، فاختلفوا ، فقال بعضهم : هو هو ، وقال بعضهم : ليس هو ، فأجمعوا أن شخصا قتل ، واختلفوا من كان .
{ إلا إتباع الظن } استثناء منقطع لأن العلم تحقيق والظن تردد ، وقال ابن عطية : هو متصل إذ الظن والعلم يجمعهما جنس المعتقدات ، فإن قيل : كيف وصفهم بالشك وهو تردد بين احتمالين على السواء ثم وصفهم بالظن وهو ترجيح أحد الاحتمالين ؟ فالجواب أنهم كانوا على الشك ، ثم لاحت لهم أمارات فظنوا ، قاله الزمخشري ، وقد يقال : الظن بمعنى الشك ، وبمعنى الوهم الذي هو أضعف من الشك .
{ وما قتلوه يقينا } أي : ما قتلوه يقينا فإعراب يقينا على هذا صفة لمصدر محذوف ، وقيل : هي مصدر في موضع الحال : أي ما قتلوه متيقنين ، وقيل : هو تأكيد للنفي الذي في قوله :{ ما قتلوه } أي : يتيقن نفي قتله ، وهو على هذا منصوب على المصدرية .
ومن أباطيلهم وجرائمهم كذلك ما قالوه من زعم كاذب : بأنهم قتلوا المسيح وفي هذا يقول سبحانه : ( وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ) سمي المسيح بذلك لما كان يمسح به من الدهن . وقيل سمي بذلك لسياحته في الآفاق داعيا إلى الله ، وقيل غير ذلك ، وعيسى بدل من المسيح وهي كلمة عبرانية . ابن بدل من عيسى ومريم مضاف إليه . ورسول منصوب على المفعولية لفعل محذوف تقديره أعني وقيل على البدلية .
وهذه واحدة أخرى من مفتريات يهود ؛ إذ كذبوا على الله والناس حين زعموا أنهم قتلوا المسيح . وقوله : ( رسول الله ) يوحي بما قصده اليهود من التهكم ، فهم أصلا لا يصدقون رسالته ونبوته ، ولكنهم ينسبون إليه الرسالة ساخرين متهكمين يضاف إلى ذلك جانب الغمز الذي ينوون به نفي النبوة عن سيدنا عيسى عليه السلام فكأنهم يقولون : لقد قتلنا هذا الرسول ، ولو كان رسولا حقا لدافع عنه ربه ولما أمكننا قتله .
والقول الفاصل الحق الذي لا ريب فيه أن المسيح لم يقتل ولم يصلب ، بل إن الله قد رفعه إليه رفعا . وما القتل المزعوم إلا حدثا موهوما قد شبه لليهود والنصارى معا فانطلقوا يهذون في تخريص واهم بقتل المسيح وصلبه .
وحقيقة المسألة تأتي في غاية السهولة والبساطة لو صاخ الناس لكلمة الوحي الفاصلة التي تقضي في الأمر في صدق ويقين قطعيين ، أن حقيقة المسألة سهلة وبسيطة لا تحتمل شيئا من مثل هذا الصخب المصطنع وهذه الضجة العارمة المفتعلة وما صاحب ذلك كله من خلاف عميق أثار في الأرض رياح النزاع والتخاصم بين المجتمعات والطوائف على مر الزمن .
إن المسألة لا تحتمل مثل شيء من هذا الذي حدث ، إن هي إلا قصة مولود جيء به من غير نكاح ، ولا يقع ذلك إلا بإذن الله ، وهو القادر على كل شيء . نتصور سهولة ذلك وبساطة حدوثه عندما نستذكر مسألة الخلق بالنسبة لأبي البشر آدم عليه السلام ؛ إذ خلقه الله من طين لازب ؛ فليس ثمة أب وليس ثمة أم . ذلك كل الذي يقال ببساطة في مثل هذا الموقف كيلا نتعثر فيما تعثرت به الطوائف والأناسي من الخلاف والخصام وما أعقبه ذلك من فتن وخلافات وخصومات دينية معقدة مستعصية لا سبيل لفضها طيلة الدهر .
وقوله : ( ولكن شبه لهم ) والعبارة على هذا النحو تحتمل الإجمال مما حدا بالعلماء والمفسرين أن يدلوا بأقوال شتى في الكشف عن المقصود بالتشبيه . ولا نلمك في هذا المقام أن نخوض في الكشف والتبيين خوضا يعقبه تكلف . لكن الذي نملك أن نقوله أن قصة القتل والصلب كاذبة موهومة وكل الذي حصل أن ذلك شبه لهم ، على ما في هذا التعبير من إجمال ، سواء كان التشبيه بإلقاء صورة المسيح على أحد الحواريين فشابهه تماما ، أو أن اليهود قد قتلوا الذي قتلوه وهم في شك إن كان هو المسيح أو غيره فظنوا ذلك ظنا .
قوله : ( وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ) واختلافهم فيه قد جاء في تفسيره جملة أقوال منها : أن المسيح إله وذلك غاية الإفراط الذي بلغه النصارى في تقديس عيسى عليه السلام . وقال بعضهم : بل هو ابن الله .
ومنها : أنه قد رفع إلى السماء ولم يقتل . وذلك قول فريق من قومه الذين عاينوا رفعه .
ومنها : أن عيسى قد صلب من حيث ناسوته لا من حيث لاهوته . بمعنى أن جانبه الإنساني هو الذي وقع عليه القتل والصلب ، لكن جانبه الإلهي لا يقع عليه قتل ولا يحتمل شيئا من ذلك ؛ لأنه يمثل جزءا من إله والقتل فيه غير متصور .
ومنها : أنه قد قتل وصلب من حيث ناسوته ولاهاوته معا . فقد وقع القتل على ما فيه من جانبين متكاملين .
وقيل غير ذلك من مثل هذه الأقوال المتكلفة المعقدة التي تقوم على الظن والتخمين ، والتي لا يسعفها المنطق الثابت أو الحجة المعتبرة . لا جرم أن ذلك تفكير هائم سابح في غياهب الوهم الشاطح المريض . وهؤلاء الذين اختلفوا في المسيح على نحو ما بينا ( لفي شك منه ) أي في حيرة وارتياب مما حدث . فهم ليسوا على قطع أو يقين من وقوع القتل والصلب ، ولكنهم مضطربون في ذلك وشاكون . وهم كذلك لا يسعفهم في الذي زعموا أية أثارة من علم أو دليل ، وليس لهم في ذلك إلا الاعتماد على الظن والاستناد إلى التخمين أو الهوى المتعصب . وفي ذلك يقول سبحانه : ( ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ) اتباع منصوب على الاستثناء المنقطع . ثم تعاود الآية التأكيد مرة أخرى لتنفي مقتل المسيح أو موته ، وأن ما أشيع عن قتله ليس إلا ظنا وما هو من اليقين في شيء ( وما قتلوه يقينا ) ما نافية . قتلوه جملة فعلية تتضمن فعلا ماضيا ، والفاعل واو الجماعة ، والضمير في محل نصب مفعول به . يقينا نعت لمصدر محذوف تقديره قولا وتقدير العبارة أن الله قال هذا قولا يقينا . فالله سبحانه يحسم المسألة في يقين لا يعتريه ظن أو شك أن عيسى لم يقتل ( بل رفعه الله إليه ) وقيل في قوله : ( وما قتلوه يقينا ) إنهم لم يقتلوه وهم متيقنون أنه هو ، بل إنهم قتلوه وهم في شك من ذلك .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.